الانسجام في العمل مع وجود معارضة

هل يصح انسجام المرء لعمله مع معارضة انسجام الزوجة له وما هي الشروط التي يجب التوفيق بينها للانسجام إذا كانت المعارضة شديدة. كثير من الزوجات تلح على تغيير عمل الزوج لأن فيه تعارضاً شديداً لحياتها وسلوكها اليومي بالإضافة إلى أن عمل الزوج قد يكون دقيقاً يتطلب هدوءاً واتباع نمط معين من الحياة تفرضه طبيعة العمل فما الحل إذا كان الأمر على العكس للزوجة التي لا تقدر تصرفاتها مع زوجها الذي انصرف بدقة إلى الضرورة في سلوكه المعينّ.

فمثلاً إذا كان العمل في تعاطي المحاماة فيجب على الممتهن لهذه المهنة أن يستيقظ باكراً أو يسهر متأخراً لقراءة ودراسة ما يرده من دعاوٍ هو موكل في الدفاع عنها ولا بد له حين الانتهاء من دوامه والعودة إلى البيت أن يتكلم كما لو يرافع ضد خصمه وأن يؤشر بيديه كما لو كانت الزوجة هي الحاكم الذي يرى في دفاعه وجهة حق له فيفرح بانتصاره على خصمه وكسبه للدعوى التي يرافع من أجلها. وفي ذلك كله وجود له ولدفاعاته كما لم تكن الزوجة إلا طرفاً ثانياً حاكماً له أو عليه وهنا تكمن المشكلة في الزوجة التي ترى في حقها عليه غبناً حيث الانصراف عنها كما يبدو كلياً ولم يعد لها وجود.

Continue reading "الانسجام في العمل مع وجود معارضة" »

ما تحفظه الذاكرة

ما تحفظه الذاكرة وما يتأثر به القلب وتتبدل به الحركات لهو أمر من الأهمية بمكان فإذا ما سيطر الفكر على العمل وتغلب العقل على عدم النسيان فإن الانطباع يجري مجرى التقيد في الحركة وإن الحركة عاجزة عن الخضوع لهذه المعلومات في الذاكرة.

يسرني أن يتكلم القلب عن اللسان ويسرني أن تتحدث الحركة عما في القلب فإذا ترجمان العقل ينتقل إلى ترجمان الفؤاد فالترجمة تأتي طبقاً لما يعتمل في النفس من أثر للقلب أو العقل. كان لها هذا الوقع من الانفعال فبعدما علمت أن العيون التي تواظب على التطلع والتمحيص فإن لنظراتها محبة القلب ومحبة العقل، ولما كانت لا تريد أن يكون لهذا الدليل أثر على ذاتها ونفسها من الآخرين فإنها أطبقت أجفانها عند التطلع وأرادت أن تخفي ما لهذه النظرات من أثر لهذا المعنى الذي يتجسم في المحبة والعاطفة فبدا ذلك دليلاً على قوة المحبة لا ضعفها لأنها إن فعلت غير ذلك فقد اتهمت المحبة وكانت أرادت أن تكون جهاراً لا سراً.

Continue reading "ما تحفظه الذاكرة" »

نعم… أو… لا …

كثيراً ما ترى القول في الرغبة للعمل لا يأتي مطابقاً للعمل، فالفتاة التي أحبت ممارسة عملها في الوظيفة كما تقول الأخت، لا تلبث أن تنقطع عن طوع إرادتها وليست هناك حاجة للانصراف عنه، غير أنها وجدت في وظيفتها عبئاً ثقيلاً لنفسها وصحتها في الوقت الذي كان وجودها في أثناء الدوام لا يسبب لها الإزعاج كما رأت بعد أن استغنت واسترخت ووجدت في حياتها الزوجية شاغلاً لها عن الوظيفة.
فإذا أردنا استقصاء الحديث في هذا الموضوع فإننا نرى أن الدافع لها لهذه المحبة ليس الجمال بمفرده وإنما الدمامة التي توهمتها ممثلة في زوايا بيتها لا تطمئن لحديث المتكلم ولا تركن لبشاشة الوجوه التي تراها. وعندما يستبد بها هذا الرأي فإنها تنطلق من إحساسها فإذا ما عادت ثانية إلى هذا الإحساس في نفسها من وجودها موظفة فإن رؤيتها الجديدة تذهب بها للقول الآخر فتعطي للبت بأمرها فرصة أخرى فتؤثر راحة البيت على عطاءات العمل فلا الراحة متوفرة ولا عودتها للعمل سيعيد لها العطاء من جديد.
إن كلمة " لا " عند الفتاة التي لا تؤمن بما تنطوي عليه هذه اللفظة من دلالة على الرفض وعدم القبول، ما هي إلا لفظة يعقبها مرة أخرى كلمة ثانية نقيضها وهي كلمة " نعم " التي هي أيضاً لا تعني الموافقة، وبمعنى آخر تتأرجح كلماتها بين التأييد والمعارضة، ففي التأييد دعم أو لا دعم وكذلك في المعارضة نصر أو لا نصر.
فإذا اجتمع القول على كلمة " نعم " وكان القرار يتطلب من جميع الفتيات أن ينسجن من شعورهن حبلاً يطوقن به الأعناق لإبداء فضلهن على الأزواج لما تأخرن في ذلك، فهذا يعني أن الحماس يدب في نفوسهن ولا يتراجعن إلا إذا وجدن أن هذه الأطواق من الشعر ستحز في موضعها فتؤلم وتدعو إلى الصراخ.
فكلمة " نعم " دلت على التأييد والشجاعة للغضب المستولي على النفس، وكلمة " لا " عنت أو دلت على الرضا والقبول بعد زوال هذا الغضب، وأنىّ للغضب أن يستمر، وأنىّ للرضا أن لا يتبعه غضب. إن الفتاة في ثباتها للعمل الوظيفي ليس دليلاً على تملك حبه لها إلا بعد أن تستمر فيه ولا تراه عائقاً لبيتها وأولادها، فبإمكانها أن تنظم عمل البيت وشؤون الأولاد والقيام بواجب الزوج. وعندها تكون كلمة " لا " مبدئية وكذلك القول في كلمة " نعم " التي هي الأخرى مبدئية.

حمص 2/ 11/1986م

المشكلة أياً كانت قائمة

ولاذ بالصمت وكان كل ما فيه ينطق، ولاذ بالصمت الذي أراده في لسانه ولم يكن ليستطيع أن يبقيه في عينيه وحركاته. لقد فرضه على نفسه فقسا عليها واجتهد أن يكون الكلام خاضعاً لميزان العقل والمنطق فما نجح بهذه المحاولة كل النجاح لأن مشاعره ضاقت بما يحويه قلبه الصغير من أفراح وأحزان وإنه إذ ليعتصر هذه الأفراح لتخرج حركة وعملاً فتبدو في عينيه صورة ناطقة لحركته وعمله. وإنه أيضاً ليعتصر أحزانه لتختفي وراء صموده وجهده فيتغلب عليها أحياناً وتغلبه حيناً وتفهم مشكلته قائمة وحلها يتعلق بمشاكل أمته ووطنه.
لقد أراد أن يخرج عن صمته فإذا به يتكلم ليدخل في سمعه من جديد كلمات مشكلتها حاجتها إلى صحة وإثبات وانتظار ودراسة وامتناع وأخيراً حكم مبرم. لماذا لا يكون الكلام صحيحاً إذا كان مصدره مشاهدة عيان وحال واقع؟‍! لماذا المبالغة في الكلام حتى لا يكون موضع ثقة قائلة واعتبار سامعه؟. لماذا الانتظار الطويل للتحقيق في الموضوع انتظاراً سبقه انتظار ولحقه دراسة؟. لماذا هذه الدراسة الطويلة للواضح الذي لا يتضح بعض الإيضاح؟!
إن المشكلة قائمة ما دامت العقول التي تتفهم لم تخاطب بما يوجز ويعقل وبما يبعد عن الأهواء والأغراض الشخصية. وبما يتلاءم مع المناسبات الموفقة الناجحة وأخيراً بما يكون للناطق من اعتبار شخصي واحترام حتى تتمثل قضيته بشخصه.؟؟
إن الإيجاز من صفات البلغاء فالمتكلم عليه أن يتمتع بهذه الصفة ليكون الكلام مسموعاً. إن صحة الكلام ضروري حتى يدخل في مفهوم المستمع دون استئذان. إن البعد عن المطامع خلق نبيل فلا ينبغي أن نجعل القول الجميل يسف بما ننزع إليه من رغبات وأهواء.
وهناك أمور أخرى تتعلق بصحة الأجسام والنفوس فتعتاد على الصبر ليأتي كل شيء في دوره وإذا جاء الدور علينا أن نهتم بالوقت المناسب ليأخذ دورنا في النجاح. هناك أيضاً أمور تتعلق بالمشاركة والتبادل فلا ينبغي أن نتكلم ما هو بحاجة إلى أن نسمع كما لا ينبغي إطالة الكلام قبل الوقوف على الاستماع.
إن التربية البيتية هي التي تقوي حاجة الفرد إلى الكلام عندما يكون الحاجة إليه كبيرة وهي التي تقوي حاجته إلى الصمت عندما يكون الكلام مؤذياً ضاراً. وهي التي تقوي حاجته إليها معاً ليبقى الصمت صمتاً باللسان والعين وليبقى الكلام كلاماً دون حاجة إلى سد المسامع وإرهاق النفس.

كلمة وقائل

سارت بنا السيارة في وسط صاخب من الحركة والضجيج وقد كان ركابها استعدوا لخوض معركة من الكلام والنقاش لولا أن بدا من بعضهم انقسام الرأي على ما كان يجمعه الفريق الثاني من طلب واحد اختلف عن الطلب الثاني في تحديد الساعة للانطلاق جميعاً نحو وجهة معينة ولأمر مشترك.
قال الفريق الأول محبذاً رأيه وداعماً حجته: إذا كانت السيارة تنطلق بنا للسفر في الساعة السادسة مساءً فإن إمهالنا لهذا الوقت يكون داعياً للاستراحة التامة وقت الظهر بعد الغذاء واطمئناننا إلى أن زوال النهار كان من جانب العطلة في الإقامة ببلدنا بين الأهل والأصحاب حتى نلقي عليهم النظرة الأخيرة في الوداع قبل السفر.
أما الفريق الثاني فقد اجتهد في الإسراع في السفر قبل السادسة أي في الثالثة مساءً ليتيح له الوصول قبل أن يتأخر الليل فيستفيد من كامل حقوقه في الراحة والهناء بالإضافة إلى اجتناب المخاطر التي تهدد المسافر في خلال الطريق فيأمن كلياً حوادث السيارات ليتم تأمين الركاب من كل عارض سوء أو إبطاء في السير.
ليس المهم أن يكون للركاب آراء مختلفة بقدر ما يكون لهم من رؤساء متعددين لا تطبعهم بطابع الاحترام والانصياع للقول فهب أن قائدهم لم يكن ليحسن الرأي أفليس من الأجدر بهم ألا يسيئوا إلى رأيهم من بعد تفرقهم عنه فلو كان سداد الرأي مع الفريق الأول فهل هذا يعني خطل الرأي مع الفريق الثاني بحيث أنهم جميعاً يطلبون تأمين الراحة وليست راحة أحدهم في إقلاق راحة الثاني.
الحق إننا ماهرون في المعارضة وإظهار المهارة وليست المعارضة هي الطريق للوصول إلى الاستقامة والصواب وإنما هي الشغب للوصول إلى مقاومة الآخرين فيما يجتهدون ويرغبون.
أما المهارة فهي ليست في الإتقان والتمييز بين ساعة وأخرى من النهار لتجعلنا أكثر نجاحاً في التوفيق بين ما نطلبه وبين ما نتمكن من تنفيذه وتحقيقه. وإنما المهارة أن نتحمل نتائج المعارضة بحيث نكون أقوياء أشداء فإذا ما خاب ظننا في إمكان اجتياز الطريق فليس علينا حرجاً في مواجهة كل صعوبة ممكنة فيها لو احتجنا أن نبقى في السيارة حتى يأتينا الإسعاف أو ننام في داخلها إلى ما هنالك من مقابلات تحتاج إلى صمود وعناء.
كانت السيارة قد وصلت إلى مكان الهدف بعد أن خمدت جميع أصوات المعارضة وبدعابة جميلة من أحد الركاب صفق لها القسم الثاني فأسكتت مطلب القسم الأول وكذلك بسخرية من راكب ثاني على الفشل الذي أصاب الفريق الأول جعل محور الكلام يدور في دوامة أخرى لم يصحح دورانها إلا استمرار السيارة في متابعة السير لإثباتها قوة الحركة تفوق قوة الكلمة التي هي في الحقيقة ليست إلا انعكاساً للتردد والحيرة. فالكلمة إذاً لم يكن لها من قائل. فالقائل ليس له من كلمة إذا لم تكن له مطواعة وكان لها مطواعاً.

