الامتحان

خرج من قاعة الامتحان فرحاً مسروراً وما إن سار بضعة خطوات حتى صادف رفيقه في المدرسة ولم يكن على وجهه علائم الفرح التي تبشر بتوفيقه في الإجابات عن الأسئلة التي أعطيت له، فابتدأه بالسلام ولم يتكلم معه في موضوع الامتحان بل عاد يجمع أفكاره ليستعد للفحص الثاني بالمادة الأخرى لمتابعة الامتحان في اليوم الثاني في بقية المواد، وما هي إلا دقائق حتى ناداه رفيق له آخر يسأله عن فحصه وإجاباته ويظهر من علائم وجهه أنه لم يجرِ فحصاً بسبب مرضه فالمرض المفاجئ حال بينه وبين الحضور إلى قاعة الامتحان وما وجوده الآن إلا ليشتري علاجاً حسبما وصف له الطبيب.

لقد ودع الرفيقان بعضهما متمنياً له الشفاء وآسفاً على ضياع الفرصة الجميلة له لصب معلوماته على ورقة الامتحان، إن البيت لم يعد بعيداً منه حتى يدخله ويهيأ نفسه لجو القراءة وما كاد يفتح الباب حتى انهالت الأسئلة عليه من جيرانه عن تأخيره في الوصول حيث كان في انتظاره جميع أفراد الأسرة فلم يبق لهم من الصبر حتى ينتظروا دقائق أخرى بل قلقوا لعدم عودته في الساعة المعينة وأصبح الجيران في حيرة من قلقهم. إن الطمأنينة عادت إلى الوالدين بعدما أخبرهم الممتحن عن إجاباته الصحيحة في كل مواد الفحص، وهكذا دخل الغرفة وأغلق بابها ليكون منسجماً مع القراءة لا يلهو ولا يقبل أحداً أن يتلهى معه.

Continue reading "الامتحان" »

من زائر لإحدى الجمعيات التعاونية

ما أقسى الحياة على من لم تتوفر له إمكانات الحياة وحاجاتها ومتطلباتها. فالضرورة تقضي أن يسرع المرء إلى تأمين مثل هذه الحاجات التي لا يمكن الاستغناء عنها كالمواد التموينية ولقد زرت إحدى الجمعيات الاستهلاكية لعلي أجد فيها ما أحتاجه من مثل المواد الغذائية. غير أني لترددي عليها مرة بعد أخرى ومشاهدة الجمهور الذي يقف تباعاً واحداً بعد آخر بانتظار ما يصلها من المواد تبين ما يلي:

أن المتطوعين من أقسام البيع لا يبلغ واحداً فقط إذا ما كثر الازدحام على مقسم منها وبالتالي فإذا استحضر صنف من الأصناف فإن الاختناق يزاول الموظف الموجود إن كان في الاستلام أو في فرز السلعة أو في الفهم لما يسأل عنه الزبون وذلك من جراء الإجابات المتكررة لنفس السؤال ولذات الطلب والجميع يريد أن يوجه السؤال إلى الشخص الواحد الذي يريد القيام بأعباء التصنيف والفرز والإحصاء.

Continue reading "من زائر لإحدى الجمعيات التعاونية" »

الناجحون

الناجحون في امتحان الشهادة الثانوية الفرع العلمي والأدبي كما جاءت الإحصاءات بلغ عددهم ستون ألفاً، وهم على كثرة عددهم يختارون خمسة عشر رغبةً للالتحاق بالجامعة والمعهد لتتسع لهم في فروعها؛ كل على حسب رغبته وما تتيحه العلامات، والأولى لمن كانت علامته عالية في التفضيل على غيره من الطلاب والرغبات.
والسؤال المطروح هو هل يسعى الطلاب للعلم من أجل المعرفة واكتساب القدرات!! وما فيه مصلحة الوطن والأمة، أم أنهم يسعون إليه من أجل الوظيفة واكتساب الأموال للعيش برغد وهناء!! فالكل يسعى إلى علم الطب أو الهندسة لكونه أكثر عطاءً، ونرى أن الذي يسعى إلى العلوم الإنسانية أو الاقتصادية أقل بكثير من العدد المطلوب، كما نرى أن الحد الفاصل في الانتقاء لهذه الرغبات ليس كما تتطلبه الحاجة لهذا الوطن، وإنما كما تطلبته القدرة على حفظ المعلومات في الذاكرة لتكون العلامات العليا هي الفرصة المتاحة لانتقاء أفضل اختصاص في أغنى مورد.
لقد كان الدكتور المهندس المدني في ندوته التلفزيونية صريحاً في تبيانه وواضحاً للمشاعر التي ألمت به عندما أكد أن رغبة الطالب في الالتحاق بالجامعة بفرع من الفروع لن يعدمها، فإذا لم تتحقق له الرغبة الأولى فإنه سيجدها في الرغبة الثانية أو الثالثة وهكذا حتى الرغبة الخامسة عشرة.
كم من الاختصاصات التي تعلن في الرغبات لا يفيد منها إلا صاحبها فإذا ما تعاطى التدريس فإن العدد الضخم من الطلاب الذين يتلقون العلم على يد مدرسهم لا يفيدهم ما يتعلمونه إلا إذا تمثل ذلك العلم على مستوى الواقع وفي الشروط الصحيحة لأنفسهم وعقائدهم ونشاطاتهم. ومعنى ذلك أن الاجتهاد في العلم الذي لا يعقبه تجربة من أنفسهم ليثبتوا العلم بالتجربة وليجدوا في التجربة تحقيقاً لمعلوماتهم فإنه لا محالة لا يؤدي الغرض المطلوب، فإما أن يمحصوا العلم بالبرهان وإما أن يدللوا بالبرهان أن العلم يزيدهم وضوحاً في رؤية الأشياء والتدقيق بين دقائقها.
الوطن بحاجة إلى العمل في قليل أو كثير من المعرفة، والوطن بحاجة إلى شباب اتخذوا من العلم قاعدة لعملهم فلا يسترخصون العناء في سبيل إتقان المعرفة، لا يستغلون الجهد في سبيل فائدة لهم تكون أكثر ربحاً، ويكفي لذلك أنهم أعطوا وخلدوا، وأن الانتفاع بهذا العطاء عم الجميع.
حمص 13/8 /1986م

اللقاح صحة

يمنع القيد أن نقوم فهل تاج فبالتاج للأفراد قيام. المرض قيد فبالصحة رفع لهذا القيد الذي جاء من النفس وإلى النفس ومن الجسم وإلى فناء الجسم. والجهل قيد فبالعلم كسر لهذا القيد الذي أخذ بزمام الأمر فلم يعد للعقل سلطان ولا للأهواء حد ولا للسلوك انضباط؛ والفقر قيد فبالمال ذل لهذا القيد الذي جعل الحياة على نحو ضيقة لا يستطيع معها المرء أن يجر ثوب العز والكرامة.
فإذا ما اجتمع لفرد هذه الثلاث كان التحطيم له أمراً محققاً وهذا يتأكد لسير هذه الخطوات سيراً بطيئاً منذ الطفولة فهي تشب معه رويداً رويداً حتى إذا كانت الطفولة فالإنسان لا يدركها، وإذا كان الشباب فالإنسان لا يعانيها وإذا كانت الكهولة فالإنسان يقاومها أما إذا صارت الشيخوخة والهرم فلابد له من تحصين يحميه من براثنها وهذا التحصين لا يأتي إلا من المحبة التي قامت عليها طفولته والأخلاق الحميدة التي نشأت عليها رجولته والإيمان القوي الذي امتدت بها كهولته أو شيخوخته.
حدا بي إلى كتابة هذا الموضوع الصلة التي تربط الفرد بإمكانياته منذ الولادة وحتى آخر نفس من حياته. فإذا كانت العناية تامة فلابد لجسمه أن يحمى من المرض الذي يفتك به وإذا كانت التربية سليمة فلابد لذوقه وفهمه أن يسلم من الخطأ والانحراف.
بقي علينا أن نتوجه إلى الآباء و الأمهات الذين يقومون بالدور في هذه العناية لأبنائهم الصغار الذين لا يدركون للخير والصحة أي معنى وإرادة. ولذلك جاءت وظيفتهم أساسية في هذا السبيل، أما التعليم فقد أعدت المدارس لهذا الطفل أن يتعلم ويستفيد ويصلح من اعوجاجه. وما عليه وبإشراف معلميه وبيته إلا أن يكون منظماً لنفسه ومنتظماً مع رفاقه وجاداً في سلوكه.
ولندرك أن لنمو جسمه وقدرته على احتمال المتاعب والمشاق أمر ضروري وهذا يتوفر بحبه للرياضة وميله إلى اقتحام الصعوبات فلا يخاف من الخطر اللاحق به وخاصة إذا كان هذا الخطر آتياً من الإقدام والشجاعة وحب الوطن والأهل ونكران الذات وحب التضحية.
إن المشاعر التي تدفع إلى كل ذلك هي وجود المنظمات التي تشجعه وتعطيه من الإمكانات فوق إمكانية الأفراد. فأصبح الطفل لا يعيش منفرداً فهو في الرعاية دائماً وليس عليه إلا أن يكون اجتماعياً بعيداً عن العزلة والخوف.
إن الثمن الذي يدفع من الإهمال في معرفة حقوقه وواجباته يؤدي به فيما بعد إلى فقدان القدرات شيئاً فشيئاً حتى تصبح قدراته نهباً مقسماً يتوزعه الأهل فيما بينهم فيغدو المرء طريقاً للانقياد إلى الموت لا للنجاة منه. وهل موت أعظم من فقدان الشخصية التي لا تعرف للرأي السديد موضعاً وهل نجاة أفضل من المحافظة على تملك هذه الشخصية إذا عصفت بها الرياح فبقيت كالطود لا تتزعزع!!

حمص 25/ 10/ 1986م

خطيئة كبرى

خطيئة كبرى بحق الحفلات التي تقيمها مديرية التربية على أنواعها الفنية والأدبية والعلمية فلابد لهذه الحفلات من دعم لقوى الأمن الداخلي لتتخذ حيطة من بعض المخربين لروائها وجمالها وقد يكون هذا التخريب مصدره بسيطاً جداً هو الحصول على بطاقة للدخول تستعصي حوزتها على الطالب فيثور ويغضب وينتج من ثورته وغضبه تجمع هؤلاء الطلاب والقيام بما يهدد النظام وترتيب الحفلة فيقذف العابث به مبنى المدرسة بالحجارة ليظهر بطولته في إخضاع القائمين على حراسة المدخل والسماح بما يخل النظام أو الانهزام أمام طغيان هذا الاندفاع القوي من جمهور المحرومين من حظوة المشاهدة.
هذه خطيئة مصحوبة بخطيئة أخرى أكبر منها وهي التهكم على موظفي التربية الذين قضوا معظم حياتهم في خدمة النشئ الجديد يعلمونه ويسايرون تقدمه وتطوره. إن هذا التهكم كان من قبل رجال الأمن وهم إن لم يقصدوا بالذات موظف التربية فقد قصدوا الجهاز التعليمي برمته وهم إذا كانوا بأنفسهم قد خاطبوا المسؤول باللهجة التي اعتادها في الخطاب مع المجرمين الآثمين فإنهم قد أزعجوا بسبب القيام بوظيفتهم وحضورهم لتفريق التجمعات والضرب على أيدي العابث منهم.
كان حظي كبيراً فقد حضرت ساعة قدوم النجدة وهرب الطلاب وقد صدف أنه على الطلاب المتمردين متابعة النظام. أن استقبال مدير المدرسة من قبل ثلة من رجال الشرطة الذين بعد أن هشم المؤذي منهم ألواح الزجاج وتبعثر في نواح متفرقة مع رفاقه فليس بالإمكان التقاطه والقبض عليه بالجرم المشهود. لأدعك أيها القارئ هنا ولأصف لك نوعية الاستقبال: إنه لصعب جداً أن يقف المسالم بوجه الثائر وقد كان من الحق أن ينقلب الأمر في تلك اللحظة فيصبح الثائر هو المسالم لأن التنظيم الذي يتطلبه القيام بمثل هذه الحفلات يوجب أولاً وأخراً دعمه من رجال الأمن خوفاً من انخراط بعض المشاغبين والمغرضين في صفوف الطلاب لتعكير جو الحفلة ونجاحها.
صحيح يا سيدي إنه مدير مدرسة وإنه مربي نشء وهنا تقتصر مهمته والمهمة الباقية في حفظ النظام هو عندكم يا سيدي المداعب في وقت تنطلق منه الثورة عليكم لا لكم إن التفرق بعد هذا التجمع الكبير غير ممكن تلقائياً ولو أنهم أرادوا المحافظة على النظام والامتثال له لانصراف كل منهم إلى عمله غير أنهم أرادوا الدخول عنوة فقذف العابث منهم بالنظام مبنى المدرسة بالحجارة ليظهر بطولته في إخضاع القائمين على حراسة المدخل للتخلي عن الوقوف بوجهه وعدم السؤال عن البطاقة.

برنامج ستديو (26)

يعجبني في البرنامج:
ـ أنه متنفس لبعض الشكاوى التي بحاجة إلى الحل السريع والتي طال عليها الأمد بتجمدها وعدم الانتباه إليها.
ـ الدخول إلى أفهام فئات الشعب بأخذ الرقم المجهول والاتصال بصاحبه والاستماع لصوته.
ـ الألحان والموسيقا التي تعقب كل مادة من برامجه بحيث تترجم عما تؤديه هذه الكلمات من حركة وتصوير.
ـ إن الوقت جد مناسب بحيث أن العدد الأكبر من الموظفين يستطيعون أن يستمعوا إليه وهم على مائدة الطعام مع أسرتهم.
ـ برنامج صوت من الزحام لمريم يمق لأن فيه أسئلة تحقيق بإجابات مختصرة ومفيدة. يسودها البداهة والواقع.
ـ برنامج " على الهواء " لأنه فيه خاطرة جديدة لمشاهدات نراها ونسمعها ونعرفها " كل يوم " غير أننا لا نركز عليها ولا نعطيها اهتماماً.
ـ الاتصال بالفنانين من أدباء وموسيقيين ومذيعين مع موجز لحياتهم.
ـ استدعاء بعض الشخصيات الموهوبة للمتابعة في العمل وطرح الحرد والدلال بتذكيرهم وتشجيعهم.
ولا يعجبني في البرنامج:
ـ أنه كاد يصبح هدفاً للشكوى فتعود الشكوى منه لا إليه
ـ مضايقته أحياناً لبعض المسؤولين بحيث يراد منهم الإجابة العاجلة في وقت قد يكون غير مناسب
ـ الإطالة في بعض البرامج والاقصار في البعض الآخر وبقاء القديم منه زمناً طويلاً.
ـ الألفاظ التي تدخل في صيغة التعجب والاستفهام والتمني والرجاء والأمر والنهي والطلب مثل: كيف، لماذا، لو أن … هل كان…، لا تسرع، انظر إلى الساعة ….
اقتراح: إعادة قسم من البرامج الهامة في وقت آخر من اليوم ليتاح للبعض الآخر السماع إليها في غير وقتها السابق.

كانت لكم أمنية

كانت لكم أمنية وكان لي تفكير فإذا الأمنية تحولت إلى حقيقة تصرخ في وجه مهملها لتقول أنا العامل الصانع لتمديد الخطوط فمنها تضغط الزر لتضيء غرفة البيت وتعطيك الحرارة لتنتفع منها في حاجاتك اليومية للغذاء واللباس وغيرها من ضرورات العيش والحياة. وتستعملها للإضاءة والحرارة ومنها أيضاً للتنبيه واليقظة وأخرى كثيرة لولا جهدي وعملي ما أنت قادر على القيام بهذه الأعمال لأن لكل منها اختصاصه وخبرته.
إن الحقيقة جاءت من بعد المعرفة والشعور بتقدير إنتاجكم ورفع مستواكم إلى الاعتماد عليكم في جميع الإنشاءات والمؤسسات لتعطوا العزم والقوة وتنشروا المعرفة والتجربة وتحققوا المزيد من المشاريع العمرانية والصناعية والزراعية بفضل سواعدكم وعرقكم المتصبب. إن الاحتفال بعيدكم في اليوم الأول من أيار وجعله عطلة رسمية واشتراك جميع فئات الشعب بهذا الاحتفال لدليل واضح على الاعتراف بما تقدمونه للبلد من خدمات وتضحية.
قبل أيام من عيدكم كانت جميع المدارس تعد الاستعداد الكبير للقيام بواجبها نحو عرض كبير تشهدونه بمناسبة عيدكم فأخذت على عاتقها تحمل جميع التكاليف التي تقدمها هيئة المدرسة لتعبر عن فرحتها بعيدكم بما تعطيه من وقتها وجهدها وخبرتها ومنها لقاء أن تكون السباقة عن غيرها من المدارس في مضمار عرضها للزينة والبهجة والصور واللوحات.
لقد انقضى عيدكم وما من أحد إلا فرح وابتهج لهذه المناسبة السعيدة لكن الوقت ليشعرني بشيء فكرت به كثيراً قبل العيد وفي أثنائه وبعده: هو التحقيق والإبداع لهذه اللوحات لتكون آية في الفن والرسم والقائمين بهذه المهمة ينبغي أن يكونوا من ذوي الاختصاص والإمكانات للتفرغ إلى إنتاجهم.
وبعد مرور ثلاثة أيام من العيد كان الواقع ليؤكد لي حقيقة راهنة. هو إعطاء ساعات إضافية بأجور لأمثال هؤلاء الفنانين يكون عددها بمقدار ما تحتاجه المدرسة من إظهار تفوقها على غيرها بالإنتاج العلمي والأدبي ملاحظاً اعتبار عدد شعبها ومرحلتها الابتدائية والإعدادية والثانوية.
ففي انتظار ما يدفع لهذا الفنان من الأجور لقاء لوحته كان الوقت قد طال ليترك أمر التصرف في الدفع لصاحب العلاقة من العمل الموكل له. فالحضور بنفسه إلى المدرسة أهون من هذا الانتظار غير أن أمر الأجور ترك معلقاً دون تحديده سابقاً.
وأذكر أن طلبه كان فقط مائة ليرة سورية وليس الموضوع بقليله أو كثيره فإن الموضوع هو كالآتي:
لينطلق الاحتفال بعيدكم من شيء واحد هو أن تغطية هذه النفقات من مخصصات النقابة واتحاداتها. فإن تجاوز هذه القيم بحد أعلى أو منخفض بالإمكان تحديده من قبلكم.
وفي غمرة من هذا التفكير بموضوعكم وبعد مرور قليل من الوقت همس أحدهم في أذني دون أن يعلم ما يشغلني من التفكير: إن اتحاد نقابات العمال لتضع جميع التكاليف التي أقيمت بمناسبة عيدها في حسابها لقاء قوائم مرتبة. مرحى لكم أيها العمال في عيدكم وإلى أعياد أخرى تظهرون فيها بطولة الإنتاج من سواعدكم المفتولة.

قلت هذا صحيح

قلت هذا صحيح بعد ما قرأت التعديل للأسلوب القديم المتبع. لقد كان علي أن أبدل الصرافة للنقود بقطع صحيحة، وكان علي أيضاً أن استمر بهذا التبديل لكي يكون المبلغ المجمع متأهلاً للتسليم وما كان استلامه مقبولاً في أي وقت يعطى وما كان قبضه من المسلم ليجمل بالدفع من المستلم إذا لم تبلغ القيمة ألفاً فما فوق.
قلت هي إعادة نظره في الموضوع حملت التسهيل في البيع والتسهيل في تسديد القيمة وحفظت لأمين المستودع من المباغتة في الطلب وتوفير الكتب للطلاب بحيث يلغي معه الانتظار في تسليم الكتب ودفع الثمن والتأجيل لليوم الثاني كي تودع هذه المبالغ من قبله في المصرف لحساب الكتب المدرسية قبل أن يوقف باب القبض.
قلت ولقد ذقت التجربة بنفسي يوم أردت الدفع فلم يستلم وعمدت إلى إيداع القيمة مخافة الضياع ولما عدت إلى استلام الكتب الجديدة الواردة كان تسديد المبلغ هو أسلوب الرفض ولما لم يعد يبقى من انتهاء البيع وإعادة الكتب الفائضة إلا أياماً قليلة لتنتهي وينتهي معها حساب الكتب وقبض الثمن. آثرت الانتظار وآثرت أن يكون دفع المبلغ مباشرة لحساب الكتب المدرسية عن طريق المصرف.
فبينما أدفع للمسلم قيمتها أقساطاً إذا بي أدفعها جملة واحدة عن طريق المصرف لقاء شك بأمر القبض. لقد كتبت كلمة مفصلة في أثنائها عن هذا الموضوع لما أصابني من بعض الحيرة غير أني احتفظت به لأني رأيت أن حل الموضوع لم يكن بشكل قانوني حيث أني كنت محمولاً على الخطأ الذي سببه لي تمسك أمين المستودع بعدم القبض ولجوئه إلى الامتناع عن تسليم الكتب الجديدة قبل حساب ما سلم وما أعيد.
إن جمع ثمن الكتب من الطلاب وتأليف قوائم بعدد الكتب ودفع الثمن عن طريق المصرف لحساب الكتب و أخذ إشعار بذلك لأمر يتجنب الوقوع بالخطأ والمضايقات. لا أستطيع أن أبدي رأياً في الموضوع قبل أن ينتبه إليه المسؤولون ولا يمكن بالنتيجة أن يكون نافذاً إلا بعد إصداره من الجهات المختصة المسؤولة. وحسبي أن أتعقد فتتعقد الأمور ولست بذلك مستعداً وليس في مشكلتي إلا الصعوبة وعدم الإجابة بالسرعة التي يسرع إليها من لا يرى أمراً جديداً لينظر إليه. أما النتيجة فليس الإبطاء ولا التأجيل وإنما القلق الذي لا ينفك يشاغلني فأسلو عنه ولو كان بعيداً في أعماق نفسي.