السر في تباين الأطفال

أخذت بعد صبر طويل أفتش عن السر في معرفة تباين الأطفال بعضهم عن بعض حيث أنني لم أهتد إلى معرفته من خلال مراقبتهم والاهتمام بشؤونهم كمعلم عهد إليه بتوجيههم وتربيتهم التربية الصالحة، وأنا في هذه الحيرة الطويلة اهتديت إلى أمر يبدو منه الظلام ولو كان يشع النور من جوانبه: هذا الأمر هو حياة الطالب في بيته مع أهله. ولذا وجدتني مضطراً إلى تمزيق حجاب السكون والهدوء فأطوف معه في نزهة تضم رفاقه لأزور القائمين على رعايته وأعطيهم مدى الإمكانيات الموجودة عند أطفالهم مع ما استطاعوا من اكتسابه من الفوائد وعدم استطاعتهم للتوصل إلى الغاية التي حققها البعض بوجه تام وما لم يحققها إلا بوجه ناقص.
إنني كنت واجداً في أحد الطلاب أمراً غريباً من سكونه وهدوئه استطعت بعد جهدي في إنعاشه وتنشيطه ليكون شبيهاً لرفاقه أن أجزم بوجود العلة في أسرته لعدم تمكنها ملاءمة الطفل بين حياته في المدرسة وحياته في البيت وإن الحياة الخاصة تعكس على الحياة العامة ليبرز منها نموذج الطفل في حركاته وسكناته ونشاطه وجموده. وبالفعل بعد الاتصال بذويه وأبيه وجدت أن المثالية الموجودة في الأب لا يستطيع أن يصبها في قالب ولده وإن انضغاط الأمر يولد نوعاً مختلفاً في الحياتين فإما إلى الحركة الشديدة في البيت أو المدرسة وإما الهدوء المطلق في أحدهما ليعكسه في الآخر.
لا بد للحياة من تدرج ينتقل فيها الطفل من طبيعته المرحة إلى الهدوء والاتزان شيئاً فشيئاً حتى يكبر وينضج. ولا بد للتنظيم المبكر والإرادة غير الطبيعية من انفجار عند صاحبها فيظهر الفرح وهو في أشد المقت ويتكلف الهدوء وهو في أشد الاضطراب ويتصنع الرضا وهو في أشد الهيجان ويدفعه إلى كل ذلك طبيعة الحياة فينبغي أن يقضي فترات متقطعة بين اللعب والجد وبين النشاط والهدوء وبين الغذاء والجهد.
كنت أيضاً واجداً في طفل آخر حدة في الذكاء والنشاط لا تضاهى وإقبالاً على المرح والسرور لا يعدل وميلاً إلى الحركة واللعب لا يوقف ـ وإذ أنا
في هذا الإعجاب الكبير لهذا الطفل وجدتني أرى أن كل شيء طبيعي فالوالدان قد تمتعا بكامل صحتهما وسعادتهما الزوجية ولا ينقصهما إلا أن يجدا السعادة في أطفالهم وقد تزينوا بالذوق والأدب والعلم والطاعة والابتسامة والنظافة.
لا بد لكل إنسان من مرآة تعكس صورته فالآباء مرآة لأطفالهم تنطبع في أذهانهم وعاداتهم ما يرون فيها من أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم فإذا كانت المشاهدات والمسامع جميلة جذابة مثمرة نافعة، حكيمة موزونة أثرت فيهم تأثيراً واضحاً وقلدوها دون أن يدركوا ماهيتها وقيمتها وعلى مر الأيام تصبح فيهم طبعاً أصيلاً.
إن الأطفال يعيشون بين هذين النوعين من الأهل والآباء وهم يحاسبون في أعمالهم دون أن نعود إلى طبيعة ومزاج والديهم فالحياة تقسو عليهم إذا أريد منهم ما لم يعرفوه في بيتهم والحياة تحنو عليهم إذا أريد منهم ما ألفوه وتدرجوا عليه لذلك يكافئ الطفل في الحالة الأولى مكافأة مضاعفة إذا استطاع أن يحطم هذه الصعوبات وينهض من هوته ثم يجد أن يكون الأمر طبيعياً فيوفق بين العقول المتناقضة المتأخرة ليجعلها إلى جانبه بدلاً من أن تقف موقف المقاومة والعناد.
صحيح إن تربية الأطفال وتعويدهم العادات الحسنة أمر سهل على حسب صغرهم ونضارة عودهم ولكننا نجد أن هذه التربية تعتمد في الدرجة الأولى على وعي الوالدين ثم تأتي في الدرجة الثانية أهمية المعلم المرشد. صحيح أن الآباء لا يسلكون مع أطفالهم سلوكاً واحداً، إلا أن السلوك السوي هو جعلهم يتمتعون بكل القدرات الممكنة لمثل سنهم وذكائهم.

وما تتلفظ به الشفاه

وما تتلفظ به الشفاه من كلمات أو تعبير لما يجول في نفس صاحبها من المفاهيم وما تلفظت به الشفاه من كلمات و تعبير عند الرغبة في الإفصاح عما يجول في خاطر صاحبها من حب للكلام لتتلخص جميعها بالحاجة إلى الإخلاص في العمل. كان في ملتقى الأخوة الشباب تصوير الواقع الأليم الذي وصلت له فالشكوى وحدها لا تجدي لتؤكد جميعها الحاجة الماسة إلى الإخلاص في العمل كل بمفرده دون النظر إلى باقي الرفاق.
وإن ما يبدو عند بعضهم فيه فساد لعمل الآخرين ينبغي أن يقابل بحسن التفسير وإن من يتأكد له هذا الاعوجاج فعليه أن يأخذ به بالطريقة المثلى لإصلاحه على أن يظل مستمراً في استقامته ليبقى المعوج منفرداً في سلوكه فلا بد أن يرجع إلى الطريقة المثلى التي لا تليق به.
وإذا كان الإيذاء شديداً قوياً فينبغي أن لا ينتقم منه وإنما ينبغي أن تصب النقمة على عمله دون المساس إلى شخصه فإن عمله ينطبق على سلوك اجتماعي مما تتألم به الإنسانية وينفرد منه الضمير ويتعذب بإحساسه أما شخصه فإنه لا يتعدى أن يكون حياً مخطئاً في فهمه أو ملتوياً في إنسانيته.
وإذا ثبت فهم الجيد في بعض الأمور وإنسانيته القوية فعلينا أن نحسن الفهم لأعماله ونعدها سراً يجب علينا حل لغزه والتوصل بمفهومنا إلى إدراكه، ومن هنا لا بد أن يأتي لنا الخبر اليقين في معرفة باطن الأمور التي تلتمس العذر عند التوقف على ما يشاكلها، وما وصفنا لرجل بعدم النزاهة إلا بعد تجرده مما يضير نزاهة من شائبة فبإمكانه أن يتجرد من التخرب لينطلق من حكمه العادل في الأمور أما إذا كانت الحاجة في الانتفاع بما يسد به نقصه فعلينا أن نوفر له جميع أسباب هذا النقص. وإذا أدينا ما له من حقوق فلضميره الذي يحاسبه على ما صنع وبعدها نلقي عليه النظرة التي تشعره بسوء تصرفه وحاجته إلى الرجوع عن الخطأ.
ليس من شيء أقسى على الإنسان من الحكم عليه تجاه ما يبدو من عمل واحد فقط دون النظر إلى بقية أعماله وليس شيء أيضاً ألم له من أن يؤخذ من تفسير سيئ لبعض أقواله دون النظر إلى مجملها وقبل كل ذلك فإن النية الصادقة في الأمور هي التي تشفع لبعضهم من وجود ما لا يرضي. لست أحب أن أقول إن كثيراً من الأعمال يصعب على الإنسان مراقبة فاعلها وإنما يترك له ضميره وإنسانيته فعلينا أن نتخلق بما يحفظ أعمالنا من العبث فما تترك لنا هذه الأعمال لمحاسبة ضميرنا وخلقنا فليس بالإمكان مراقبة كل شيء وإنما الرجوع إلى إصلاح النفوس وتهذيبها.

يثور ويغضب

إنه يثور ويغضب من أجل وصفه بالفوضى أجل إنه يغضب من أجل اكتشاف رفاقه لحقيقته ومن أجل قناعته بصحة الفوضى التي نسبت إليه، أجل إنه أراد أن يبرهن بالكلام على الحقيقة ‍التي تبقى أبداً حقيقية في لونها وواقعها فإليه وإلى كل فوضوي أقول: إنك تبدأ بالتنظيم عندما تبدأ بالاعتراف بصحة ما يصفك به زميلك ولا تجد مكابرة بنفسك عندما يصارحك به الإنسان الذي يراك دائماً بجانبه ويرغب أن تكون مرتاحاً فيما يطلب منك من مراجعة وسؤال وجواب وأوراق تتعلق بمهمتك.
رأيت الأمر في باطنه أكثر تعقيداً وأشد عمقاً فالمفهوم للفوضى بصفة عامة هي ترك الأمور كما هي وليست كما يجب أن تكون فلو وضعت الأشياء في موضعها من التنسيق والتصفيف لربحنا الوقت في التفتيش عما نحتاجه منها في وقته ولأرحنا أنفسنا من هذا العناء الذي يضايقنا بغية الوصول إلى مرادنا وما ينبغي لنا حصوله دون تأخير ولا تأجيل حتى لا تضيع الفرصة منا ويضيعها البحث والتفتيش بالإضافة إلى القلق والاضطراب الذي ينتابنا عندما نريد أن نتأكد من وجود الشيء المطلوب وما وضع في مكانه عند الانتهاء من لزومه.
إن التنظيم ليس بالأمر السهل ولا بالصعب وإنما هناك اعتياد تتآلف معه الحواس وتطمئن إليه النفوس ويشغل بال المدقق والمصحح للوضع الشاذ الذي توضع فيه الأشياء في موضعها. ولقد أصف الفوضى بقيام الإنسان بأعمال كثيرة دون ترك فاصل زمني بين ما تتركه الأولى وتحتاج إليه الثانية، ولقد أصفها أيضاً بحداثة الشخص لما تتراكم عليه الأعمال ولا يقدر على البت بها بسرعة وإيجاز كما أصفها باستغراق النظر والسمع لما يرى من تعدد الصور ومختلفها فيشتغل قلبه وسمعه بها ولا يستطيع بعد ذلك التمييز بين الفارق الذي يدفعه إلى العمل والفارق الذي يجذبه إلى المفاجآت التي تتطلب بداهة وسرعة في الخاطر.
إن التنظيم عمل عظيم يستعد له الإنسان ليكون قادراً على الإحاطة بموضوعه ورغم كل ذلك فإن لكل منظم إنساناً آخر يفوقه في تبسيط الصعوبات بحيث لا يجدها صعبة كما تبدو وفي هذه الحالة يمكن القول إن الممارسة للتنظيم في عمل ما يبدو للثاني أكثر مطواعاً منه للشخص الأول وإن كل جزء من أجزائه قد صوبت للتنسيق والتنظيم بحيث يتلقى بقية الأعمال في هدوء وراحة دون أن تبدو عليه مظاهر الارتباك والخجل.
إن من أدق وأهم هذه التنظيمات هو ما يتعلق بالصانع والعامل والتاجر في مشغلهم فإن سرعة تهافته إلى ما يقصده من إنجاز وإن سرعة انصرافه إلى ما حققه من قصد يبدوان غريبان في شكلهما لأن الزمن المصروف بحثاً واكتشافاً لا يتعارض مع الزمن الموفر لإيجاد البحث والاكتشاف إلى الشيء المراد مرة ثانية دون سابق إنذار لأن طلبك إليه يستمر ما دمت تحيا فيه فاستغناؤك عنه لفترة قصيرة لا يمنعك من الحاجة إليه وأنت تضيع الفترات الطوال في البحث عن وسيلة للاهتداء إلى الضائع من الأشياء.
إنك لا تدري لماذا أنت جد متهوس لإعادة مراجعة اسم أو بيان أو تقرير أو ملاحظة أو وصية ذلك لأنك لم تقرأه بتمعن ولم تفحص محتوياته فحصاً دقيقاً ثم إنك بالإضافة إلى ذلك فقد وضعته في مرتبة أعلى من استحقاقه وقد يكون هذا الوضع على حساب عمل آخر أهملته ولم تشغل بالك فيه وذلك لعدم استمزاجك له ووجود
الفائدة من العناية به.
إن التنظيم أمر مستحب وضروري حتى تنتظم الأمور في مجرياتها غير أن ما نكسبه بالاعتياد شيء آخر يفوق ما تحرزه بالتصوير والتفكير حيث أن الفكرة تذهب وتجيء وكذلك الصورة لا تستقر طويلاً في الذهن أما ما استخدمته في آليتك وما أطبعت به فؤادك وعينك فإنه الشيء الذي تصبر عليه إذا ضايقك ولا يضيقك صبراً واحتمالاً في الوقت الذي يفرغ به صبر كثيرين ممن لهم ذات اليد والعين والفكر ولكن ليست لهم ذات الروح والنفس الطويل للالتهاء به لهواً يكون مع الفائدة والسرور والنجاح.