هيهات

كان أهله يصفونه بالغريب لأنه حقاً يختلف عنهم وقد أطلقوا عليه هذا الوصف بعد أن عجزوا عن وضع تعريف له ثابت. فكانوا كلما جروا عليه اسماً تبين لهم فيما بعد أن هذا الاسم لا ينطبق عليه وقد كانوا يضعون له أحياناً اسمين ليحكم الوصف له ويضبط المعنى معهم ومع ذلك فإن شيئاً من هذه الألقاب بعيدة عنه كل البعد وأخيراً أجمعوا أنه غريب كأنه ليس منهم وكأنهم ليسوا منه.
ما الذي كانوا يرون فيه ما لا يرونه فيهم وما الذي أسخطهم منه وما رضي أن يقلدهم فيه وما الذي يريدونه أن يعمل ولا يمتثل لقولهم. كان لا يشاركهم في سخرياتهم المستمرة التي تجيء بغير مناسبة ولا جمال فإذا ما سخروا فإنه يرفض التجاوب معهم والاشتراك في السخرية وكثيراً ما يضحكون لهذه السخريات التي تزعج سماعها غير أنه لا يضحك فإذا ما طلبوا منه رأيه في الموضوع نهض واقفاً وترك المكان حتى يتفرق الجميع ويلتئم في غير أسلوب.
ما الذي كان يرضيه ولا يتفق معهم وما الذي كان يتفق معه ولا يوافقونه عليه. كان إذا جلس ليأكل ترك المائدة قبل أن يشبع وكان إذا أراد الشبع عليه أن ينفرد بالأكل دون أهله وإخوته وكان ثاني ولد أبيه وكان إذا جلس للقراءة ترك أهله وإخوته في صياحهم للفرح وندائهم للطلب وصراخهم للمقت.
إن وجوده مع أهله على المائدة يدعو هؤلاء إلى النظر والمراقبة كما يدعوه إلى أن يضيق ذرعاً من احتمالهم يتكلمون عنه ويطيلون الكلام. إن وجود أهله معه مدعاة للوم على ما أفرط في الأكل أو ما أنقص منه وفي كلا الحالتين كان الكلام منهم والاستماع منه فلا يجيب بل يثور ويغضب في نفسه ولا يقدر أن يدافع عن نفسه شيئاً ولا يتركونه في مجال إلى ما بعد الطعام. إن تحدث أهله فيما لا يفيده بشيء إن كان في مصلحة المدرسة أو في مصلحة حاجاته ومتطلباته فإذا كان الحديث في المأكل فقد انتقى كل منهم أكلة يرغب بها ولو لم يرغب بها غيره وإن كان الحديث في الملبس فقد خص كل منهم بما سيلبسه ويروقه وكان الذوق للباسه ومأكله بما يفرضونه فرضاً.
مرت الأيام وتفرق الأهل جميعاً وأصبح كل منهم مستقلاً عن الآخر فإذا شهدت الأيام بصديقنا الذي أراده أهله غريباً وارتضى لنفسه نوع الغرابة التي جاءت من إزعاجهم له ومضايقتهم لأعماله وتصنيعه بما شاءوا له من الصنعة فما أمكن ولا استجاب زاره يوماً أخ له أكبر وقد أخذ منه التعب مأخذه بحيث نسي ما أنكره على نفسه من قبل وذكر ما أوهنه وأضربه وبعد استراحة قليلة رؤي أنه يصدق ما كان يكذبه ويؤيد ما كان يعارضه وينفي ما أدعي عليه إذ قال إنه صديقاً للأدب والفضيلة وعدو للرذيلة وللشر.
وقعت هذه الكلمات في نفسه موقع الدهشة لأنه لم يسمع هذا الحق من قبل وهذه الحقيقة من قبل ومن بعد هل هو في حلم أم هو في يقظة ولما أيقن واقعية الأمر قال له وهو يضحك! لقد ذهلت لتصرفاتي منذ أن كنت طفلاً ولزمت الاستغراب والدهشة والعجب بعد أن كبرت ولا تزال في دهشتك وعجبك.
وتجد في الغرابة فطالما رأيتني ولم تنكر دهشتك وتعجبك والآن يحق لي أن أدهش لا كما كنت في تفكيرك وسلوكك بل لأن الأيام والزمن جعلت منك إنساناً بالرغم منك فتؤمن بالصحة والقدرة وإتاحة الفرصة والمساعدة والعطف ولكن هيهات.

تلاقي المعلمين

جميل أن يتلاقى المعلمون في حفلة تكريم أقيمت لبعض الزملاء من المعلمين في نادي النقابة وهي مناسبة جميلة للقائهم على المودة والمحبة. وهي أيضاً فرصة حسنة للاستمتاع بالنسيم العذب الذي ينبعث من حديقة النادي ليملأ الجو رغبة في التردد إليها والتعرف عن كثب على بعض المعلمين المستديمين الذين لا ينقطعون عن قضاء فراغهم في ساحته وبين جدرانه. وقد ألقيت فيه الكلمات التي تعبر عن فضل المعلم لحمله مشعل النور ليستضيء به أبناؤه وإخوانه من بني أمته ووطنه وليس لي إلا أن أستمع لأقوال المعلمين المحتفى بهم الذين بلغ عددهم ثلاثة ومن بينهم معلمة واحدة دفعتها الرغبة للتعبير عما يخالجها من مشاعر، تجاه هذا التكريم وهذه الحفاوة. وقد كانت كلمة المحتفى بهم يلقيها بالذات أكبرهم سناً ولكنه في الواقع أشدهم قوة وعزماً على ما يبدو ومن ملامح هيئته ونبرات صوته التي كانت تدوي في الأذان فتفعل في قوة التأثير فعل الشباب في الحماس والنشاط.
وقد كانت كلمة رئيس النقابة مؤثرة لأنها تعبر عن حاجة اللقاء بكل معلم والاستماع إلى مطلبه والعمل معه على البناء والتعزيز. وقد استعرض مفتش التربية بعض ذكرياته عن أحد المعلمين الذي أثروا قيامهم بواجبهم في خدمة النشء على راتب محدود من أن يتقاضى خمسة أضعافه وهو لا يقوم بأي خدمة وطنية , ولقد تخلل الحفلة استعراضات فنية من موسيقية ورياضية وغناء كانت كلها في سبيل جعل هذه الحفلة جميلة جذابة ممتعة وقد قدّم مدير التربية باليد جوائز رمزية للمتقاعدين أعدتها إدارة النادي وسجل عليها بعض الكلمات الخالدة.
وإن أنسى لا أنسى تلك اللعبة التي يفوز بها الرابح بقداحة رولستون " لقاء اشتراكه بربع ليرة " وقد ألح علي الواجب وكتبت كلمة عن المتقاعد وهيأتها للإلقاء أو النشر وإن حالت الظروف دون إلقائها فلسوف يسعفني الحظ في نشرها للإطلاع عليها. وليس لي أخيراً إلا أن أعقب على امتناع مدير التربية السابق عن تسليم الجائزة للمتفوقة في اللعبة الرياضية بناء على طلب مدير النادي والتكليف بها لغيره. وقد انتهت الحفلة بإنشاد أحد الفنانين من نادي الألحان كان لصوته العذب أكبر الإصغاء وبانتهانا انتهت الحفلة على أمل القاء بكل معلم والتكريم لكل متقاعد.

المنطق التقليدي

يحار الإنسان فيما يجده من بعض المسؤولين على أي شكل ينبغي أن يكون الكلام للدلالة على معناه حتى يكون غير قابل للتفسير تفسيراً لا ينطبق مع مدلول اللفظ والمعنى. فقد اعتاد الموظف الصغير أن لا يأخذ الشرح إلا بالذي يجب له أن يوضع فلو كان فيه بعض التحفظ أو كان قابلاً للتسمية باسم آخر فإنه يقف موقف السلبي منه بحيث يطلب من صاحب العلاقة الصيغة التي ألفها في قراءاته للبيانات ولا سيما إذا كانت تتعلق بحفظ حقه من اللوم عندما يدعى للمراجعة من مسؤول أكبر.
دعاني إلى بحث هذا الموضوع مراجعة الموظف بشأن التقرير الطبي الذي قدم له وهو يحمل رأي الطبيب بالموافقة على ما جاء به والعمل بموجبه وقد ترك الأمر لأن يفهم ما معنى كلمة "راحة مطلقة عن الكلام في المعالجة " وكان على الطبيب أن يذكر " الانقطاع عن العمل وإجازته المدة المذكورة " كما أنه كان على الرئيس الأعلى أن يذكر للموظف كلمة اعتماد بدلاً من الاحتفاظ به كما أنه أيضاً كان على الطبيب الموكل بفحص الموظف ألا يختصر من الشرح ولا يترك المجال لقابلية التفسير وتحديد اللفظ.
إنني سررت جداً من دقة الموظف في العناية بواجبه على النحو الذي لا يجوز فيه المطالعة الشخصية. كما أني سررت من الطبيب للاكتفاء بما يدعو معرفته. وأخيراً سررت من الرئيس لوجود الانضباط في الكتابة بحيث أن التقرير وموافقة الطبيب واستدعاء المريض هي الجواب على السؤال والكتابة إلى المستدعي.
كان يمكن أن أجد بعض من أحسبهم أكثر من الطبيب والرئيس والموظف لولا أن خانني الحظ بذلك فسألت صحفياً قديماً وقد أفادني برأيه إلا أنني أخذت عليه شيئاً هو نقده للموضوع من الوجهة الموافقة للتفسير لا للموافقة للنص. فإذا كان الأصل موجوداً فهل بحاجة إلى إعطاء معنى آخر للكلام حتى يصار إلى أسلوب جديد في القول؟!
إني نسيت شيئاً لم أذكره هو أن الشهادة للطبيب أو المعلم أو المحامي أو الموظف لا تكفي إذا لم يحمل صاحبها قوة في المنطق تزيد على ضعف التعبير أو غموضه أو اختصار أو تغطيته بالغطاء الذي يمكن كشفه باللباقة والإنسانية والذوق والوجدان.
حدثني أحد الصيادلة قائلاً: إن من العسير على المريض أن يحصل على إجازة مرضه وخاصة إذا كانت في الحنجرة فمن المستحسن إذا كان المريض معلماً وقد أصيب بهذا المرض أن يدخل إلى الصف ويكتفي بالإشارة وهي تدل على عدم تمكنه من الكلام. فإذا ما سئل عن سر صمته وإجاباته باليد كان الجواب إشارة أخرى على عجزه عن الكلام بسبب مرضه.
قلت له يا صديقي هذا أسلوب جديد لمفهوم قديم إن اندفاع الإنسان بالغضب لمصلحة المعلم أو الطالب يحضه على فتح فمه لينطق ولو كان الكلام يضر به. وإن حاسة السمع ليتأذى الإنسان بها إذا وجه إليه من الكلام ما يسيء إليه فتراه لا يعرف نفسه أن المصلحة تقضي به أن لا يتكلم وإذا به لا يحافظ على وقايته في الصمت.
إن الأسلوب الجديد أن يكون للحضور فائدة وللعمل إنتاج أما المفهوم القديم هو أن تحضر شكلاً وتعمل شكلاً حتى لا يقول المسؤول أنك غائب ولو كان حضورك صمتاً وعملك مهدماً.

أسلم طريق

ركضت مسرعة إلى مدرستها لتتعرف إلى نتيجة امتحانها باستلامها الجلاء الذي يساوي عندها كل شيء في النجاح والرسوب، وما أن وصلت إلى باب المدرسة حتى فوجئت بالأمر الشفوي من الإنسان الذي يمتلك هذه الفرحة ليقول "ارجعي وعودي محملة بالدراهم".
إنها لا تعرف كيف تهتدي إلى طريق العودة مرة ثانية لتحمل معها ما استعصى عليها حمله قبل أن يداهمها هذا الإنذار الذي سمعته لأول مرة مرعباً ومؤملاً بالبشائر السارة أو المحزنة.
وصلت متخاذلة إلى منزلها كأنها تريد مفرجاً لضائقتها التي أكدت لها أن فرقاً كبيراً بين من يحمل معه دراهم ليشتري النجاح بهذا الجلاء وبين من لا يحمل معه ليبيع الفرحة إلى من يحملها بامتلاكه هذا الجلاء. أسرعت تقول لأول من تلقاه من معارفها: اعطني مالاً لأجلب لك ثمرة أتعابي ومقياس اجتهادي وذكائي.
لم يكن والدها في البيت ليسمع قولها ويرى دمع عينيها، ولم تكن والدتها في البيت أيضاً لتأخذ الموضوع في الحكمة وتعيد الفرحة إلى البنت، إنما كان الجميع مغادرين المنزل للانصراف إلى أعمالهم ما عدا طفلة صغيرة كانت واقفة في الباب من أطفال الجيران بينها وبين التلميذة منافسة ومزاح فهمت كل شيء وذهبت إلى أمها وأخذت قطعة نقود ودستها في جيب الفتاة قائلة خذي هذه وادفعيها له فإني سأستردها من أهلك حالما يحضرون.
ركضت مسرعة مرة ثانية في الطريق الذي يحمل البشائر والمسرات وعادت تحمل معها ورقة الجلاء التي تعلن نجاحها وتؤكده غير أنها في هذه المرة وجدت والدها ووالدتها وهما يتشاجران لقطع الماء والكهرباء عن المنزل بعدما أنذرهما الجابي بالدفع ولم يتمكنا من الوفاء له والتسديد.
إن فرحة النجاح كانت بالنسبة للبنت عظيمة جداً أما فرحته بالنسبة للأهل لم يكن شيئاً مذكوراً إلا بتسديد المبلغ الذي استحصلت عليه طفلتهما من الجيران بعدما أعلمتهما أن المدرسة رفضت إعطاء الجلاء إلا من بعد إبراز الدراهم وقبضتها باليد وتسليم الجلاء.
مساءً شاهدت في طريقي موزع الجلاء يفيض وجهه فرحاً وسروراً؛ نظرت إليه متأملاً هذه الفرحة التي جاءت من أعقاب نجاح الطلاب، فاستطعت أن أتناول هذه الفرحة بالعجز الذي أصاب أهل البيت وبالتأكيد للطفلة أن المال يدعو إلى الفرح والحزن وأخيراً رفع الكلفة بقبض الثمن من الجيران ليصار إلى القبول مرة ثانية عندما تشتد الحاجة.
رأيت الفرح يعم الجميع ولكنه بعد جهد وعناء. أما موزع الجلاءات فقد تعرض إلى المخاصمة والشتيمة واللوم والعقاب، وأما الفتاة فقد أصابها التعب الشديد لكثرة ما جاءت وعادت وركضت وفرحت وحزنت.
ذكرتني هذه الحادثة بشاهدة جميلة استحسنت فيها تدبير الأمر ـ لأنها تعطي وتعطي أولاً ولكنها في الأخير تأخذ وتأخذ بأكثر مما أعطت.
رأيت صندوقاً في إحدى المدارس الخاصة تضع فيه الفتاة ثمن الذي تأخذه ـ من قلم وممحاة ودفتر ـ من تلقاء نفسها دون مراقبة ولا انتباه. أكد لي مدير المدرسة أن كل شيء يجري على ما يرام وإن الفتاة التي تخدع وتغش لعدم وجود من يراقبها لا بد وأن تحاسب نفسها فتعود عن المخالفة أو تقع في الحساب الشديد لما جنته يداها.
إن صندوقاً من هذا النوع يجرى به الدفع لاستلام الجلاء بحيث يبقى مجهولاً قيمة المبلغ المدفوع فلا يتعرض الفقير لمثل هذه الهزات ولا يصاب الغني بالإعجاب والغرور هو أضمن وأسلم طريق يقتصر على المراجعين شكاواهم وعلى مطالبة أصحاب الحقوق استحقاقهم.

خطوة مباركة

تطوير التعليم ما قبل الجامعي شد الاهتمام به والإسراع في أمره للوصول إلى تنمية ملموسة ومتأصلة في وقت أصبحت المعرفة والتكنولوجيا متلازمة، ولا بد للبرامج المدرسية أن تضع في حسابها عصر التقدم والاشتراكية، وأن للإنسان قيمته في تحقيق هذا التطوير السريع بالاعتماد على المعارف التي يتلقاها في المدارس وأن هذه المعارف تعود إلى العلوم الإنسانية أكثر منها إلى العلوم الصناعية والفنية وذلك لتنمية الطفل تنمية تمشي المعرفة والعمل جنباً إلى جنب وتتحول المعرفة من دلالة مجردة إلى دلالة بيئية حياتية يستطيع معها إنسان المستقبل أن يعتمد على نفسه كل الاعتماد في بنيان نفسه والاكتفاء بخبراته عن الاستعانة بخبرات الآخرين فيما يتعلق بمهام حياته وبيئته.
ولقد تكون الذاكرة هي الأساس في حفظ المعلومات إلا أن المشاهدة والتطبيق والتجربة والاعتماد على المهارات اليدوية هي غير منفصلة عما قرأه وحفظه وتلقنه الطالب، لأن من السهل أن ترى الآلة تدور والبناء يشاد والجسور تقام، فإذا ما أمسكت بالآلة لتعمل كما عمل الخبير فإن الصعوبة تكمن ووقتها ترتد إلى الوراء، فلتمرن النظر على المشاهدة، واليد على الاستعمال، وفي ذلك ما يحتاج إلى وقت طويل لم تكن تتصوره وأنت ترى دون الدراية، وأنت تجذب دون الخوض في معركة العمل، وليس لك أن تقول في جو لم يسبق أن اقتحمته، وليس لك أن تفعل في جو لا تطمئن إلى نتائجه.
إن الدراسات التي يقوم بها الأخصائيون من كل علم وفن وخبرة لتؤكد أن النفس والجسم والفكر لتنطلق جميعها في المرونة لتحقيق العلم الذي تعلمته، والفن الذي هويته، والخبرة التي أحرزت يسراً في العمل وسهولة في الوقت وضبطاً للنتائج.
لماذا تسرع دقات القلب وتحبس نفسك عن التنفس عندما تشاهد قوة في الحركة، وضخامة في الصنع وجبروتاً في الإنتاج، ذلك لأن قلبك كان يخفق للطمأنينة دون معرفتك بالوصول إليها بعد القلق، وأعني بالطمأنينة الجو العادي من المعرفة والإدراك دون اللجوء إلى السذاجة والغباوة، وأعني بالقلق الجو الذي يسود الحياة من المنازعات والتنافس دون الأخذ بالتمهيد لهذه المنازعات حتى تصبح مشاركة وتضامناً، وإلى التنافس حتى تكون سباقاً وإتقاناً واعتياداً.
إذن تنمية الإنسان هو تنمية كل عضو فيه حتى يصبح العضو معتاداً لا يشعر بالارتباك فالعامل يعتمد على مرونة يده في العمل، ولا بد للطالب أن يقرن اعتماده على ذاكرته بالتطبيق وتطويع الجسم بأكمله لهذه الذاكرة في معارفه وقراءاته، فمن اللسان إلى القلب إلى اليد كلها جميعاً تنبض بالحركة للوصول إلى المعرفة المرتبطة بالتكنولوجيا.
حمص 22/3/86