إن الذي جعلك محبوباً

إن الذي جعلك محبوباً عندي هو الذي جعلني أصفك وجعلك تنقاد حقاً إلى الترجمة السيئة ينقلها الضاحك منك والعابث بأمانة القارئ فكيف يجتمع ما أريده لك من خير وما تسمعه من وصف لا يرضيك وكيف تريدني أن أرى الأشياء والأشخاص وكأنها منفصلة عن صانعها وما هي الطريقة التي تجعلك واعياً للكلام وأنت في زحمة من هواجسك؟
إن ذكر الشيء ليدل على العين البصيرة التي تراه وأن إمساك اللسان عنه ليدل أيضاً على انشغالها عما تراه ولو مدحتك دائماً لكنت ترى نفسك الإنسان الذي لا يخطئ ولو تعرضت حيناً لبعض المساوئ فإنني ولا شك أضعك في مرتبة الإنسان لتصل إلى سمو الملائكة أقل شيء يوصف به الإنسان ولا يرضى عنه هو الفوضى وأعظم تقدير يمنح له ولا يهتم به هو "التنظيم" فما تذكر الفوضى إلا ليأتي بعدها التنظيم، وليس في التنظيم قولاً إلا إذا كان فيه شيء جديد مبدع يتخطى حدود المعقول، فأنت من أي الناس تريد أن تكون وأنا من أيهم أقف معك؟
إذا كان الوصف جميلاً بحقك فهل يصل علم ذلك إليك وتصدقني وأنت تعرف حقيقة نفسك وإذا كان الوصف سيئاً فكن متأكداً أنه لو أريد به إرادة لذاته لما وصل علمه إليك فهل تريدني أن تكون الكراهية في نفسي لك وإنك لا تفارقني وإني أراك صباح مساء وإننا للكلام ملازمان.
إن الذي أراد لك هذه الترجمة السيئة إنسان كان يعلم أنه صانع خير لك وأنه أراد أن يوحي بمعرفة بباطن الأمور بالدلالة على إعجابه بنفسه ولو أنه صالح لك كل الصلاح لما جعلك تثور في وقت تحتاج فيه إلى الراحة ولكان استمع إلى كاتب هذه الكلمات ليدرك سراً من ورائها قد غاب عنه، فللكاتب الحق بان يجعل كلماته حيناً تدور في دوران الذم وهي بقصد المدح وقرينته من ذلك صدقه للرواية وإنصافه للحق وجعل اللوم عليه داعياً للإشفاق بدلاً من الحساب العسير.
إن الذي أراد لك ذلك كان من حقه أن يكون أميناً على ما أؤتمن له وقد ادعى لنفسه الأمانة لك في حسن التفسير والمغزى أفما كان أولى به حفظه للوصية التي فرط بها ادعاءاً منه وزعماً أن الحق يحق أن يجهر به وأن الباطل من الضروري البوح به.
إنني أردت بكل ذلك تنبهك إلى أشياء تجري تحت سمعك وبصرك ومن هذه الأشياء تحديد الصلاحية وعدم تجاوزها سواء لك أو لغيرك فليست صلاحيتك أن تحمل أعباء ومسؤوليات ما أنت به غير مكفل على قدرة منك باستعدادك لكل هذه الواجبات كما ليس من صلاحيات غيرك أن يكون كل شيء وهو في عمله ومهنته محدود المهمة.
لقد سمعت منك قول الحق فهو يلفظ في باطن نفسك وسمعت منك قول الباطل فهو يلفظ في ظاهرها ولقد يصرخ الحق من باطنك حيناً لتسمعه الآذان أما باطلك فيجري على لسانك وكأنه دعابة لم يرد لذاته وإنما أريد للحق الذي يختنق في أعماق نفسك.
إن الذي جعلك محبوباً عندي هو ارتباكك بحيث يدل على زحمة الأعمال وهل لمرتبك كثرت لديه الأمور إلا أن يحتار فيها فلا يستكمل نقصها إلا بعد فوات وإذا جدت إليه وازدحمت فعليه أن يأخذ بكل منها على طرف ثم ينتقل بعدها إلى الطرف الثاني والثالث لنأتي إلى النهاية.
لك من ترجمانك أذن واعية وليكن من موضوعها أيضاً لسان يقرأ فإذا ما صدقك الترجمان كذبك اللسان وإذا ما كذبك اللسان جعلت ما بينك وبين الترجمان حبلاً طويلاً إذا وصله قطعته وإذا تركه على حاله عدت به إلى وضعه الحقيقي من الطول فلا يستطيع أن يمد به وصله ولا يستطيع أن يقفز عليه ليلعب لعبة الساخر.

أسلوب جديد

نفسك السمحة الرضية تساعدك على القول بصراحة ولو كانت هذه الصراحة مخجلة لك حقاً ونفسك الساخطة الغضبى لا تمنح لك هذه الصراحة ولو كانت مشرفة ومكرمة إن نفسك السمحة الرضية لا تكون مع مخاذلتك وأنت ما دعوت أحداً للتنفير منك بسبب تقصيرك عن الواجب وإن نفسك الساخطة تكونت بسبب ما تراكم عليها من الدخان المتصاعد حولها فأثار الرعب في سلامتها ولو بقيت قوية لا تخشى فناءها.
نفسك السمحة الرضية تساعدك على تلقي المعلومات المفيدة من أي مصدر كانت فتتغذى بها وتقوى وتسيطر على وساوسها، أما نفسك الغضبى فيقف العلم حائراً بين أن يدخل إليها ويحل محل الغضب أو يبقى الغضب فلا يستطيع الدخول. نفسك السمحة الرضية تساعدك على مقابلة الصعوبات فتمر بك دون أن تكترث لها بينما نفسك الغضبى تزداد في تقدير الصعوبات لتجد كل شيء لديها صعباً لا يمكن اقتحامه. نفسك السمحة تجعل بينك وبين الناس صلة التفاهم والمحبة فتتحمل أخطاءهم بينما نفسك الغضبى لا تحتمل أخطاء نفسك ناهيك عن أخطاء الغير.
نفسك السمحة يشع منها قلب مؤمن بالحياة وواجباتها فتتحمل كامل المسؤوليات دون أن تتهرب منها فلا تجد القيام بالواجب إلا شعوراً بالرضا تعمله وتنتظر واجب آخر لتسرع بالقيام به. نفسك السمحة تريدك قوة وجمالاً فلا تثور لأتفه الأسباب فتفقد ذاكرتك فلا تعود تدري ماذا تصنع بل تبقى مطمئناً للنتيجة مؤمناً بالوصول إلى سيرها الطبيعي ولو بدت معاكسة. كيف يمكن أن يكون لك نفس راضية بعد أن كانت ساخطة وكيف يمكن أن تحافظ على رضا نفسك من السخط والانتقام، فإذا ما أردت ذلك فاجعل الاعتماد على نفسك والإيمان بالله تعالى هما طريق البداية لتصل إلى شاطئ السلام.
ولا بد لك من توفر صحتك وقوة عزيمتك وصدق نيتك فيما أنت له تسعى وتنشط، ولا بد لك أيضاً أن تفهم نفسك فهماً صحيحاً لترى منها نفوس الناس فلا تخدع بما ترى و تسمع ولا تضطرب بما تفاجئ وتستبشر ولا تتردد فيما تنوب وتحزم بالأمر.ما الذي يجعلك راضياً وأنت تعيش في جو ساخط وما الذي يجعلك ساخطاً وأنت تعيش في جو راضٍ، لو تأملت حقيقة الحياة لوجدت المطامع التي ترغب في كسبها هي التي تقلقك وتقض مضجعك فلا تطمح في كسب دون أن تجتهد له وتعطي حقه من ثمن التقدير والإمكانية.
إذا كنت راضياً أو ساخطاً فماذا يعني؟ تماماً هذا يعني أنك فزت بما أنت له جدير وفشلت بما أنت لم تعد له العدة وكان عليك بعد ذلك أن لا تغتر بالنصر فتثابر على حسن سيرتك وأن لا تيأس فتجدد النشاط مرة أخرى بصبر وإيمان.
إذا كنت شجاعاً فقد يمكن أن تكون لك نفس رضية أو ساخطة أما إذا كنت جباناً فليس لك إلا نفس ساخطة وقد تتوهم رضاك في سخطك وبالعكس ولكن الحقيقة هي أنك لا تعيش راض وأنت غير معزز ومكرم في أهلك ووطنك ولا تعيش ساخطاً وأنت موفور الكرامة مرهوب الجانب.
فعلم طفلك شجاعة القلب وصدق اللسان وسماحة النفس وصراحة الرأي ثم لا تخشى بعد ذلك أن يكون ساخطاً في حياته ولو بدا لك أنه غير راضي. فأشجع القلوب ما صمدت ولم تستسلم وأصدق الألسنة ما استقامت على ترداد الحق وإعلان الباطل وأسمح النفوس ما عفت عن أعدائها حين كان بإمكانها أن تنتقم شر انتقام.

المهارة

المهارة في الوصف شيء جميل يتطلب من صاحبه قدرة خاصة في فن الكلام ليكون ماهراً ومجيداً وهم كثيرون إذا أحصوا لأن ذلك لا يتطلب منهم إلا دراسة واسعة ومستفيضة في الأدب من الشعر والنثر، والمهارة في التعليل وبيان الأسباب شيء أجمل يتطلب قدرة أكثر في فهم الموضوع لاستيعابه التام في الأذهان والخروج منه إلى التدقيق والبحث ليصار إلى حكمه في المنطق ومحاكمته في العقول.
والمهارة في الإبداع والإنتاج شيء جميل لا يقدر عليه إلا القليل ممن يمزجون دراستهم وفهمهم بشخصيتهم فتنصهر هذه المعلومات بمفاهيمهم فيعطونها قالباً جديداً يعمل فيها التفكير والانتباه والملاحظة والذكاء ولذلك سمت منزلتهم وأُخذ إنتاجهم بعين الاعتبار فهم واضعون مادة للعلم ووسيلة للتعليم وإضاءة لظلمة عمت عنها الأبصار واهتدت إليها وسارت بهديها بعد اجتهادهم ومناداتهم بصحة التجربة والمهم في هذه المهارة أنها تتطلب فهماً صحيحاً لواقع المجتمع وحاجته حتى تعطى له بمقدار ما يحتاج ليستغني عما كان عليه قبل الوصول إلى الطريقة الجديدة والأسلوب الجديد والعمل المحدث.
والمهم كذلك في هذه المهارة أنها تجد في بادئ الأمر مقاومة ومعارضة شديدة من قبل متتبعها لمكتشفها حتى ليتعرض إلى أقسى أنواع العقوبة ومع ذلك فهو ماض في سيره واجد من لذته الكبرى في حل لغزها ما يجعله صامداً أمام هذه العقبات والشدائد حتى يتم له النجاح في نشر علمه على تلاميذه لتنتقل إلى مدرسة أوسع هي المجتمع وإقراره بها بعد تصديق وموافقة المسؤولين عليها.
ففي العلم نجد متسعاً لنشاطات مختلفة تأخذ كلها بالموافقة والقبول ما دامت تتساير مع ذوق وأماني الأمة والشعب، غير أن هذه النشاطات تقف في طريقها متعثرة لتبقى واضحة معالمها وأهدافها أمام الجميع حتى يتيسر لها السير في مهمتها فيكتب لها التوسع والانتشار بعدما تكون قد أجرت شوطاً كبيراً في التدقيق والحساب ومن بعد الإيمان بأنها لا تمس الأمة في مبادئها وعقيدتها ومن بعد التأكد من إيمان وعقيدة واضعها أنه لخير الإنسان وسعادته.

الصدق يدفع بك إلى القوة

الصدق يدفع بك إلى القوة ولو كنت ذا ضعف وإلى الصراحة ولو كنت ذا جبن ولذا كان بين الصراحة والصدق صلة قديمة فالصراحة جرأة تتطلب منك إمكانيات كثيرة لكي تسلم من مصارحتك، والصدق قوة تتطلب منك الاعتياد عليه منذ صغرك وطفولتك.
وقد تنتقل من الصدق إلى الصراحة إذا أرغمت على الكذب وتمويه الحقيقة فإذا نمت عندك القدرات الكافية لمجابهة الحقائق رأيت نفسك تتكلم بصراحة ولو كانت الخصومة محققة لك من نتيجة المصارحة فالخصومة لا تأتيك من الصراحة إلا من بعد كذبك مع نفسك، والصراحة لا تكون سليمة إلا من بعد خلوها من الغرض الشخصي.
فإذا كان الصدق دافعاً بك إلى التمرد على الباطل فإن الصراحة دافعة إلى الموت في سبيل الحق وليس التمرد صفة الصادق فقط وليس الموت صفة الثائر أيضاً بل هما نتيجتان حتميتان لكل متمسك بمبدأ وعقيدة تمسكاً لا يحيد عنه وقد تعذب وتضطهد في سبيل مبدأك وعقيدتك ولكنك أبداً راض من نفسك في سبيل الحفاظ على سلطان الصدق والصراحة.
فاجتماع الصدق مع الصراحة قوة تحارب بها أهواءك لتتغلب عليها حتى تصبح قادراً على التغلب على أخصامك ممن لم يصدقوا إذا تكلموا وممن يعاب إذا عرضت أعمالهم عليك. فليس من السهل أن تفتش عن عيوبك لتبرزها أمام كل مسائل وليس من الصعب أن تكشف عيوب سائلك لتجد عيبك متضائلاً أمام عيوبه فإذا ما حدثته صدقته في حديثك ولو برزت هذه العيوب، وإذا ما أنكرتها واتخذتها داعية لمقاومتك فأنت من وراء صدقك أقوى وهو من وراء كذبه ومغالاته أضعف فيدفعك حب الصدق للمصارحة والكشف ليجد عيوبه ويأخذ الحذر منك.
أما هو فقد بدأ بالكذب والمكر وانتهى إلى المقاطعة والجفاء فلست بحاجة إلى تعلم الكذب من وراء أسئلته التي لا تفيد وإنما أنت بحاجة إلى تعليمه كيف أن الصدق يدفع بك إلى القوة لمصارحته فلا تتهيب صداقته التي تجرك إلى الطريق الأعوج ليدفعك الخوف إلى التكتم والإخفاء فإذا ما تعرف إلى حقيقة الموقف من بعد إفهامك له وإذا ما تعرفت إلى نفسك عن الاستغناء عنه من بعد مصارحته وجد أن ضعفك قوة وشجاعة وأن قوته ضعف وجبن فيتراجع أو تجبره على التراجع أو يبقى عنيداً يحارب نفسه ليتقن من بعد ما سلمت منه وقد أراد أن يفسدك من غير أن يعلم وقد كانت قوته وهمية وقوتك حقيقية فإذا ما وقفنا للصراع اندحر وجاءك صاغراً ليستسلم فصافحه بيد ولا تترك الأخرى فارغة لتملأها منه في ساعة غدره وخداعه.

نفسي والعالم الخارجي

انطلقت من نفسي إلى العالم الخارجي فكان طبيعياً أن ألتقي بالنفوس،انطلقت من نفسي إلى العالم الخارجي فكان طبيعياً أن تكون النفوس مصدر إلهام ووحي، ولما كانا يحركان القوة الكامنة فيها فقد استمر التجاذب والاندفاع زمناً قصيراً أو طويلاً حتى انتهى بهما الأمر إلى الاستقرار على الوضع الذي يقف فيه كل منهما موقفاً جامداً لا عمل منه، إذن لا بد للقوة الكامنة من إشعاع وهذا الإلهام والوحي هو صوت الجماهير في صراخها ونشيدها وترتيلها.
عدت ثانية لأذهب بعقلي إلى العالم الخارجي فكان طبيعياً أن تكون الأعمال التي تصدرها الإرادة الطوعية أو المرغمة هي المقياس لاطمئنان العقل على وجوده وأعني بالعقل الذكاء والحكمة والمنفعة. إذن لا بد للاطمئنان والتركيز من بروز، والإيمان بخير العمل وإعطائه الثمرة المرجوة هو الدافع للأيدي بالحركة وللقلوب بالمحبة وللصمود بالإرادة.
انطلقت من العلم إلى العالم الخارجي فكان طبيعياً أن يكون الإنتاج الفكري الممثل بالعديد من المصانع والمعامل والمختبرات هي الصلة الروحية التي تجعل الاتجاه إليها طريقاً ممهداً فلها عمالها وموظفوها ولها مهندسوها وكل ذلك جعل حقيقتها واضحة لشغل مكاناً في الأرض وفي السماء وعلى صفحات التاريخ لينشئ جيلاً قوياً يؤمن بالآلة ويسعى في تقدمها وتطورها وحمايتها.
إذن لا بد للعلم من عمل وعمل الآلة في استيفائها لجميع تجهيزات أجزائها والتقدم والنظر إلى المستقبل هو إقبال طلاب العلم على التعليم حباً بالاستكشاف والتحسين.

الفكر يبحث

الفكر يبحث ويبحث ليهتدي ويسترشد وبينما هو في طريقه إلى الاهتداء يأتي النظر فيطل منه على العالم الخارجي فيعوقه ويوقفه عن المتابعة حتى إذا وجد شيئاً متشابهاً أو نقيضاً قريب الصلة أو بعيدها حالية الزمن أو قديمة فإن الفكر يبقى في ركود كامن ليصرخ من جديد لقد وجدتها لقد وجدتها.
ماذا تصنع هؤلاء الأكوام المكدسة من الخلائق بعضها يجد لنفسه مكاناً للجلوس أو الوقوف وبعضها الآخر لا يستطيع أن يقف ولا يجلس حتى ولا يطل من المكان لأنه ارتطم بعقله وبنفسه وبمطلبه الذي يمكن أن يتحقق على غير النحو الذي هو عليه إن كان في الصعوبة أو السهولة وما سبب ذلك إلا لأنه كان شديد الحرص على حق الموظف أو المراجع والنتيجة التي آل إليها كلاً منهم.
هل أريد أن أقول إن الوقوف الطويل يدعو إلى الجلوس الطويل والكلام الكثير يدعو إلى الصمت الطويل والحاجة الملحة تدعو إلى التنابز والتشدد بينها وبين الوصول إليها. قلت هذا بمناسبة الازدحام الكثير الذي يحدث دائماً عند الشعور بالضرورة القصوى لوجود الشيء في نفس الوقت الذي يشعر به الأكثرية المؤلفة من العديد من الناس وعندها لا يكون الأمر سوياً إلا إذا نظمنا أنفسنا إذا كان النظام لا يأتينا من الخارج وعندها بسن النظام الجديد ليجيء كما تريده الحاجة وكما تريده المصلحة العامة.
أقول عندها إني لا أمشي طويلاً في طريقي وأنا سائر لأهتدي إلى مكاني من البحث والتفكير وبينما أنا أسير في هذا الطريق الطويل فإني لأرى ما لم أستطع رؤيته من قبل وأنا جاد في البحث وعندها ألهو بالتعرف عليه للتخفيف من عناء سيري على شرط أن لا يغير مني وجهتي في السير لأدرك النهاية التي من اجلها انطلقت ولا يتطلب ذلك إلا الصبر القليل أو الكثير على أن أحتمل الصبر المرير في قوة الدفع إلى السير قدماً إلى الأمام. وهكذا بقيت يومين لأنتظر دوري في الحصول على الكتب المدرسية للطلاب وهكذا استمريت في نزهتي الشاقة لأهتدي إلى الحاجة لإقامة غرفة الانتظار أو لإعطاء موعد يحدد فيه الزمن ليتم الاستسلام. وبعدها أقول أن الاقتناع بضرورة الدور في تخصيص الزمن يكون واقعاً لا محالة وتأتي النسبة والتعادل من جراء المشاهدة والتجربة والحكم على الواقع.

ومشى متثاقلاً

ومشى متثاقلاً إلى زميله يسأله السبب والبيان والكشف. قالت وأية فائدة تعني ؟؟ قال نعم فذكر إن الذكرى تنفع الغافلين. قالت وماذا يدور في خلدك، قال لك عينان فانظري جيداً فستفهمين ماذا أقصد ؟ قالت إذن لنسكت ولننظر إلى بعضنا، قال ولكن على نظراتنا أن تفعل شيئاً. ونتحرك قالت الاستفادة من الأيدي العاملة والخطوات المتقدمة. قال والدماغ المفكر أيضاً، قالت إذاً في الأمر حيلة قال ولكن عليك أن تطيلي النظر وتتابعي النظرات قالت إذن السر في عيني وفي إرادتي، قال إنما هو للعيون التي تخفي وراءها معرفة الأشياء ولا تبوح بنطقها.
قالت وهل يمنع شيء عن البوح والإفشاء، قال أخاف على نفسي من الموت إذا ما تحركت الشفاه وفتحت فمي، قالت هذه وصية الطبيب قال إن الطبيب نصحني بالصمت عن الكلام غير أني إذا ما سمعته منك فإني لا أقوى على احتماله. فإذا ما تذكرت بالنصيحة فإني أعود للجلد. قالت إذن يدفعك إلى الكلام حاجة الآخرين وقال يدفعني إلى الصمت حاجة الآخرين أيضاً.
قالت ماذا تصنع عندها قلت أنظر إلى شعاع العيون وبريقها فإذا ما التقيت نظراتها فإن الصوت الذي يخرج يعبر عما في النفس يخفت حتى ليهمس ولم يبقى فيه تموج قالت إذن أنت عاشق قال وليس عندي صفاته بل موصوفه قالت وللقلب دقات قال أخشى على دقاته من الوقف فتنقطع الحياة قالت وهل في الجسم حرارة قال وفيه أيضاً برودة قالت أيهما أقوى قال حرارة الإيمان وبرودة المعرفة فإذا ما امتزجا كان اليقين وإذا ما افترقا كان الشك فإذا كان اليقين أحتاج إلى حرارة أعلى ليصبح إيماناً وإذا كان الشك فموجة أخرى من البرودة تجعلني جامداً ميتاً.
قالت هذه فلسفة ولكنها تضيع أمام سحر الإلهام والإبداع قالت أنت فيلسوف قلت ومرادي أن أحول برودة الأذهان وحرارتها إلى نوع لا أنقطع فيه عن التفكير والعبادة قالت إذن سأخلي بينك وبين نفسك فأنا لست أهلاً لك قال إلى أين تذهبين قالت إلى حيث يحبون الحياة ويعيشون للتمتع بها قال اذهبي فإنك قد تركت أثراً بعدك ولهذه النظرات آثارها في القلب ولعله ينتظر آثاراً أخرى ليخلى بينها وبين شخصك
قالت وهل حفظت الحديث قال وحفظت ما هو تحرك الشفاه قالت متى آتي مرة ثانية لمقابلتك قلت حتى يتصل قلبانا معاً فليس الجسد وحده كاف. قالت لقد أكثرت الكلام ونصحك الطبيب ألا تتكلم قال إنك تذكرت ذلك ولكني نسيت مسكين غالبت الصمت فغلبته وآمل ألا يعود ذلك بضرر لي ثم أطبقت عيناها وأدارت بوجهها وانصرفت.

اللجوء إلى القسوة في مجال الكلام

اللجوء إلى التهجم في مجال الكلام وحل الأمور دليل على الفشل أمام المخاطب ولقد تستهين بالشخص لمجرد ابتسامه أمام الصعاب فتعتبر ابتسامته وسيلة لاستنفاذ حقه ومغامرتك في القضاء على هذا الحق بأنواع متعددة من أساليب الضغط والقوة.
وقد تكون ابتسامته نتيجة لدافع التفكير في الأسلوب الذي لا ينفع معه الكلام في الوقت الذي أحيط بصاحب الابتسامة كل التضييق والحد من حركته وتصرفه في عمله فيخضع توقفه وانتظاره لنقد أشد مقاومة وهو في البداية والنهاية لا يجد وسيلة للخروج من جميع هذه المآزق إلا بالابتسامة الهادئة اللطيفة التي فيها معنى الغضب ومعنى القوة التي لا تتجاوز نظرته وإعراضه.
قد تكون أقوى من خصمك بالإصرار والمعاندة فهل هذا يعني أنك على حق وأنه على باطل إن المخاصمة جاءت من عدم تلبية حاجتك منه فما هي الحاجة التي أوجدتها واهمة وهل هذا يعني أنك ستنتزعها منه انتزاعاً وذلك بسد حاجته الحقيقية منك.
قد تستطيع بأسلوبك المروض أن تقنع الجماعة التي تعيش معه فتقلب الرأي عليه ولكن هذا يعني أنك استخدمت الوسائل الكاذبة في تغيير وجه الحقائق بتشويه ظاهر الكلام الجميل وتحويله إلى نوع بعيد عن المقصود ودخلت فيه بتفاسير مختلفة لم تدخل على ذهنه قط قبل الكلام وبعده.
إن لاختلاف الرأي حداً لا تجعل المخاصمة عن طريقها ينتقل إلى الشخص بذاته فيتعرض موقفه إلى نوع يعجز معه القول وتبقى النظرات والابتسامات هي السائدة على احتمال الموقف ولو أدت بصاحبها فيما بعد إلى ازدياد الشدة واللوم والتضييق والتهجم.
ذلك أنك تريد منه ما لا تريده لنفسك وإذا كنت تريد نفس العمل فهذا يعني أنك أعطيت لنفسك الحق في التصرف بما تحب ولو كان تصرفك يسيء لزميلك بينما زميلك لا يريد أن يتجاوز حقه فيحجب عن تلبيتك الطلب ويبقى عملك دائماً مصحوباً بالقوة حيناً وبالعنف أحياناً وتبقى ابتسامته دائماً دليلاً على متابعة العنف معه حتى تأتي أعماله طبقاً لأعمالك لا بالقوة والمهارة بل باستمرار التجمع حوله وإيذائه بالتهم والنوايا السيئة.
إن للابتسامة المستمرة على الرغم مما يحيطها من القسوة و التهكم معنى جديداً في هذه الحالة فهي تعني أن اشتدادك للعمل يقوم على ساعدك الذي اعتاد أن يتحرك ولو في غير موضع حركته وإنه إذا ترك العمل للتدبير وحسن التصرف فإن ساعدك لا عمل له و إنما العمل كله للكلمة الحلوة التي لم تلفظها قط و للأذن الواعية التي لم تعطها مرة، و للقلب الفارغ الذي لم تشغله إلا بمطالب أسرتك و بيتك.
إن الابتسامة الحلوة يجب أن تعيش في وسطها الملائم و لذلك كان لا معنى لها عند الآخرين إلا الفرصة المواتية للاستفادة من الشخص بما توحي الأفكار لا بما يدل عليه تألمه الذي جاء معبراً لا بالتهجم و الكلام وإنما بالخلود إلى هدوء النفس من ذلك الشغب الذي أحيط بكل عناصره وتجمعت عنده جميع القوى الفردية بالتأثير والضغط.