إنصاف الفئة التعليمية ضروري للشعور بعزتها وكرامتها

قالت والألم يهزها هزاً عنيفاً: إنني منذ أكثر من عشر سنوات وأنا معلمة الصف الأول فما رسمت خريطة ولا صورت مخططاً، وقالت أيضاً إنني أقوم بواجباتي كأم في البيت وكزوجة في تلبية طلباته فما أرفع رأسي على حديث قلبي الذي يذكرني بضرورة معرفة هذه المعلومات كمواطنة تحيا في قلب وطنها العربي وكمعلمة تخجل من نفسها أن يكون طالباتها في المدرسة يرسمن بإتقان وهي لا تعرف من هذا الرسم إلا اسمه على المخطط وترديده من الأفواه.
وأخيراً قالت من المسؤول عن ذلك وأنا أردد كل يوم صوت الحرف أقرأه وأكتبه وأرسمه على السبورة وفي دفاتر الطلاب فلا يأتي وقت الغذاء إلا وأنا مدعوة إلى تحضير الطعام للأطفال الجائعة لكي يهدأوا بعد القلق والاضطراب والغليان. فإذا ما انتهوا وأكلوا وشبعوا تتابعت على وجبات أخرى تملأ الفراغ كله بحيث أضطر بعدها إلى الارتماء على الفراش والغطيط في النوم... وهكذا ينتهي اليوم لأستقبل في الصباح الباكر ما وجب في تحضير الدروس ليوم المدرسة.
قلت يا سيدتي إن المسؤولية هي في الدرجة الأولى والأخيرة تقع على عاتقك فأنت معلمة والأطفال جميعاً تلاميذ والنسيان يعود إلى ترك الممارسة والنشاط والرغبة والاهتمام ولست معفية من اللوم العنيف والعتاب الشديد على التأخر الذي أوصلك إلى هذا الحد من الجهل وعدم التذكر.
قالت إنني ما أكاد أضع الخارطة أمامي حتى يتبادر إلى مخيلتي واجباتي في ترك المهم على الأهم فأنهض من مقعدي لألبي حاجة طفل أو طفلة يبكيان فما أنتهي من ذلك حتى أسمع صراخ الطفل الكبير الذي هو الأب لأهيئ له فرصة الراحة ليتمتع بأحاديثه الخيالية أو أحاديثه المشحونة بالمجادلة والخصام، فإذا ما عدت بعدها إلى الرسم وجدت الدفتر قد أخذ من مكانه على الطاولة فأثور وأغضب وأقسم اليمين أن يكون للطاولة درج مغلق بمرتاج يمنع الأطفال من فتحه واللهو بمحتوياته.
قلت يا سيدتي حظك من التعليم مثل حظك من الحياة الزوجية المتعبة وحظ تلاميذك من التعليم والاستفادة حظك من الاطلاع والمعرفة والمراجعة فالفراغ مملوء عندك بجميع الأشكال غير أنه مفقود للاعتناء بالرسم وتصوير الخرائط وإن أعذارك بالنسبة لحدود قدرتك وإرادتك هي معقولة غير أنها ولا شك لا تبشر بنهوضك ونهوض مثلك في التقدم والرفعة والعلاء، فأنت اقتنعت بما عندك وتوقف الزمن معك عن المطالعة والدرس لا يوقف معه تحديد معلوماتك بل هي إلى النقص صائرة وإلى التلاشي آيلة.
قالت أنا معلمة بمرتب بسيط ولي سبعة أولاد لا يتجاوز الكبير منهم العاشرة وزوجي قد أصيب بعجز جسماني لا يساعده على الأخذ باستكمال اللوازم وأنا كلما أحطت الموضوع علماً وذاكرة رأيت أن القفل الذي يحمي درجي هو مقابل ثمن دفتر أو قلم أو رغيف أو كرسي أو فراش أو حذاء.. و إن الحاجة إلى رسم الخريطة يتطلب قلماً ودفتر وطاولة وكرسي وأذناً صاغية ويقظة نشيطة. وإن عدد الأولاد وعدم تأمين الحياة النظامية لهم على قدر الإمكان ليغضبني فلا أستطيع المتابعة بالواجب المطلوب في إتقان الرسم.
قلت إنك معلمة في القول والفعل وقد اتصفت بهذا الطابع الشخصي فإن من دروس الرسم للصف الأول رسم الخطوط فبإمكانك أن ترسمي الوطن العربي كخطوط ليستفيد منها طالباتك وبالتالي لكي لا تنقطعي عن حركة اليد في الرسم وحركة العين في المشاهدة وحركة القلب في الترديد.
قالت : إنني في الحقيقة لا أهوى الرسم وليست المخططات الجغرافية إلا اشتغال القلم برسم الخطوط والذاكرة بمعرفة المواقع الجغرافية للبلدان وتأشيرة الجبال والأنهار وتثبيتها في مواقعها المضبوطة.
قلت : هذه فرصة جميلة لإحضارك دفتر رسم وتجرين عليه بعض الخطوط فما عليك إلا أن تتقني رسمك أو أن يعيبك أحد على ما رسمت ولكن المهم أن لا تقولي قد فات الأوان وليست الفائدة المرجوة من التلقين إلا الاشتغال بتضييع الوقت والرجوع بك إلى الماضي القريب والبعيد لتحزني على ما فرطت وتأسفي على فوات الوقت.
قالت : إنه يمكنني أن أجد لذة وهواية في الرسم إذا وجدت الجميع أمامي يرسمون فأقلدهم في أعمالي كما أنني أجد أن أمر العمل لازم ومحتم إذا تيسر لي وجود الورق والقلم والممحاة والخارطة أمامي كما أن استمرار العملية بشكل آلي وتقليدي يجر بي إلى ترديد النغمة في البيت لأجد لذة بالرسم كما أجدها في الكلام والطعام ورتي الثياب وعندما يتم لي ذلك فإني أقول لطفلي إنك هنا في موضع كذا من أسماء المدن أو الجبال أو الأنهار أو الحدود وأقول لطفلي الثاني أنت هنا في مكانك وتعّين اسماً لبلد أو جبل أو نهر أو حدود أخرى وهكذا أجد لذة في منظر الأطفال في مكانهم كما لو كانوا خريطة وكنت مصوراً لها.
قلت هذا صحيح إنني تعلمت الرياضيات بسبب تعلمي للنظرية التي يقول فيها الفيلسوف ديكارت في مقدمته ما معناها إن تعلم الرياضيات حاجة ماسة إلى جعل نظريات الفلسفة صحيحة ومضبوطة لا تقبل الجدل وهي ثابتة نوعاً ما فهل تشك بمعادلة 1+1 =2 وواحد يحتاج إلى واحد ثاني ليكون الحاصل اثنين والاثنان هما عددان مجتمعان للرقم واحد والواحد هو عدد متفرق عن الاثنين.
قالت إنني بسبب حاجتي إلى الحياة الزوحية السعيدة فإني تعلمت الطاعة وما كنتها من قبل وبسبب حاجتي إلى تربية الأولاد تعلمت الصبر وما كنت أيضاً من قبل والآن بسبب حاجتي إلى رسم الخريطة فإنني أرى أن كل صفحة من صفحات الكتاب هي خريطة لكل بلد عربي وأن كل ورقة بيضاء يخط عليها قلمي هي مسودة لرسم جغرافي. قلت هذا جميل وآمل أن يحذو رفاقك حذوك في التمثيل والإرادة، وإنك بعد اليوم لن تقفي موقف المخجول لعدم ضبطك للرسم أو التصوير.
قالت شكراً فإني مستهدية وهادية وودعتها وانصرفت للعمل والواجب.

ذكاء ولكنه مشكلة

أخذ طريقه في الحياة على وجه مستقيم يذهب صباحاً إلى عمله يمارسه بإتقان ويعود مساءاً دون أن يعرف شيئاً عن العالم الخارج عن دائرة بيته ومكتبه إلا ما يأتيه مصادفة وعن طريق المقابلة. احتاج مرة إلى إخراج قيد نفوسه من موظف ضابط الأحوال المدنية فسمح له بمغادرة مكان عمله لأن الوقت المحدد لانصرافه يتعارض مع طلب الموظف بوجوب حضوره في ساعة مبكرة قبل الساعة الواحدة صباحاً.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يأتي بها العامل إلى غرفة السجل المدني ويقوم بعملية استخراج قيد نفوسه، فبعد أن استدل إلى المكان المطلوب ودخل مع أصحاب العلاقة فوجئ بالازدحام الشديد والانتظار الطويل ليحين موعد دوره فلما تقدم بالطلب انتهره المسؤول قائلاً : "عد غداً ولكن في الصباح الباكر" فأحب العامل أن يهدأ من غضبه قبل أن يرد عليه ليفهمه أن أسلوب الحدة ليس أداة للتفاهم وان السرعة التي جاء بها إلى هنا هي من حساب تعطيل عمله وتوقيفه لحين مجيئه.
فأجابه المسؤول دون أن يستوعب الكلام ماذا أعمل؟ وهنا وقف صاحب العلاقة قليلاً يهدا نفسه من شدة الصدمة التي لم تكن متوقعة وما هي إلا لحظات حتى انتبه إلى أن الذين جاءوا بعده من مثل طلبه قد حققوا طلبهم بكل يسر وسهولة دون أن يسمعوا كما سمع أو أن يؤجلوا و ينتظروا.
وهنا سرت في نفس المتكلم انتفاضة الحلم والسماحة فبردتاها من الغليان الذي كان فيها فأحث الخطى وعاد إلى عمله وحينما شاهده المدير وعلى وجهه ابتسامة مريرة وفي عينيه بريق خافت لم يشأ أن يسأله وترك الكلام لمناسبة أخرى.
وفي اليوم الثاني قدم الجميع إخراجات القيود ماعداه لأنه كان ينتظر رضا الموظف وبشاشة وجهه والوقت المبكر للإسراع بتحضير قيد نفوسه والوقت المتأخر بلا مبالاة فيبرزه لمن كان أولى وأشفع، وهنا انتبه الرئيس إلى السر بهذه الضحكة المريرة التي لم يعهدها من قبل في موظفه النشيط فبادره بالرضا وعدم الحرج بمغادرة المكتب والإسراع بإتيان الورقة المطلوبة، وبأقل ما يمكن من الزمن لوصوله لأكثر ما يمكن منه لإحضار قيد نفوسه.
كان صديقنا العامل المجد يتلهف إلى معرفة السبب الذي تعذر عليه إدراكه كيف أن أناساً تفتح لهم الأبواب دون أن يحتاجوا إلى فتحها وأناساً آخرين تسد أمامهم البواب وهي مفتوحة دون أن يستطيعوا الولوج بها، وما إن عاد إلى عمله حتى قابله المدير بالاستغراب والدهشة وعلى وجهه إمارات الغضب والأسف فماذا يصنع؟ وقبل أن يبادره الكلام نظر إلى وجهه فرأى آثار التعب بادياً على جميع جسمه ومع ذلك فإن ابتسامته كانت لا تفارقه وهي من نوع جديد، تعرفه إلى ما يحيط به من صعوبات أولاً وأخيراً في سبيل المحافظة على ثقة معلمه به وثقته بوجود العدالة في المجتمع ومراعاة النظام.
حينئذ سأل المدير بقية المتقدمين ماذا صنعتم حتى وفقتم إلى طلبكم بسهولة فأجابوه : إن إخراج القيد هو الطلب وإن الغرض هو مراعاة شأن الموظف بما يبهج قلبه ويشرح صدره وتسر عيناه ويترنم سمعه وقد كنا أذكياء أما صديقنا المسكين فهو لا يعرف من أمور الحياة شيئاً إلا استقامته في عمله وصدقه في حديثه وجديته في طلبه.
وبعد أن سمع العامل كلام الزملاء قال : إن طريق الاستقامة ناجح ولكنه طويل أما طريق الالتواء فهو فاشل ولو بدا للعين انه نصر مبين وعندها قال المدير ينبغي مع الاستقامة أن يكون الإنسان مرناً وحتى يكون كذلك لا بد أن يراعي مفاهيم العقول فينظر إلى العين من وراء تحدقها وإلى الوجه من وراء غضبه وإلى الكلام من وراء مغزاه.