من وحي الفانتوم

وحي الأشخاص يجابهنا دائماً ولماذا أريد إغفالها؟ ذلك لأنها تتعلق بالزمن الذي هو الماضي والحاضر والمستقبل، بل لماذا هذا التأثير وهي تنقل من حال إلى حال، وأخيراً لِمَ لا يكون تأثيرها إلا في نطاق محدد بحيث يبقى لنا ما نريد وما نعمل.
من الأشخاص ما تستلهم البهجة والسرور والنشاط والقوة والعمل والأمل وذلك في حديثهم وضمن تحركهم وملامحهم فأين تجد هؤلاء الأشخاص وما نوعهم؟!
إنك لا تجد هذا الإلهام في شخص واحد فمهما كانت قدرته على الإمتاع بهذا الفوز الكبير فإنك لا بد واجد الشيء وضده، فالقدرة على الابتهاج شيء ممنوح أو متكلف وغالباً ما يرافقه حب للنفس وإيثار بها فتكتفي من الفائدة باللمحة البارة والحديث الموثق والاحتمال للمسؤولية.
إذن أنت أخذت البهجة وشغلت نفسك بما سيفلت منك وقت تذوقك طعمها وهربها لاقتناصها من جديد ربما يكون بلون آخر، فأنت قد سررت لهذا الفرح العابر كما أنك حزنت لعدم تمكنك منه في الإحضار والتصريف. فإذا ما أردت تمام البهجة والسرور فإنك ملزم بوحي من شخص آخر يصل بك ما انقطع عنك فإذا عاد إلى الإفلات تكون السلسلة لم تنقطع وإنما انقطع تلهيك وانشغالك عن نفسك لتستدركها في الشخص الآخر الذي يعطيك ما لم يعطه الأول ويسلب منك ما أنت بحاجة إلى الحد منه.
وأين يتم ذلك ؟ ففي أي مكان هيأت لنفسك لا يمكن أن يتم فيه تهيئته لكل الأشخاص والسبب في ذلك : إذا كنت في جو لا يطلب منك احتمال ما أنت عاجز عنه وكان الشخص في جو لا يسمح له بمنح ما يقدر عليه وما أنت في حاجة إليه، وبعبارة أوضح : ضرورة العمل تحتاج إلى الخبرات فإذا لم تكن لك هذه الخبرات فأنت غريب عن أشخاصها وليس لك من وحيهم شيء.
بقي لنا أن نقول في الزمان الذي هو أمضى وأقطع : ففي غفلة منه نضيع الحاضر وفي انشغال عنه نسرد الماضي الذي مضى وانقطعت صلته بنا، وفي تهيج له نبني آفاق المستقبل البعيد، وليس الحاضر المجيد إلا ابتداء للسير في طريقه.
"فانتوم" يدمدم لنفسه وهو يتحرك في عمله منتقلاً من مشاهدة لمشهد آخر متذمراً حيناً من كثرة ما رأى ممن وجدهم غير نفسه السئوم، إنه عامل وأب لتسعة أولاد ولقد أطلق عليه هذا اللقب أحد زملائه وهو يعدو لمشاهدة الفانتوم الحقيقية التي هي الطائرة تخترق في سرعتها حجاب الصوت.
إن هذه الألقاب تجيء أحياناً وفقاً لمسمياتها فتنطبق كل الانطباق على صاحبها وقد تجيء فتعطي صاحبها دفعاً للأمام ليصير بالتماس معها موصوفاً حقيقياً لذلك اللقب، وما أكثر إطلاق الألقاب وأقل التثبت بها.
فمن وحي الفانتوم والمكان الذي يعمل فيه يأتي الزمن الذي سمح بتسطير هذه الكلمات.
حمص 26/5/75

سن الستين

تعتري حياة الإنسان القصيرة أو الطويلة آلاماً وآمالاً لا تلبث أن تكون للهدف الذي يسعى إليه، فالخير والشر في تحقيقه أو عدم تحقيقه، وبينما هو يسعى جاداً دائباً تكون الفرصة المواتية لهذا الهدف هو أن يخلو لبقائه ووجوده على أجمل صورة كان عليها من التكوين المنتظم لا يمسه شر أحيط به، غير أن المكسب الذي يفوز به في النهاية هو أن يبقى مستمراً في النضال لا ينطفئ نوره ولا يخبو نشاطه.
فالشاب الذي لا يتجاوز العقد الثاني من العمر يتصور أن سن الأربعين هو العام الأكمل لطموحاته وقدراته فإذا ما قرأ موضوعاً عن هذه السن استغرب أن يكون لحالة السؤال عن صحته، لأنه طموح ومعتد في نفسه وصحته لا يجد الهناءة إلا في فوزه على مطلبه الذي استعصى أو ذلل وكان استعصاؤه أو تذليله شاغله الأكبر فيريد أن يستعجل أو يستبطئ الزمن ليحقق أكبر قدر من أمانيه وأما نهاية هذه الأماني فهو أن يكون في أجمل صوره وأسعد حالاً.
والكهل الذي تجاوز الأربعين يرى في طموحاته المتجددة ما عجز عنه في سن الشباب وهذه الطموحات هي في تربية الجيل الجديد الناشئ فيلقنه درساً في الشجاعة التي لم تستكمل عنده وفي العلم الذي لم يبلغ مداه وفي الإنسانية التي بدأها ولما تنتهي وكلما تقدم فيها أشواطاً وجد الطريق لمنتهاها مسافة يقطعها من يجيء بعده وهيهات أن يكون لبطولته معنى أكثر من القوة والصراحة والمقاومة.
فإذا ما بلغ سن الستين يكون الصراع مع نفسه فماذا تبقى له بعد عطائه وماذا ادخر لنفسه مما كان ضنيناً به ! إن السنين الطوال التي قضاها جاداً مجتهداً هي في تلك الساعة التي يحياها فكل شيء ينادي إلى العطاء فيتقدم ليجهد نفسه وإذا بابتسامة حلوة عذبة تنطبع في شفتيه ونظرة رقيقة تصدر من بريق عينيه لها من الدلالة أن القلب يتدفق محبة وحيوية وأن السمع والفهم يجلبان الحنان والرحمة للجيل الصاعد.
إنْ سبقناكم لمعركة الحياة فأكملوا ما بدأناه وأكملوا ما لم نقدر عليه وأسعدوا أنفسكم لتطيب الحياة بجنودها الشجعان علماً وتضحية وصلابه وإرادة.
الآن بلغت سن الستين والآن يخيل إلي أن الحياة بدأت من جديد فأرتبط بطفولتي التي نشأت عليها وتدرجت منها إلى الشباب وانتقلت منها إلى التعايش مع الأطفال ليكبروا وأتطلع إلى الغد المشرق لهم وأخيراً إلى الكبار فأرى في تصرفاتهم تشبيهاً ومقارنة فذكاؤهم كان يوازي أو يطاول ذكائي غير أني لا أدري لماذا كنت مجذوباً إليهم يدفعني حنو الأب وعاطفة المربي فأتسامح ما وسعني التسامح فيضيق صدري بعدها فأغضب وكل ما أفعله هو أن أضع حداً لهذا التساهل والتسامح فلا يستطيع بعدها أحد أن يستمر في غوغائه فينتظم الأمر وتبدو منهم كلمات الاعتذار والصفح.
سلخت ما يزيد على الثلاثين سنة في الوظيفة، عشرون عاماً في التعليم والباقي في الأعمال الإدارية كانت أجمل أيامي أن أرى العقول التي أتصارع معها للتهذيب والنضج قد تفتحت لترى أن العلم نهر وأن الحياة لغز، فحله يكون بالمعرفة والتجربة.

الكلمة وحجم الإنسان

لن تكون الكلمة بحجم الإنسان ما دام ذلك الإنسان يعيش في جو المتناقضات، فإذا كانت الكلمة وصفاً فإن ذلك الوصف متعدد الجوانب فإذا أردت أن تأخذ جانباً منها فإن الجانب الآخر هو المكمل للكلمة التي أردتها دقيقة القياس مطابقة تماماً للحجم الذي كنت فيه.
فإذا أردت أن تصف إنساناً بالشجاعة فعليك أولاً أن تلم بها إلماماً بحيث تميز بين الشجاعة التي تعطيها في حرية الرأي عندما تكون الحرية مقيدة فشتان بين شجاع في الرأي وشجاع في القلب فإذا كانت إحدى هاتين الشجاعتين موصوفة لإنسان وأردت أن تعطي له الكلمة المناسبة فلا يكفي أن تطلقها كلمة واحدة بحجمه الذي لا يتسع للاثنين، فإذا أخفت إحداهما منه أخطأت بحق الشجاعة التي عنيت كلاهما : الرأي والقلب وإذا لم تخف كانت الكلمة بحجمها المضاعف وقل أن تجتمع.
أما إذا كانت الكلمة نقداً فالدقة أصعب في قياس حجم الكلمة فهناك العالم والجاهل كلٌ لوحده وهنالك العالم والجاهل المجتمعان في شخص واحد لأنك إذا قلت فيه عالم فلقد أصبت في مواضع دراسته وتحصيله وإذا قلت فيه جاهل فقد أصبت أيضاً في مواضع غروره ولا بد لك أن تعطيه الكلمة المناسبة لحجمه وفي ذلك تكمن الصعوبة أن تضيف إلى حجمه ما لم يتسع له في علمه وهو تواضعه وتطبيق علمه على نفسه والإفادة للآخرين.
أما إذا كانت الكلمة حاجة تسيرها الضرورة وتبدعها النجدة مثل كلمة إسعاف للجريح وغزال للصائد وعلاوة لمترقب الترفيع فإن هذه الكلمات تكون بالحجم المناسب حيث أن صاحبها يتقبلها لأنه أعطى كل اهتمامه فشغف قلبه وعقله وأذنه للسماع لها والإحاطة بها، وهنا يتطلب شعور إنساني وإخائي لأن مثل هذا الشعور إذا وجد فالكلمة الواحدة بحجمها المناسب لصاحبها الذي يضيق به الوقت لالتقاط أكثر من ذلك.
أما إذا كانت الكلمة إيعازاً لخطر ملم كذلك في ساحة الحرب والقتال أو النزاع والاحتضار فإنها تكون فائضة عن حاجتها إذ أن حجمها المناسب هو بالتحرك والعمل نحو قدرة جديدة تعطي للموقف جلاءه الصريح وذلك بالاستماتة والبطولة في أثناء القتال للنصر والإسعاف الفوري لإنقاذ الحياة من الموت.أما إذا كانت الكلمة عاطفة ومودة فمن المؤكد أن يكون حجمها أقل للإنسان المناسب فتتوارد الكلمات ولا تنقطع وتعود تبدأ من جديد وكأنها سلسلة متصلة الحلقات يتابع انقطاعها ما تحدثه الضرورة في استكمال الكتاب للرواية العاطفية المحببة.

دع الإيمان القوي لمن آمن

دع الإيمان القوي لمن آمن بوجوده واستمسك بتحقيقه فالإيمان قوة تختلف اختلافاً كثيراً عن المعرفة التي لا تبلغ مبلغ الإيمان ولقد تعجب من الإيمان وقوة اندفاعه فإذا لم يكن ذلك عندك فحسبك من المعرفة ما تقتصر عند حدوده أما أن تجعل معرفتك في التغلب على الإيمان فيكفي منك ما أوقفته المعرفة معك من حدود فلا تستطيع كسر حدودها من ذاتك بينما الإيمان يستطيع هذه القدرة من ذات الإنسان فيظل متابعاً لها من الجزء إلى الكل والجزء الصغير يراه ويرى الكل مجتمعا بهذه الأجزاء وليس بعيداً عنها وهي متلازمة أمام عينيه بذراتها فيقدر على حصرها بينما تضيق بك القدرة على البداية الصغيرة وتراها في النهاية التامة التي بدأت من صعوبة التماس هذه الدقائق وهي متفرقة بجمعها بالشكل الذي اعتقد به من حمل رسالتها.
وإني لأدهش في معرفتك ببعض الظواهر حتى لأقول إنها معرفة جاءت من اليقين وسرت في روحك ودمك وكما كنت بهذه المعرفة عظيماً بالممارسة الطويلة التي جعلتك شديداً قوياً كذلك فإن اقتصارك على هذا النوع من المعرفة جعل الإيمان بالنوع الآخر لا يشمل الأجزاء وإنما ينتقل مباشرة إلى الكل.
الإيمان بوجود القارئ الحقيقي يتطلب منك شروطاً خاصة، والإيمان بوجود الكتاب الحقيقي يتطلب منك أيضاً جهداً خاصاً فنقول على سبيل المثال أين القارئ الحقيقي وقد ضاق وقته بما ملأته البرامج بل أين الكتاب الحقيقي الذي يهدر ثمنه بالقياس إلى المكتبات العامة الموجودة في المراكز الثقافية وهي غنية بالكتب ومفتقرة إلى القارئ.
حسب الإنسان أن يكون عنده استشعار بالأمر واهتمام به ليتحول إلى الحقيقة التي تسرك بعدما فقدتها وأنت تبحث عنها، إن صلتك بأمر آخر أضعف منك هذا البحث فأعرضت عنه وهنا يكفي لتوكيل المهمة لمن كانت مهمته تنحصر في هذا الموضوع فيرى الفشل في البداية أمراً طبيعياً ومن معرفتنا لصعوبة إقناع المقتدر يبذل أدنى جهد يكفي لتقدير الأمر في الصبر والمعاناة لحمل الطالب على الاعتياد والمثابرة في المطالعة مستفيداً من كل طاقة موجودة، فالمكتبات المدرسية إذا اتسعت فهي طاقة لا يضعها الطالب إلا إذا أرغم إرغاماً أما إذا لم يعتد ذلك فلا غرابة بإهماله لها وأملي كبير أن يبلغ عندك أسبوع التبرع للمكتبة المدرسية اهتمامه الكامل التي تتفق مع قدراتك من الاهتمام فتجعله ناجحاً فما لم يدرك كله لم يترك جله.
إن الخطوة الأولى هي التي تنقلنا إلى ما يمكننا أن نحققه، ومتى كانت هذه الخطوة سليمة فإن الخطوات التالية هي التي تدفعنا إلى الأمام والتقدم، ويجب علينا أن نحترم هذه الخطوة مهما كان شأنها لأننا سنسير بها إلى القوة الكافية بجعل الخطوات التالية على ما يرام، فلماذا نضرب صفحاً عنها ما دام الإيمان بها عند من يخطوها قوياً !! لماذا لا نعزز إيمان الآخرين إذا كان ينقصنا الإيمان بفائدتها ونحن أقدر على جعلها قوية بما أوتينا من كفاءة وخبرة ونفوذ. !!

أين يبدأ الدور

لا تلتقي بإنسان وتسأله عن عمله والرضى به إلا وتجده يخبرك بأنه كان آملاً أن يصبح كذا من الشخصيات ليمتهن بالمهنة التي كان ينوي أن يكون من أربابها ولكن سوء الطالع صنع به ما صنع فاتخذ له مهنته التي يمارسها على الرغم منه، وما نقوله عن الإنسان في مهنته نقوله أيضاً عن انتقاء زوجته التي تعيش معه إنه كان يأمل أن يتخذها ممن وقع في حبها لأول مرة وبادلته الحب ولكن الظروف شاءت ألا يتم زواجه منها فكان له ما أراد من الزوجة. وكما ذكرت عن المهنة والزوجة اللتين هما ركنان يعملان في تكوين عقلية الإنسان ووضعه فإني أذكر بشيء من التفصيل عن تحقيق بعض الآمال وفشلها في البعض الآخر وهذا الفشل بغض النظر عن النواحي المادية التي ضيقت هذا الإنسان وجعلته مضطراً لا مختاراً.
يعيش الإنسان وينمو معه الأمل، والأمل شيء يمكن أن يكون بعيداً حتى تتمناه ويكون قريباً هو ما ترجوه وتتوقعه، فإذا كان الأمل من النوع الأول كأن تطلب أن تتحكم بالمقادير وتسوي الأمور على وفقك ورغبتك دون أن تعمل وتعمل ودون أن تكون مهيئاً لها ومهيأ ودون أن تحدث الفرصة المواتية فهذا يأتي من النظر الذي يزين لك الجمال وليس الجمال بمخلوق ولكنه على ما فيه من الروعة والعظمة معبود تعشقه ويعشقك ويناديك فتسمعه وتصغي لنداءاته أما نداءاته فليست إلا إلهام روحي وإبداع فني وبطولة رائعة وقدرات ممجدة.
فإذا حصل الاستعداد لهذا النوع من العشق والتلبية كان الإلهام هابطاً عليك وحيه والإبداع مرسلاً عليك من إشراقه والبطولة آتية من كافة القدرات والتمجيدات. فإذا تقدمت برغبتك في الالتحاق بعملك الذي تهواه لم يكن لك مزاحم فيه سواك وإذا تقاعست عن اغتنام الفرصة فهناك فرص أخرى في ميدان رغبتك تجدها مفتوحة ذراعاها لك لتدخلها باطمئنان وهي محققة لك لأنك السبّاق على كل من يريد أن يحتلها لنفسه ويبعدك عنها.
أما الناحية الثانية وهي زواجك ممن خفق لها قلبك في المرة الأولى ثم لم يستجب النجاح لهذا الخفقان فتزوجت ممن لم تكن قد شغلتك في هواها في صباك فإن المقادير تجعلك تذكر حبك الأول لا الثاني وليس الأمر في ذلك على درجة الحب بل الأمر في القلب الذي يذكر حبيبه الذي عشق منه طيفه فقط وبقي هذا الطيف ماثلاً في ذهنه ولو أن هذا الحبيب الماثل في الذهن قد هبط إلى عالم الوجود والحقيقة وأصبحتما شريكين لانعدم الحب في الذهن وبقي أثره في القلب.
إذا امتلأ القلب بالواجبات والمشاغل فلا بد للفكر أن يتسلى بما يخفف عن القلب متاعبه وإرهاقه فتراه يرجع بالماضي ويتعلل بالخيال ويسر بالأهواء، فيقول قولاً يخرج من الفم لعل القول يصيب به عملاً ويحقق إنتاجاً ويسهل مهمة. إن تحقيق الآمال لا يكون إلا بالدرجة المنخفضة عن مستواها فإذا ارتفعت كثيراً فإنها تهبط إلى درجة يتحقق معها شكل الآمال بالقوة والسعادة لا بوجودها على ضخامتها وعسير نوالها.
إن التقاء النجاح في المهنة والزواج شيء ضروري لسعادة الإنسان فالمهنة لها ارتباط كبير بحياة الزوج وطبيعة نجاح الزواج، وكثير من أصحاب المهن لا ينجحون في أعمالهم بسبب عدم تلائمها مع الحياة الزوجية وكثير من السعادة الزوجية تكون أسبابها بهذا التلاؤم الموجود فيعيشان حياة سعيدة.
إذا فشلت حياتك الزوجية فلا تنسى أن من دواعي فشلها أيضاً بعد الاختلاف بين ما تؤديه من عملين لا يتفقان ولا تستطيع التوفيق بينهما، وإذا فشلت حياتك المهنية فاذكر دائماً أن هناك حياة في بيتك ومع أسرتك تعيشها في جو صاخب فلا أدري من أين يبدأ الدور وتحل المسألة.

فئتان

جرت العادة أن يكون لكل موضوع رأي عند بعضهم يدعو إلى اليأس والخذلان إن هذه المطالعة الشخصية تعبر تعبيراً أكيداً عن نفوسهم وهويتهم، لقد كان للمعرفة والتجربة أثرها الكبير في مثل ما يبدونه من ملاحظات واجتهادات، إلا أن الرغبة الصادقة في تسوية الأمور كما هي تختلف اختلافاً كبيراً من قضية لأخرى لا يصح معها القياس بل لها حكماً جديداً وأسلوباً خاصاً.
إن طابع التقليد في إبداء الرأي ليعبر تعبيراً عن عدم التفهم الذي معه ينبغي إجراء منطق قوي ونفوذ عميق إلى الإحساس بالعرض الذي تقدم به الطالب ليكون المعروض أجدى وأحق بالقول أو الصمت والاهتمام أو عدمه.
ما أكثر العلماء في المادة حينما تكون بحاجة فقط إلى وجهات النظر لكنها إذا ما احتاجت إلى عمل وإرادة وخبرة فإن هؤلاء العلماء يقفون جامدين عن نشاطهم لأن حركتهم ناتجة عن استعدادهم لما هم ليسوا فيه، ومن هنا ينتج أن قدرتهم في بذل الطاقات الفعلية محدودة جداً لا تعدو عملهم الرتيب الذي يتحدد في إطار خاص لا يحتاج معه إلى قوة الملاحظة والاطمئنان إلى ما يصدرونه من قول.
إن التجارب التي قاموا بها هي من تلقاء أنفسهم فقد نقشت في قلوبهم وأدمغتهم، وهي تماماً خاصة وفردية، ولذلك تراهم يطلقون الأحكام بالنسبة لما شاهدوه وسمعوه من قبل من وحي معرفتهم.
إن معرفتهم لم يدخلها شيء من تحديد الزمان والمكان والأشخاص وإنها بالأمور الأخرى لتبدو واحدة في حلها وإن اجتهادهم ليختص بعوامل التمييز بين فئتين من الناس: أولى استطاعت ولم يعد لها غالب، وثانية ضمرت ولم يعد لها مغلوب، فإذا رجعت بهم إلى أنفسهم رأيت أن تهديمهم للقيم جاء من فشل الحوادث التي لم يسعفهم الأمل والإشراق في نظرتهم إلى إنجاحها كما أن ضيق أنفسهم لم يتسع إلى الأمل من جديد لتبديل وجهات النظر وصبها في قالب مفرح. لا جديد للناس تحت سمعهم وبصرهم وكلهم يدور في فلك واحد هو أنه قوي غالب أو ضعيف مغلوب.