تهنئة مزدوجة

بين الأساتذة الذين درسوا التاريخ واختصوا به أستاذ أُبعد عن منصبه كمدرس ليتولى منصباً آخر من ذات اختصاصه لا ليدرّس هذه المادة بل ليُشرف على تدريسها وقد أُنيط به عمل آخر وهو الإشراف العام على تدريس جميع المواد ومنها اللغة العربية وقد أمضى في هذه المهمة زمناً وضع خلالها قواعد عامة وملاحظات خاصة بقيت تتدارس للاستغناء عنها ليست في كليتها فحسب بل في العلم الذي وضع البرنامج فيه ليكون مادة للنجاح والترسيب بالنسبة للطالب واقتداراً للتفوق بالنسبة للمعلم مدرس هذه المادة.
ولقد حز في نفسي بعده عن منصبه قبل أن أستفيد من اختصاصه إذ أنني أرى في أستاذ التاريخ صلة بأحداث الزمن ومصائر الأيام إذ أن له نظراً عميقاً في التفحص بمستقبل الحوادث بالقياس إلى ما درسه من ماضيها، غير أنني وجدت أن دراسته للتاريخ مبنية على حوادث ووقائع حفظت فقط في الذاكرة دون الاستنتاج منها في شيء عملي من مشاهدات الواقع ولذلك تمنيت له كل التوفيق بعد أن خط نهجاً جديداً في عمله للاستفادة من اختصاصه الذي يتطلب انشغالاً وليس فراغاً للتعليق بما لم يستند على واقع تجريبي أو ملاحظة بعيدة.
ولا أدري هل اختير بعد ذلك للسفر خارج البلاد السورية في مهمة ثقافية بناء على طلبه أو رغبة في توجيهه الوجهة التي أحبتها وزارته لإسنادها له المنصب الحساس الذي شغله في ديار الغرب.
لقد كان كأستاذ للتاريخ يقول لتلاميذه لقد قُتل في المعركة كذا وكذا ولقد كان الانهزام كبيراً وليس البطل من يترك قيادة جنوده دون حزم أو شدة ولقد أرى في صفوفكم مثل الانهزامي في الدرس حيث لا يحزم أمره ولا يشتد في بناء شخصيته، فيعاقبه ليلقنه درساً في الشجاعة وهكذا يبقى القصاص على أكمله لجميع الطلاب مبتدئاً من الأضعف فالضعيف ثم التلميذ الذي لا يأتي ذوقه على ذوق أستاذه.
ولا أستطيع أن أعبر عن فرحتي بلقائه لأول مرة بعد غياب دام سنتين كنت أذكره دائماً كلما عادت المناسبة إلى الذاكرة فأقول كانت الفائدة من الأساتذ كبيرة ولو أنها في نطاق معين ولو أنها حزّتني لما كان لا يرحمني من ذكر العدد الضخم الذي يورده دائماً في قتلى المعارك وجرحاها.
تخلى الأستاذ بعدها عن منصبه ليستلم منصباً آخر يحتاج بالإضافة إلى التاريخ خبرة فنية وأدبية لما لهما من طابع يطبع الحوادث والمناسبات بالطابع الذي يجعلنا نشتد ونقوى ويُعاد فينا الأمل بالنصر العظيم وذلك بأسلوب متنوع جذاب ننساق إليه ويحّجنا فيقضي بعد ذلك على الجدل السقيم والأوهام.
واليوم من جديد وجد الأستاذ منصبه ووجدت الحوادث والمناسبات طابعها الحقيقي فلقد نُسقت وأُدعمت بالتاريخ واليوم تُفَنّدُ وتُضبط بالأدب، فالتاريخ فن قبل أن يكون سرد معلومات والمؤرخ الحقيقي أديب يحتاج في تأريخ الحوادث إلى مهارة فنية ليرتبها في السنين تبعاً للعصور فالتهنئة مزدوجة لأننا رجعنا إلى الأدب في صنع التاريخ ولكن علينا ألا ننسى العبر منها حتى نعتبر.

الكسب المادي وضرورات الحياة

مفهوم قديم استحوذ على الأغلبية الساحقة من الجمهور حتى الصغار منهم ولا غرو أن يبقى هذا المفهوم سائداً في الأفكار ما دام كل شيء يقاس بالمادة ويوزن بوزنها ويصار إلى صحيحها وخطئها وارتفاعها وهبوطها بما يكون للعمل من تقدير ونتيجة تقدر بالثمن الموضوع أجراً له.
فاحتياجنا لضرورات الحياة وصيرورتها بالاكتساب المادي وجعل هذا الاكتساب أمراً مرهوناً بالقدرة على توفيره أدى إلى الانشغال إلى ما وجب بما كان يجب أن نجده مهيئاً ومعداً لنا، ولقد أعددت لنفسي فراغاً للقراءة والكتابة والملاحظة والتأمل غير أني رأيت أن الفراغ الموجود قد تهيأ لي في هدأة من الليل أثناء السكون التام وفي جو من الاكتفاء الذاتي للقيام بهذه القراءة والكتابة.
فالطبيب الذي أتيح له من العلم والمعرفة ما يجعله يطالع في كتب الطب وهو على مزيد من الشوق لها لا يمكنه الاستمرار في هذه المطالعة وهو على نوع من القلق يهدد اطمئنانه فتراه وهو في جو البحث والعلم يفتقر إلى صدق المريض في وصف دائه وإلى صدق نفسه في وصف الداء فلا يطلب من المريض إعطاءه للدواء ألا بمقدار ما تسمح له نفس الطبيب من القناعة بوجود المرض أو عدمه وقدرة المريض على استحصاله ثمن العلاج بالشكل الذي يستغني عنه لينتقي له نفس العلاج بالشكل المتوفر له بثمن بسيط.
والمحامي رجل القانون قد أتيح له أيضاً من المعرفة والعلم ما يحقق الإنصاف والعدالة لموكله في الدفاع عن قضيته وذلك بعد الاقتناع شخصياً بالظلم اللاحق به ليقف أمام القانون ويطلب البراءة والتبرئة لمن جعله مدافعاً عنه حتى يربح الدعوى المقامة له أو عليه وبعد الانتهاء والحصول على النتيجة المرضية يرى أن أتعابه لا تعادل الأجرة التي يعينها له موكله بالاتفاق فيرغب بالزيادة لعلمه بقدرة موكله على الدفع أو ولا يرغب بالنقص لعلمه بعجز موكله عن جمع هذا الاستحقاق.
لذلك كان لا بد لي من الكذب على الصغار لأقول لهم إني أتناول أجرة أتعابي عما أكتب ومعللاً بذلك فائدة انصرافي إلى هذه المهمة الشاقة. وكذبت على الكبار أيضاً لأقول إني أتناول أجرة عن كتاباتي معللاً بذلك قيمة هذه الكلمة من الأهمية لأنهم يقيسون كل عظيم ومفيد لي يتقاضاه الإنسان من أتعابه. وإني في كذبي أفتح صفحة من مفاهيم لأسد صفحة أخرى من المفاهيم الجديدة التي تقوم على الواجب والرضا ولو كانت بدون مقابل أو ثمن.
فيا أخي الإنسان ما أحوجك إلى الاكتفاء بضرورات الحياة حتى لا تشغلك المادة عن الواجب وحتى لا تفكر مرة أخرى بقبض الثمن لقاء القيام به وأخيراً حتى لا تدعوني إلى مسايرة عقلك ومفهومك وبذلك قد حملت نفسي فوق طاقتها لتقول لي قبضت الثمن فأدى حق العمل ولو كان لا يرعى ضميراً وإخلاصاً وأمان.

لقاء وإلى لقاء

جميل أن يتلاقى المعلمون في حفلة تكريم أقيمت لبعض الزملاء في نادي النقابة لإحالتهم على المعاش وهي مناسبة جميلة للقائهم على المودة والمحبة وهي أيضاً فرصة حسنة للاستمتاع بالنسيم العذب الذي ينبعث من حديقة النادي ليملأ الجو رغبة في التردد إليها والتعرف عن كثب على بعض المعلمين المستديمين الذين لا ينقطعون عن قضاء فراغهم في ساحتها وبين جدرانها.
وقد ألقيت فيه الكلمات التي تعبر عن فضل المعلم في حمل مشعل النور ليستضيء به أبناؤه وإخوانه من بني أمته ووطنه، وليس لي إلا أن أستمع لأقوال المعلمين المحتفى بهم الذين بلغ عددهم ثلاثة ومن بينهم معلمة واحدة دفعتها الرغبة للتعبير عما يخالجها من مشاعر تجاه هذا التكريم وهذه الحفاوة وقد كانت كلمة المحتفى بهم يلقيها بالذات أكبرهم سناً ولكنه في الواقع أشدهم قوة وعزماً على ما يبدو من ملامح هيئته ونبرات صوته التي كانت تدوي في الآذان فتفعل في قوة التأثير فعل الشباب في الحماس والنشاط.
وقد كانت كلمة رئيس النقابة مؤثرة لأنها تعبر عن حاجة اللقاء بكل معلم والاستماع إلى مطلبه والعمل معه على البناء والتعزيز، وقد استعرض مفتش التربية بعض ذكرياته عن أحد المعلمين، الذي آثر قيامه بواجبه في خدمة النشء على راتب محدود بدلاً من أن يتقاضى خمسة أضعافه وهو لا يقوم بأية خدمة وطنية.
ولقد تخلل الحفلة استعراضات فنية موسيقية ورياضية كانت كلها في سبيل جعل هذه الحفلة جميلة جذابة ممتعة وقد قدم مدير التربية باليد جوائز رمزية للمتقاعدين أعدتها إدارة النادي وسجل عليها بعض الكلمات الخالدة وإن أنسى لا أنسى تلك اللعبة التي يفوز بها الرابح بقداحة "رونستون" لقاء اشتراكه بدفع ربع ليرة وقد ألح علىّ الواجب فكتبت كلمة عن المتقاعد وهيأتها للإلقاء أو النشر وإن حالت الظروف دون إلقائها فلسوف أبعثها للنشر للاضطلاع عليها.
وليس لي أخيراً أن أعقب على امتناع مدير التربية السابق عن تسليم الجائزة للمتفوقة في اللعبة الرياضية بناء على طلب مدير النادي والتكليف بها لغيره وقد انتهت الحفلة بأغنية من أحد الفنانين من نادي الألحان كان لصوته العذب اكبر الإصغاء وبانتهائها انتهت الحفلة على أمل اللقاء بكل معلم والتكريم لكل متقاعد.

أخذت بيده

أخذت بيده وشفقت عليه قبل أن أشفق على نفسي وما عانيته لا يعادل جزءاً مما عاناه لأنه موظف يتطلب منه الدقة في العمل والسهولة في التصرف والسرعة في الإنجاز وما كنت إلا واحداً ممن شاهده في هذا الارتباك وهو يصرخ ويهدد ويمسك بالتلفون ويتركه ليريحه ويريح نفسه من كثرة ما دعا ليستنجد ولكثرة ما أهمل ولم يلب لطلبه ومن يدري لعل أحداً لم يجده من المسؤولين من ذلك ومن يدري لعل أحداً لم تكن له صلاحية الاستدعاء فلم يبت في الأمر.
ذكرتني هذه القسوة بقسوة أخرى من ثلاثة أعوام سبقت أو أكثر من موظفة لا موظف وفي نوع آخر من توزيع المواد التموينية وهي "السمنة لا الرز" فكيف زالت هذه القسوة بحكمة التصرف وضبط الأمور وعدم الحاجة إلى الغبن أوالظلم بأحدهم ممن يستدعي التقدم لا التأخير والإسراع لا البطء. ليس الموظف بأقل خبرة من الموظفة وليست الموظفة بأكثر إخلاصاً من الموظف وإنما كل الأمر أنه يعتمد على نفسه ولا يجعل لرفيقه أو رفيقته رأياً أو إصغاءً أو عوناً له ليهديه ويستهدي بهديه أو هديها.
لقد جعلت هذه الجموع من المستهلكين يخضعون لنظام التسجيل بالأرقام وتترك التسجيل لمن زاد رقمه على المئة ثم تعطيه ورقة إشارة إلى أن دوره قد جاء فينادى باسمه إذا لم يتقدم ويظل اسمه معلقاً حتى آخر قراءة الأسماء وكتابة الطلبات، ثم يعاد قراءة الاسم مرة ثانية وبهذه الطريقة تعود له الفرصة إذا ضاعت منه في المرة الأولى.
لقد آلمني كثيراً منظر الارتباك لهذا الموظف وكما كنت داعياً إلى زوال الحيرة والقلق من نفسي كذلك كنت داعياً إلى زوال القلق لهذا الجمهور المستعظم من المستهلكين.
أما كيف أستطيع القيام بهذه المهمة وقد أخذني الألم مأخذه فتجمدت في مكاني متضايقاً لا أستطيع التحرك وبقيت عيوني معلقة بهذا الموظف الذي أدار رأسه ولم يسمع ما يعلق بأدلة من الكلام الصحيح ولكن ما أدار رأسه للذي كان صوته يرتفع مجلجلاً وكانت رباطة جأشه لا تأخذه بهذا الإهمال الصريح الواضح.
إنه سبع ولكن كيف له ذلك وهو لا يقدر أنه ينجد ويستنجد إنه الآن ليست له هذه الصفات الكريمة فلينتظر الوقت ليؤدي ما عليه بذمته للآخرين وما الوقت الذي يدوم طويلاً أو قصيراً إلا أن يهمس في أذن الموظف ويقول لست إلا معك في حبك للنظام والخدمة في العمل غير أن صاحب الحاجة أرعن فخذ بالشفقة عليه وهذه الشفقة هي بتنظيمه إذا فقد النظام وهي أيضاً بإرشاده إلى وصوله بالحق الذي ينشده.
يسعدني أن أذكركم بهذه المناسبة "عيد العمال" داعياً الله متمنياً أن ترفرف السعادة على ربوع البلاد وأبنائه.