نجاح في أسلوب عجيب

كان موزعاً بين واجبه نحو نفسه ليكون حق التلميذ المجتهد الناجح في درسه وبين واجبه في أداء المهمة المترتبة عليه لكونه وحيداً في أسرته، إنه فقد عاطفة الأم لابتعادها عنه فما فتر ذلك في نشاطه لأن القدرة على احتمال القساوة كانت أطوع له من اللين الذي وجده في والده حيناً، ومن الحرية التي اغتصبها بقوة عنفوانه وساعده على ممارسة بعض نشاطها ظروف والده الذي لم يكن ليقسو في معاملته حيناً حتى يرى الحاجة إلى مده بكل الوسائل التي تحفظ له حيويته وذكائه.
استطاع بقوة الإرادة أن يمارس الضغط الذي تلقاه من ظروف البيئة والحياة فكان له من طفولته الزاخرة بالانطلاق في حرية الكلام والمناقشة ما جعله قوي الحجة والتعبير لا يغلبه مخاصم.وكان له من خياله الخصب الذي أضفى عليه مشاهداته في الأفلام ما أجمل به بقوة إبداعه في حسن الحيلة ليكون أقدر على مقاومة القهر من احتماله حيناً والاستسلام له حيناً آخر. كانت ملهاته إذا ما ضجر وأحس بالكآبة تسري في نفسه أن يرتاد السينما فتزيده من سعة الفكر وقوة الذاكرة ما يجعل بينه وبين واقعه فاصلاً كبيراً ينسي وجوده فيه وتستمر شعاع الرواية في مخيلته حتى يأتي إلى موت البطل وخاتمة القصة.
كان يصطدم في بعض الأحيان مع والده ليجعل منه معرضاً يتسلى به عند ثوران العاطفة. لم يكن ليقدر على تنفيذ هواه فكان يلجأ إلى الحيل التي تعجز أباه في أكثر المرات فلم يجد لها أسلوباً إلا تركه يتخبط في مغالاته ليهتدي هو بنفسه إلى الوجهة الصحيحة حينما يشعر بالحاجة إلى طاعة أبيه وانقياده له.
كان يريد أن يعرف بكل شيء من تصرفات والده وإذا عجزه ذلك كان يتبع طريقة التقليد فيأتي بشكله الجاف وعلى غير فهم ووعي له. كان يستفيد من دروس أبيه على الوجه الذي كان أبوه يتخذه في التعنيف واللوم ولما كان الشاب مقلداً في أقواله وأفعاله لما يسمع ويرى فإن هذه الأقوال رسخت في ذاكرته لا للفهم بل للرد والدفاع فأصبح الكلام البليغ يرد من لسانه وهو لا يريد إلا قدحاً وذماً.
مرت عليه تجارب لم يستفد منها إلا ما كانت دروساً قاسية فبعد أن كان مهملاً بترتيب ثيابه والمحافظة عليها فقد صار أول المعتنين بها والسهر على جدتها، وبعد أن كان كثير الغنج والدلال لطلباته فقد اقتنع منها بما هو ضروري إذا لم نقل إنها معتدلة بالنسبة لزملائه.
عرضت علي مشكلته فحرت في أمره ووجدت ترك جواره مع مراقبته عن بعد هي الطريقة المثلى لإصلاحه. ولقد استفدت من الظروف التي جعلتني بعيداً عنه بحيث وجدته يحمل بعض المسؤولية بعد أن كان لا يقدر على حمل نفسه بنفسه. عدت إلى مجاورته فوجدت أن الشاب لا يصلحه إلا الشاب الذي من سنه وإن توفير الذكاء له مع بعض الملاحظة هو أيسر الطريق لجعل الطرفين يشعران بالفراغ لبعضهما.
كان همه الوحيد النجاح في المدرسة وتعلم التعليم العالي وكانت أمامه عقبة الشهادة البكالوريا وقد استطاع بالجهد الكثير والصبر المستمر والإرادة الفعالة أن يفعل شيئاً فقد فاز بالامتحان وكان من الناجحين بدرجة جيدة.
حقاً إن عاطفة الأمومة المفقودة يبقى مكانها فارغاً ولا يحل محلها إلا عاطفة أخرى طائشة فإذا انصرف هذا الفراغ إلى الجهد بالقراءة والمطالعة والاجتهاد والحركة فقد ولد في نفس صاحبها قسوة وعنفوان فإما إلى الاشتداد العجيب وإما إلى الوحشية القاتلة.

إساءة فهم

لكل امرئ من عاداته ما يجعله يضحك دون أن يدري الآخرون لماذا هو ضاحك فتبدأ التفاسير المتنوعة تعطى لصاحب الضحك بحيث تكون خاطئة في أكثرها على نحو ما اعتادت عليه الجماهير من الاستنتاج الشخصي وعلى نحو ما يكون للشيء وجه ضاحك فيبش له الإنسان بكثره أو قله مع مراعاة استعداده للضحك والسرور.
لكل امرئ من عاداته أيضاً ما يجعله يقطب وجهه دون أن يدري الآخرون لماذا هو عابس فتبدأ التفاسير تعطى لصاحبه ولكن بصور أكثر تشويهاً مما أعطيت لصاحب الضحك وإن هذه الشروح على أنواعها تجعله بعيداً عن رفاقه وتجعل رفاقه في مهابة له وحذر من الاقتراب نحوه.
إن القاعدة العامة للضحك والعبوس هي معروفة ومتآلفة بحيث تجعل الناس كلهم في ضحك أو عبوس حينما يدعو الداعي فينفجرون من الضحك وتتعالى صيحات ضحكهم ولو كانوا في جو غير مرح ولا مسر كما أنهم يجيلون النظر بدقة واهتمام إلى ما حولهم ويحدقون حينما لا يجدون مثل هذا المجال موجوداً عند أحدهم الذي لا ينبس ببنت شفة أو يفتح فاه على ملئه ليشارك الآخرين بإحساسهم وحركاتهم.
لي صديق من النوع الجديد الذي لا تنطبق عليه صفات الآخرين في ضحكهم وعبوسهم، وعندما رأيته لأول مرة قلت عنه ما قلت لدى استغرابي أمره ثم أخذت أتفهمه جيداً حيناً بعد حين لأعرف سر ضحكه وعبوسه فيما يمتنع الآخرون عنها، فوجدت أنه نسيج وحده بين رفاقه يسمع أحاديثهم فلا يتكلم ويرى أهازيجهم فلا يغني ويطرب وهو في كل هذا يشاركهم بالإحساس ولكنه لا يقوم بالحركات التي يقوم بها الآخرون.
عجبت من أمره واستولت علي الدهشة وأخذت معظم التفاسير تضيع دون الاهتداء إلى نوع معين من التفسير الصحيح فكلما وضعته في ميزان الصواب اختل هذا الميزان لترتفع كفته فأعود لأضعه في ميزان الخطأ فأرى أن هذا الميزان عاجز عن قياس نوع الخطأ لأضع له عباراته وقياساته فإذا ما تركت نفسي عن ميزانه أراها مضطرة مرة ثانية إلى الانشغال به لكي لا تفوتني الفرصة في ترك أحد من الناس لوضعه في الميزان ووزنه بالمقياس الذي يلائمه.
إن كثرة الناس على حبهم للتعرف بما هو جديد وإن كثرة الموازين على دقتها وضبطها لكي لا تخطئ في القياس جعلتهم في انشغال عن واجبهم ومصلحتهم فلا يقدرون للوقت قيمة ولا يعطون للكلام حقه من الحكمة والجدية وأخيراً لا يتركون للعمل المثمر أهميته وقيمته.
تركت صديقي حيناً من الزمن ورجعت إليه لأرى ما كان ينبغي ألا يتمسك به قد تخلى عنه نهائياً وما كان ينبغي له الاستمساك به قد أوثق به نفسه فإذا كل شيء به قد تغير لا لشيء إلا لأننا أنا ورفاقي قد تغيرنا فلم نعد نمارس الضحك الطويل كما اعتدنا ولا الأهازيج الفارغة كما كانت تتعالى ولكننا أخذنا في جدية الحياة وماهيتها فوجدناها بعد ذلك أصوب منا وأضبط.
إنه لم يتغير كما كان يبدو للبعض ولكن هؤلاء الناس أساءوا فهمه فرأوه غريباً عنهم وعندما مرت عليهم التجارب التي علمتهم بأنفسهم أن يعرفوها على حقيقتها أدركوا جلية هذه الغرابة الموجودة عندهم لا عنده فانضموا إليه بعد جفوه وانضم إليهم بعد دهشه.
إننا نسيء الفهم لكثير من الناس والأشياء فنتصورها جميلة أو قبيحة وهي على العكس، ذلك أننا نأخذ بتفاسيرها من أنفسنا قبل أن نتمثل بالعبرة والتاريخ وننضج بالحكمة والتجارب، ومن هنا تأتي العلة في ميزاننا الذي نزن به المقاييس فكيف يصح قياسها مع وجود الخطأ في نفس الميزان، وإذا اعتبرنا الميزان هو عين المشاهد والمقاييس هي الأحكام الواردة فلا بد لتلك العين من سلامة للرؤية الصحيحة في معرفتها وتجربتها لتعطي أحكاماً سليمة أيضاً.

29/1/69

أنا في طلبك لا بين يديك

قال له متلطفاً: ماذا تأمر أنا بين يديك، وما إن سمع هذه الكلمات أحد الحاضرين حتى اعترض على صياغة الجملة بما تعني وتدل دلالة لفظية لم تنفذ إلى مضمونها، وهنا بدأ المجال يتوسع في الكلام والفهم حتى انتهى بانشغال كل منهم بما يتحتم عليه تنفيذه، وبعد مقابلة ثانية حيا فيها المعترض زائره وطلب منه أن يتفضل إلى المكان الذي يجلس فيه أمام الطاولة وقال: "إلى هنا"، كان صديقي بين أمور ثلاثة: أولاً إما أن يسمع ما يدور من المجالات فيملأ رأسه بها أو يشوش أذنه ومسامعه وإما أن يشارك بالجدل معهم فينتهي إلى امتلاء رأسه بدلاً من امتلاء رؤوس المتكلمين وإما أخيراً ألا يسمع وألا يشارك بل يقطع الكلام كلما بدأ يتوسع ويعوض عنه بما يهيأ له من جديد بعد انقطاعه.
قرع الجرس فحضر الآذن وطلب منه المعترض أن يحضر الأشخاص المدونة أسماؤهم في القائمة ليجري استجوابهم فقال له الآذن: أمرك، وكلمة أمرك هي الكلمة التي لا يحب أن يسمعها تقال لغيره ويلاحظ أنه استطابها لنفسه. قرع الجرس مرة ثانية وثالثة ثم رابعه ثم تركه وبعد مدة طويلة حضر الآذن وكأنه يقوم بتكليف آخر رسمي ابتعد عن مسمع الجرس وصوته ولم يكن على إصغائه والرد عليه، أما المعترض فكان غاضباً لإهمال طلبه فما أن وجد الآذن منتصباً أمامه حتى نهره بقوله: "أين كنت" فأجابه على الفور: "أنا بين يديك" وكلمة بين يديك هي كانت مثار الاعتراض والجدل السقيم.
ويظهر أن روح الاعتراض قوية عنده فهي لا تعني إلا نوع من الترفيه عما يلاقيه من عناء العمل وجهد الواجب وقد أدركت هذا الأمر منه ولم أعقب على كل موضوع يعلق عليه بل كنت آخذه بالروية والعاطفة شأني معه شأن كل معترض يجد في الأمور مشكلة ويجد الحل لها من غيره لا من نفسه. "إن الانتقاد شيء سهل إذا ما قيس بالبناء والجهد، ينبغي على الناقد أن يضع نفسه في مكان غيره من النقد فلعل البنّاء مشغول ببنائه ولا عليه من حرج إذا لم يتكامل بناؤه فليس الكمال من صفات الإنسان".
ويلاحظ أيضاً أنه كما يحب أن يعترض فإنه لا يجد مانعاً من الاعتراض عليه بالذات وهذا يعني أنه يريد أن يستوضح كل شيء والإيضاح يريحه ويضع حداً لأسئلته التي لا تنقطع في حال وجود الغموض والإبهام. "والكلام يا صديقي جميل إذا كان مقيداً ونافذاً وأجمل منه الصمت إذا كان فيه التعبير عن الفائدة والتنفيذ، فلقد يشغل الكلام صاحبه عن العمل، ولقد يعجز عن العمل فيتكلم، ولقد يتكلم ليطلب المساعدة، ومن هنا تبدأ خطوات الإحساس بالحاجة إلى العمل فإما هو قادر وإما هو مقترب من الوصول إلى المقدرة".
لقد قرأ علي قصة صغيرة كتبها في الماضي يوم كان يكتب ويتطلع إلى الكتابة بكثير من الأمل، كانت القصة تعبيراً عن حياته في سطور أراد الله لها أن تكتب على الجبين فكتبها صاحبها على الورق، لقد قرأ هذه القصة بمناسبة جميلة أثارته ذكرياتها فطلبت منه أن يقرأ لي ما كان قد أبدعه من كتاباته ويظهر منها أن صاحبها عاش في جو العاطفة ردحاً من الزمن فقد كانت أذنه تستهوي أعذب الكلمات وأجمل الألفاظ ثم أن هذه الكلمات الحلوة البراقة قد أخذت من قلبه كل مأخذ فاغتر بها لحين من الزمن وهو الآن لا يريد لهذه الكلمات "بين يديك" أن تقال أويسمعها تقال لأحد غيره، إلا أنها في معناها الدقيق للطلب والتنفيذ والطاعة الجميلة محببة عنده شأنه في قبولها مع الآذن وشأنه في النفور منها مع زميله ورفيقه. والآن إذا ما أوردت هذه المناسبة لأدع ما يتألمون من إعادته بذات الصيغة واللهجة إلى صيغة أخرى بلهجة لا يمجون سماعها بل يستزيدونها شوقاً: "ماذا تأمر يا سيدي فأنا في طلبك"
حمص 24/1/70