وأخذ منه المبادرة

قال لي أستاذ عائد من باريس جواباً بالسؤال عما لفت نظره واستدعى انتباهه وترك في نفسه طابعاً قوياً حبّذا لو ضحينا و أعملنا التفكير لكان بإمكاننا أن نتدبر ما يراه كل منا وما يشعره في سبيل مصلحة عامة و تخفيفاً للعبء الذي يحمله بعضهم دون وجود التعاون والمساواة.
إن أي إنجاز عظيم لمشروع مقام هو من صنع محلي درسه وخطط لتنفيذه أيادٍ بناءة من ذات النفوس التي آلمها حاجتها للتنظيم فأقاموها بجهد عمالهم ومهرة فنانيهم وعطاء أغنيائهم وما عليهم إلا أن يتعهدوا للإدارة المحلية بالتعويض عن الضرر الذي يحدث للأفراد والذوق العام الذي لا يتناسب مع الحس السليم والجمال المنشود.
قلت ثم ماذا قال لو ارتكب أحدهم خطأ بحق غيرهم ذنباً صغيراً لأسرع إليه وتقدم بالاعتذار ألف مرة وتمنى لو لم يغادر المكان إلا ويسمع كلمة الصفح والعفو تخرج من القلب والفم ولو أدى به إلى الوقف والانتظار.
قلت إني في العام الماضي وفي كل عام أرى ازدحاماً لا مبرر له على مستودع الكتب ولقد علقت على الواجهة "الأمر الوزاري" القاضي بعدم البيع الإفرادي وإن التوزيع يكون عن طريق المدارس وإن إتاحة الفرص لشراء الكتب للطلاب الأحرار هي معطاة بعد شهر ونصف أي بعد استكمال المدارس حاجتها.
قلت إنه لا مبرر له إن العبء على مستودع الكتب يتحمله موظف مسؤول يعاونه اثنان ولا يستطيع مهما كان قادراً وقوياً أن يرد الجواب وهو يحسب ويعد ويصفف لمجموعة الأسئلة والطلبات. ولقد يجد المراجع جوابه في الإعلان الملصق ولقد يجد الموظف صبره على المضايقات التي مبعثها فقط اختراق النظام وتلبية الحاجة للأفراد الذين جاءوا آخراً وكان قد سبقهم من هو أولى بالطلب.
ولقد يجد المراجع عدم تحقيق حاجته خروجاً عن إرادة الموظف لامتناعه واستمساكه بالقول مما يحدو بالمستعظم لكرامتة أن يجدها تحدياً لشخصيته فما على الموظف فوق عمله وأهمية مسئوليته إلا أن يخرج عن النظام ويرضي الطلبات التي يمكن تأجيلها أو ردها لأنها لا تتعلق بنظام التوزيع وقرار الوزارة قلت لو أعملنا الفكر قليلاً والتضحية لسهل الأمر من قبل ومن بعد.
إن من بين المراجعين من يكون قادراً فيستغني عن غرفة في بيته وداره ومنهم من يكون فارغاً فيوظف نفسه لهذا العمل وما على الإدارة المحلية بعد أن وجدت المكان المناسب والشخص المناسب إلا أن تتعهد بتأمين الكتب المطلوبة ليصار إلى تخفيف الازدحام وتوزيع العمل فلا يحدث اصطدام واهتزاز في القلوب والعقول والنفوس وأخيراً في المصلحة.
قال لي لك ما ترتأي ولقد أجري التنقل والتوزيع إلى مكان آخر خصص لجانب من العمل وبذلك يسود الهدوء والطمأنينة قلت إنه جميل وأجمل منه لو بدا ما كان مضايقاً لأحدهم ممن وجد في نفسه التضحية والمحبة وحسن التفكير أن يصنع ذلك فيكون من عمل شعبي وسواعد شابة قادرة على العطاء حينما يكون العطاء مستعصياً.
أما إذا جاء متأخراً ومن الإدارة المحلية فهذا ما يعوزنا التنبيه عنه وبذلك يكون الأستاذ العائد من باريس غير متأثر مما انطبع بذاكرته بأن ذلك أمر طبيعي يجده في مجتمعه الذي يعيش فيه ولا يرى نفسه محروماً من تلك الميزات وهي اللجوء إلى توسيع الفكر وبذل التضحية والمعونة والشعور بالإخاء العام.
أما الطلب الثاني فهو الاعتراف بالذنب وطلب السماح والعفو من المتضرر فهو يبدأ من نفس المخطأ وينتهي إليها، فإذا كان الشعور قوياً فإن الألم الصادر عن الوقوع في الخطأ يدفع صاحبه إلى لوم نفسه على السرعة وعدم التأني على النقلة، وعدم اليقظة على الاستهتار وعدم الحرص، وبذلك لا تقر نفس الخاطئ والمذنب وتطيب نفسه بعد الصفح والعفو الذي يكون بملء إرادته وقلبه الذي يجد الاعتذار أوقع من الذنب فإن العفو والصفح عنه هو في إعطاء الحق له ومنع الاعتراض على كل ما سبب له من سوء أو حرج.

ضائقة الحاجات المعيشية

ضائقة الحاجات المعيشية هل تأتي من توافر الهجرة إلى المدينة للتعليم والعمل والحياة الهينة أم من عدم مشاركة أهل المدينة لسكان الريف في مشاعرهم وحبهم للمساواة في الحقوق والواجبات أم من ازدياد عدد السكان فلم تعد تكفي الأرض في استغلالها لملء الأفواه التي تتقن الكلام وليس لها من العمل في جهد اليد العاملة أو الفكر المبدع الخلاق.
فإذا كان سكان المدينة قد انشغلوا بالترهات من الحياة فإن سكان القرية الذين عرفوا الاستفادة من الطبيعة في تقوية أجسامهم ومن العمل في قسوة أطباعهم ومن الفردية في الاعتماد على أنفسهم في الحماية من ظلم الليالي فإن ذلك كله جعلهم يعرفون قيمة العلم كما عرفوا قيمة العمل وقيمة الاستغناء ما أمكن عن هوى النفس والانصراف إلى الضروريات.
فهل المدينة فتحت لهم أبوابها وأعطتهم من المدارس ما يستحقون ومن المصانع ما يدر عليهم أبواب الرزق، وأمتعتهم بالماء النقي والكهرباء حتى لا يجدوا فرقاً بين موطنهم الأصلي والمدينة، إذن لاستظرفت ذكاءهم واستجذبتهم أشعرتهم انه ليس من الضرورة أن يقيموا البنيان في المدينة مسكنا لهم لسد حاجة أطفالهم للتعليم ولسد الثغرات التي تنقصهم في العيش عن إخوانهم أهل المدينة.
إذا تساوى اثنان واحد من القرية وآخر من المدينة في نفس العطاءات وكان للأول ذات المكتسبات التي للثاني فلا تشك أن الطبيعة الجميلة قد منحت ما لم تمنح ابن المدينة للشعور بجمالها إن كان في الزراعة للإنتاج أو في الجهد العضلي للحصول على الغذاء بما يتطلبه من الوقت والصبر على المشاق.
لم تعد القرية كما كانت سابقاً لا يوجد فيها من يعلم أو يتعلم، ولم تعد القرية كما كانت سابقاً يخيم عليها الجهل فلا تفهم بحقها في الحرية والحياة والظلم كل الظلم قد وقع على الأرض التي تتطلب المزيد من الجهد لازدياد العطاء وتوفير الغذاء للعدد المتكاثر من السكان، والأرض إذا ظلمت فقد تعد لظلم أكبر! فظلم الأرض هو تركها لا تحيا وتعيش وبالتالي يشعر صاحبها بنقص في الموارد والإنتاج.
فإذا كانت الكثرة المتكاثرة قد نهجت نفس النهج حباً بالتعلم والإقبال على العمل في المدينة فإن الجهود المبذولة في العمل تعطي موفوراً كاملاً قد أنفذته هوى المدينة ومشاركة أبنائها في الخلود للراحة فإن المتضرر في ذلك هي تلك البطون التي كانت شبعت ولم تتعلم أن تحد من شبعها، وإن المتضرر من ذلك احتياج الأفراد إلى إيجاد مجموعة عمال جدد لأجور مضاعفة يسددون النقص الذي سببه انصراف العمال الأصليين عن تعاطيهم الزارعة.
وإذا كان أهل المدينة يرون في حضارتهم ما يزينون من لباس فلقد قام أهل القرية بالحد الأدنى من هذه الحضارة وبذلك يجب أن يستوفوا حقهم من الثمن في تقديم الغذاء نتيجة جهد الإنسان وإنتاج الأرض. أما الخسارة فهي تقع على الذي يعوزه المال لعدم العمل أو الذي يعوزه العمل لاقتناء المال ففي المال وفي العمل تغلب على الحاجات الضرورية للحصول على العيش الأفضل.