المشاركة والبطولة

وأراني القيمة المقبوضة التي هي ثمن الشراء، أما ماذا يعني ذلك فهو بالإضافة إلى ما كلن يريده هو أن يرغب أن أعمل شيئاً، وماذا أعمل سوى أنني أحب أن يكون بطلاً فيقوم بدور يبرهن فيه أنه مشاركه بدون مبارزه وإن الصراع الحقيقي هو في وجود هذه المشاركة لتصبح البطولة تسعى إليه ويحقق بالتعاون ما يعجز عنه القائم بمفرده.
وأراني رسوله أن القيمة سلمت نقداً إلى صاحب العلاقة الذي بدوره يسلمها إلى مستحقها ممن تتجمع عنده جميع المبالغ لتوفي بعض ما وجب من أعباء في الطباعة والنشر والفائدة المرجوة في التعليم. أما ماذا يعني ذلك فهو بالإضافة إلى ما يريده هو أنه يشغل مهمة المخبر والمنجز لما طلب منه أن يعمل وينفذ، وماذا يريدني أن أعمل سوى أنني أحب أن يكون بطلاً وبطولته في قوله الحر: "فليسلك الإنسان الطرق ولو دارت".
ورأيته بنفسي في الغد ينفذ ما خطط له اليوم وما كان ليدري أنني سأحضر لأراه، وما كنت أريد أن أراه لولا أنني اضطررت إلى الأمر وما قصدت إلى رؤيته بالذات ولكن العمل الذي جئته كان يدعو إلى التعاون وإن البطولة هو أن تدعو إلى المشاركة حتى إذا ظهر تفوقك و عدم مجاراتك في السبق دعاك صاحب الطلب للانفراد بنفسك و تكون أنت غير ملام بتفردك في العمل و يكون هو معترف بعجزه أمام بطولتك.
و أراني نفسه ثالثة يخرج من دائرة الاستقلال بالعمل إلى دائرة المشاركة في الاصطحاب معه إلى حيث تتواجدا معاً غير أنه في هذه المرة يجدني مستقلاً في وحدتي حيث وجدت سلسلة أخرى من الاستقلال الذاتي في العمل كان لا ينفك يتابعه حتى إذا جاء دور القول فإنه يعفى من الملاحظات المترتبة على المنطق. وأراني نفسه مرة رابعة وهو يعاتب ويصحح وما كان لكلامه من سبيل إلا أنه أرادني أن أعرف بالإضافة إلى معرفته هو أن الأمر الذي يتعلق بي غير مسؤول عنه وأن المشاركة لا في العمل بل في الرأي الشخصي.
قلت لنفسي: جهدت دائماً أن أجعل من هذا الإنسان صديقاً على الرغم من استقلاله في العمل ومحاولته المشاركة في الرأي الذاتي فكانت هناك نظرة ثابتة لا تتغير: تلك النظرة في تحويل الأمزجة والطبائع إلى عادات لم تتآلف عليها النفوس فكان أمراً صعباً إلا إذا جاء منها على غير رضى ومن غير إرادة.
فالرجل العملي كلياً لا يمكنه أن يكون نظرياً كلياً، ولا بأس بذلك فاجتهادنا أن يكون العمل نافعاً مبدعاً حتى يفوق الرأي واجتهادنا أيضاً أن يكون الرأي حراً خالصاً مستوحى من الضمير والذكاء والخبرة والجرأة والقوة، كل ذلك لا يغني عن المشاركة لبعضهما واتحادهما.
قلت لنفسي: جهدت دائماً أن أجعل من نفسي صديقاً إذا لم يكن العكس، فكنت في كل مرة أقوى على شيء واحد ولا أقوى على عدة أشياء، هذا الشيء الذي يمكنني عمله هو الاستزادة من إحساسي بالواقع أن الصخر لا يلين وليونته لا تتفجر من محبة ورحمة وإن قساوته تأتي من عدم الخبرة على إذابته وإن الاستفادة من طاقاته هي فقط في مجابهة الأعاصير والزوابع. وأراني أخيراً أعود لأعمل شيئاً ما كنت لأنساه مطلقاً وما أنسانيه إلا حبي الزائد للمشاركة.
قلت لنفسي: سأجعل من فرح الآخرين بتحقيق حاجاتهم التي يجب الإسراع بها قوة للاندفاع ثانية إلى المطالبة والإلحاح. إن التأخير الذي جاء في كل مرة يدعوني إلى الاهتمام بضرورة المشاركة وما كان ليحدث لولا الاستغناء عن الحاجة إلى المشاركة والاشتغال باستقلال الرأي الذاتي.
30/11/73

من يحمل نتائجها

أعطاك الله نظراً ولم يعطك سمعاً فهل كان من المستحيل الجمع بينهما. أعطاك الله نظراً لترى الأشياء جلية واضحة كما هي لا لتراها معكوسة مقلوبة كما أنت. إن لك أذناً ويا ليتها لم توجد لأنك تخدع الناس بها وفي الحقيقة لا تخدع إلا نفسك.
قصة زميلي هي الأولى من نوعها ولكنها الكثيرة من الغرائب التي شاهدت عيني وسمعت أذني مما يدور حولها أو يدورها الزملاء ليجعلوها دائماً في دائرة لا تليق بمركزهم ووظيفتهم وثقافتهم. دفعني إلى الكتابة ما أنا فيه من حب لزملائي وليس لكراهيتهم، أكبرت فيهم حبهم للعمل وتضحيتهم في سبيل الواجب ولنني آسف كل الأسف لأنهم أصبحوا متأثرين أكثر مما هم مؤثرون إن طبيعة العمل تدفع إلى الاندماج كلياً بجوه ومجاله فهل كان من المستحيل أن ننزل لنصعد وأن نُنْزِل لنٌصْعِد.
كثيراً ما يعرض الإنسان نظره عما يراه خاطئاً دون قصد ولكن تعداد الحوادث بهذا الخطأ والحد من الإصلاح والتوجيه يجعل المخطئ في تشجيع من عمله ويجعل الناظر إليه لا يستطيع أن يتركها دون أن يهمس همسة بريئة في أذن المسؤول الأول عنها ليقول: أنتم بعيدون جداً عن الواقعية فانتقوا الأشخاص من ذات الفئة والزمرة ليقدموا بعمل بذات النتيجة فإما حسن على الجميع وإما سيئ.
لا يزال الموضوع معقداً لفهمه فهماً جيداً وليس بإمكاني جلاؤه كلياً لا لأنه سر ولكن لأن السر فيه الحفاظ على سمعة زميلي من التشهير، إني أحببت أن يفهم من خلال كلماتي من أقصد ولماذا أقصد؟
الحق أنه يجب علينا أن نبدأ بتعليم أنفسنا قبل تعليم غيرنا كما أنه يجب علينا أن نستفيد من الخطأ كما نستفيد من الصواب، وما كنت في حياتي قط إلا مسامحاً لخطيئات وهفوات زملائي ولكن يظهر أن النفس قد امتلأت حتى لم تتسع لخطيئة وإن النفس قد ضاقت حتى أصبحت تضيق بذات صاحبها وأخيراً إن النفس الممتلئة والتي توقفت عن الاستيعاب هي كانت تتسع بعد أن كانت توجد لها متسعاً يوسعها ويزيد في سعة امتلائها أما الآن فقد ضاقت حقاً عن هذا الاتساع لأنها امتلأت ولم توجد من يفرغ محتواها ولا من يعينها على إفراغه ولذلك ترى الصبر والإرادة والتسامح والنسيان في دائرة ضيقة. إن حادثة واحدة قد ضيقت صدري ولم يتسع إلا بعد زوالها واليوم حادثة أخرى قد ضيقته من جديد ولن يتسع إلا بعد أن توجد أسباب لزوالها. إن الحادثة الأولى السابقة التي زالت واتسع لها صدري من بعد هي إعادة الحق لصاحبه فقد ظل هذا الحق يصرخ في وجه العدالة حتى عاد.
أما الحادثة الأخرى الجديدة التي لا تزال آثارها باقية من ضيق وعدم تسامح هي في حق جديد مسلوب إن هذا الحق بدء من جديد يصرخ في أعماق النفس ليقول كلمته وإن هضمه هو الذي ضيق النفس بعد اتساع وعكر صفوها بعد هناء وجعل التسامح و السكوت عن الأخطاء أمراً لا يمكن الصبر عليه. اللهم يارب أعط كل ذي حق حقه: كلمتان تنتهي بهما فلسفة الحياة، معرفة الواجب والقيام به.
حمص 8/11/67

نفس رضية وأخرى ساخطة

نفسك السمحة الرضية تساعدك على القول بصراحة ولو كانت هذه الصراحة مخجلة لك حقاً، ونفسك الساخطة لا تمنح لك هذه الصراحة ولو كانت مشرّفة ومكرمة. إن نفسك السمحة الرضية لا تكون مع مخاذلتك وأنت ما دعوت أحداً للتنفير منك بسبب تقصيرك عن الواجب، وإن نفسك الساخطة تكونت بسبب ما تراكم عليها من الدخان المتصاعد حولها فأثار الرعب في سلامتها ولو بقيت قوية لا تخشى فنائها.
نفسك السمحة الرضية تساعدك على تلقي المعلومات المفيدة من أي مصدر كان فتتغذى بها وتقوى وتسيطر على وساوسها. أما نفسك الغضبى فيقف العلم حائراً بين أن يدخل إليها ويحل محل الغضب أو يبقى الغضب في نفسك مهيمناً عليها مالكاً لمشاعرك. نفسك السمحة الرضية تساعدك على مقابلة الصعوبات فتمر بك دون أن تكترث لها بينما نفسك الغضبى تزداد في تقدير الصعوبات حتى لتجد كل شيء لديها صعباً لا يمكن اقتحامه.
نفسك السمحة تجعل بينك وبين الناس صلة التفاهم والمحبة فتتحمل أخطاءهم بينما نفسك الغضبى لا تتحمل أخطاء نفسك ناهيك عن أخطاء الغير. نفسك السمحة يشع منها قلب مؤمن بالحياة وواجباتها فتنهض بكامل مسؤولياتها دون أن تتهرب منها فلا تجد القيام بالواجب إلا شعوراً بالرضا تعمله وتنتظر واجباً آخر لتسرع بالقيام به. نفسك السمحة تزيدك قوة وجمالاً فلا تثور لأتفه الأسباب فتفقد ذاكرتك فلا تعود تدري ماذا تصنع بل تبقى مطمئناً للنتيجة مؤمناً بالوصول إلى سيرها الطبيعي ولو بدت معاكسة.
كيف يمكن أن يكون لك نفس راضية بعد أن كانت ساخطة وكيف يمكن أن تحافظ على رضى نفسك من السخط والانتقام، فإذا ما أردت ذلك فاجعل الاعتماد على نفسك والإيمان بالله تعالى هما طريق البداية لتصل إلى شاطئ السلام ولا بد لك من توفير صحتك وقوة عزيمتك وصدق نيتك فيما أنت له تسعى وتنشط، ولا بد لك أيضاً أن تفهم نفسك فهماً صحيحاً لترى منها نفوس الناس فلا تخدع بما تسمع وترى ولا تضطرب بما تفاجأ وتستبشر، ولا تتردد فيما تنوي وتحزم بالأمر.
ما الذي يجعلك راضياً وأنت تعيش في جو ساخط، وما الذي يجعلك ساخطاً وأنت تعيش في جو راضٍ، لو تأملت حقيقة الحياة لوجدت المطامع التي ترغب في كسبها هي التي تقلقك وتقض مضجعك فلا تطمح في كسب دون أن تجتهد له وتعطي حقه من ثمن التقدير والإمكانية. إذا كنت راضياً أو ساخطاً فماذا يعني ؟ !! إن هذا يعني أنك فزت بما أنت له جدير وفشلت بما أنت لم تعد له تمام العدة وكان عليك بعد ذلك ألا تغتر بالنصر فتثابر على حسن سيرتك وألا تيأس فتجدد النشاط مرة أخرى بصبر وإيمان.
إذا كنت شجاعاً فقد يمكن أن تكون لك نفس رضية أو ساخطة، أما إذا كنت جباناً فليس لك إلا نفس ساخطة، وقد تتوهم رضاك في سخطك وبالعكس ولكن الحقيقة هي أنك لا تعيش راضياً وأنت غير معزز ومكرم في أهلك ووطنك ولا تعيش ساخطاً وأنت موفور الكرامة مرهوب الجانب.
فعلم طفلك شجاعة القلب وصدق اللسان وسماحة النفس وصراحة الرأي ثم لا تخشى بعد ذلك أن يكون ساخطاً في حياته ولو بدا لك أنه غير راض. فأشجع القلوب ما صمدت ولم تستسلم، وأصدق الألسنة ما استقامت على إعلان الحق وطمس الباطل، وأسمح النفوس من عفت عن أعدائها حين كان بإمكانها أن تنتقم شر انتقام.
7/1/69

اسأل نفسك هل أنت لطيف

اسأل نفسك هل أنت لطيف فأقول لك إذن أنت جميل واسألها مرة ثانية هل أنا ذو ذوق عام فتجيبك إذن أنت جميل ومحبوب، ثم أعد السؤال ثالثة هل تلاحظ جيداً ما تراه حولك من الأشياء فإذا كان كذلك فأقول لك إنك جميل ومحبوب وإنساني.
ليست اللطافة في جوهرها إلا عنوان الأدب والتهذيب وليست سلامة الذوق وحسن الاختيار إلا دليل على قوة الملاحظة وتجريد الانتباه وأخيراً ليس الاهتمام بكل الظواهر التي تراها إلا جزء من إخلاصك لنفسك وإخلاص نفسك لما تريد.
أنت تحب اللطافة والذوق والملاحظة لأنها نوع من الجمال ت