مبروك وألف مبروك

مبروك وألف مبروك بعد أن حضر زوجك من غياب دام شهراً كاملاً، ومبروك وألف مبروك بعد أن عاد من غياب ثان في القرية ليصفي حساباته في المكان الذي انقطع عن حضوره ولم يعد له حاجة في البقاء فيه، ومبروك وألف مبروك عودتك إلى العمل بعد أن استكملت كافة البيانات المطلوبة والتي أخذت وقتاً ليس بالقصير. الحضور موجود فهل يكفي ذلك دون تأمين البيت للسكن وتجهيزه بالأساس الضروري لفرشه، إن ذلك تم على مراحل لو أنه بقيت حاجات لم تستكمل بعد وهي في طريقها إلى التجهيز.
مبروك وألف مبروك حيث أنت في دمشق تقيمين موظفة مع زوجك وأولادك الذين اختارهم الله لك على غاية من الجمال والذكاء والصحة تتمتعين برؤيتهم صباح مساء ولا يخفى ما لغياب أحدهما عنك من القلق والحزن العميق ما أثار الدهشة والاستغراب من الجميع، فالحق كل الحق أن يتغيب الطفل الرضيع عن أمه شهوراً بين أحضان عشاقه من الأهل ثم تستنكرين رعايته واغترابه ولا تعود إليك الهمة من بعيد أو قريب إلا بعد أن رأيته رؤية العين المجردة وقد كنت أنكرت كل قول خالطك الشك في صحته ولا استجبت لنداء أحد مما أكد لك أن الولد بخير ولا يبقى إلا أن تكونين أنت بخير أيضاً.
مبروك وألف مبروك إن جهودك في الاغتراب والصبر على البعاد جاء مثمراً وقد تحققه هذه الأماني فقد تعين لك حقاً من الحقوق التي كان الشك يساورك به وانضمت أسهم لك مع أسهم لزوجك في الملكية التي آلت إليكما بعدما ذرفتما الدموع والآلام صبراً على المشقات والكد الطويل.
مبروك وألف مبروك إني أهنئك بما آل إليه الحال من التفاهم وحسن الطوية بينكما، صحيح أن الخطوة الأولى هي صعبة غير أنها إذا ما تقدم الإنسان وخطاها فإن الخطوات اللاحقة تصبح سهلة يسيرة، وإذا بدت فيها الصعوبات فهذا يعني أن الخطوة الأولى لم تستكمل بعد.
إن حقك في الشكوى واضح أما الغموض الذي يكتنف عملك في الشكوى فهو واضح أيضاً ووضوحه لا يجيء من مطلب يريده لنفسه وإنما يجيء من مطلب يريد لك لتستكملي قوة الإرادة التي فقدتها يوم غاب طفلك عنك لوقت محدد ولم يعد لوجود أحد في البيت معنى غير معنى البكاء والألم على الراحل العائد، والعائد الذي تتجدد رحلته مع تقدم الأيام والسنين حسبما تقتضي الظروف. والشكوى الحقيقية التي أكتبها هو أن الحاضر الجميل يجب أن تتمتعي به بعيداً عن غياب أي حضور وهذا يتطلب مرونة وقدرة على انصهار النفس مع الواقع.
أضع هذه الشكوى مستقلة بك ولا يشترك بها زوجك، لقد بدا لي أنه يجب أن أصنع ما صنعه زوجك يوم وجد أن الكلام يجب توقفه وأن الحديث إدراكه سواء في ذلك ما خرج من نفسك أو من نفسه. مبروك وألف مبروك من إتمام كل ذلك بصورة تدريجية إلى أن يعود للكلام حسن نواياه وحسن استماعه فيما ينظر بعده.

حفرة في الشارع

حفرة في الشارع العام حفرتها الأمطار أو يد البشر الذين كان منهم المتعهد الذي انتقص من حق العمل المتقن فلم يقم بواجبه أثناء العمل، حفرة في الشارع العام شارع حماه ملأتها الأمطار وأوقعت راكب الدراجة الذي لم ينتبه إلى ما كانت تسوقه الأقدار من شرها فارتمى على رأس عمود من الحديد كان أيضاً منتصباً لغاية نبيلة غير أنه لم يستكمل العمل فيه حيث من المقرر أن تنتصب سلاسل حديدية ترتبط الواحدة بالأخرى وذلك للحد من العبث الذي يصيب الأطفال في الانتقال من طرف إلى آخر.
حفرة لم تكن موجودة من قبل ولم يكن يدري بها من تجاوزها ليظل مستمراً في سيره غير أنها حفرة لا كالحفر حيث أنها ليست مرئية بوضوح ومن يدري لعل زحمة السيارات وعبورها هي التي أجبرته أن يدخل إلى قلبها فتقلب الدراجة وراكبها وتقذفه إلى هذا المصير الذي ذهب بإحدى عينيه وانطرح مغشياً عليه لا يدري ماذا أصابه.
حفرة لو أنها لم تفعل بهذا الشاب هكذا فهل تفعل بغيره وبشر مستطير أعظم؟ فإذا كان الوقوع هو الجهل بها فإن الوقوع بالعلم فيها وهو مجبر على ترك الطريق حراً لسيارة عابرة مسرعة. حفرة شرها لا يعادل ردمها من حيث النتيجة فإذا كانت في موقع الحياد فبالإمكان التمهل بتسويتها أما إذا كانت في موقع لا يغفل البصر عن رؤيتها فهي الشر الذي إن جابهته بالشر ليس لك مفلت منه وإن جابهته بالخير كان ذلك هو الألم الذي يحز في النفس وماذا يعني الخير؟ إلا أن ترى الألم ولا تستطيع اجتنابه وترى السرور ولا تستطيع إدراكه.
حفرة إن أوقعت بالشر المستطار في غفلة مجهولة لهذا الشاب فلربما توقع بآخر وآخر وهو في يقظة تامة. إن الأسى ليحز في النفس أن تكون هذه الحفرة سبباً لفقدان إحدى العينين من الوجه مع زوال الرؤية فيها فلم يعد الوجه مكتملاً كما خلقه الله ولم تعد القيمة الجمالية له كما أرادتها الأمطار أو الإهمال في اتقان العمل لتسوية الشارع من الرصيف بالحجارة والتعبيد بالزفت.
ولعل عقل المتعهد في حاضرة المأساة فيسمع ويتذكر أن الخطأ الصغير يولده خطأ أكبر وإن ما يتعوض بالمال لا يعوض بإعادة العين إلى ما كانت عليه قبل أن تحل بها المصيبة، ومن المحزن أن هذا الشاب فقير ووالده لم تمض على وفاته إلا بضعة أشهر فتضاعفت المصيبة وأطبق الحزن.
4 / 2 / 88

تطوير التعليم التفاتة كريمة

لا أقول شيئاً جديداً و السير إلى تطوير التعليم بجميع مراحله آخذ في الدراسة الشاملة ليتناسب مع التنمية، لا أقول شيئاً جديداً إلا أنني وجدت أن التقدم و التطور التقني والواقع الاجتماعي للقطر حث إلى الالتفات بجدية واستكمال الدراسات لتعديل المناهج وفق تطور سوريا الحديثة.
وأعتقد أنني كنت إحدى ضحايا هذه البرامج السابقة التي عنت بالقراءات النظرية وجعلت للذاكرة المدار الأول للنجاح بغض النظر عما تسببه ضعفها أو انشغالها بالتدقيق والتمحيص لما لم يكن واقعياً في حياة بعض الطلاب و يراد تلقينهم عن ظهر القلب دون الأخذ برسوخ الحفظ عن طريق المناقشة أو المحاكمة أو التعليل ولأضرب مثلاً على ذلك فأقول:
كنت وأنا صغير أقرأ التاريخ كمادة درسية للنجاح فأقول أولاً كنت لا أحتمل متابعة القراءة مما يدور في المعركة من قتال مات فيها العشرات و المئات و جرح مثل هذا العدد أو أكثر أو أقل، و هذا يعني أن للأحداث التاريخية وما تسببه من مشاعر الانتصار أو الفشل للقارئ لا يحتمل متابعتها مع هذا التأثير في نفسه إلا إذا كان الأمر يقتصر فقط على الذاكرة دون ازدياد العامل للشعور.
فإذا أخذنا على القارئ عدم متابعته و فهمه للنتائج بدليل المقدمات ليمحو من مشاعره هذا الانقباض الذي يحول بينه و بين القراءة فهذا لا يعني عدم حبه للتاريخ و إنما الإنسان الذي يريد أن يتمكن من التاريخ بمتابعته للقراءة يجب أن يستلهم معاني الخلاف والشقاق بين الأفراد و الدول وما يؤدي هذا التنابذ و تضارب المصالح من هجوم في القتال يعلنها القوي حرباً على الضعيف. كما يجب على القارئ ألا يشغل بحاضره في الحاجات الضرورية لتوزع انتباهه و فهمه و ذاكرته عما يحيط بالموضوع من ضرورات للتثبت والتمكن من حساب القياسات للأبعاد التي تدور عليها الأبحاث و المفاوضات بين المتجاورين من الأمم و المتضاربة مصالحهم.
إذن فلنعد هذا الإنسان أولاً لإعطائه القدرة على احتمال مثل هذه الصدمات كما نعد المادة التي يتطلبها الحفظ أن تكون أكثر جدوى و قرباً إلى واقعه الذي يعيش فيه فلا الحاضر القاسي في حياته ليقربه من الماضي الذي يعده للمستقبل الجيد. فإذا أخذنا مثلاً عن التاريخ فإننا نعني بذلك أسلوب التعايش مع الآخرين لجعل طريق التفاهم و السياسة أكثر سهولة و يسراً وذلك لتحقيق التعاون بالنسبة للفرد مع أسرته أولاً و مع أساتذته ثانياً ثم مع المحيط الذي يعيش فيه.
فإذا كان الأمر من الصعوبة بمكان بحيث لا نراعي إلا ترقيق الجانب العاطفي في الطفل خوفاً عليه من قسوة الطبيعة و من مجابهة ظلم الإنسان للإنسان فإن واقع الحياة ستربكه فيما بعد فلا الطبيعة لتعرف اللين ولا الإنسان ليعرف الإنصاف والرحمة، فالذاكرة مع الإحساس هما يصنعان الإدراك الذي هو كفيل أن لا يقوم بينه وبين المادة التي يقرؤها في التاريخ أية صعوبة فما بالك إذا كانت الكتابة فيه لا تستند إلى منطق صحيح وأسلوب سليم واختصار في طريقة العرض.
إذن إذا تعددت قرّاء التاريخ وحفظتها ولم نجد منهم من يستطيع أخذ العبر واستطلاع النتائج من المقدمة فهذا يعني عدم اهتمامنا بالقارئ الذي هو الإنسان فلنجعله أقوى فهماً وحساً ومحاكمة ولنجعل التطور التقني والواقع الاجتماعي للقطر حث إلى الالتفات بجدية واستكمال الدراسات لتعديل المناهج وفق تطور سوريا الحديثة. مادته أكثر تسخيراً للفهم بما يتطلب منه واقعه وحياة أمته ونهضة بلاده، ومن قراءة التاريخ ننطلق إلى الشخصية القوية التي يتطلبها الوطن فلا تنسى ما للحياة من قيمة إذا لم يتوفر فيهما التضحية والشجاعة وحب الوطن واحترام الإنسان لحقوق أخيه.

أحب كثيراً حرف النداء

أحب كثيراً حرف النداء والاستفهام حتى أصبح ذلك مني شيئاً مضمراً لم أكتشفه إلا بعد حين وفي لحظة خاصة عندما بدأ جهاز التلفزيون يذيع هذه الكلمات "يا محمد هل تسمعني، كيف حالك، ماذا ترى".
ولعلي بهذه النداءات كنت سعيداً أنجذب للموضوع والمضمون الذي يعبر عن الآفاق البعيدة عما يؤديه الصوت من صدى يستحق الاهتمام لما في ذلك من العجب العجاب بعدما تقدمت العلوم لإيصال النبرات والاهتزازات بواسطة الموجات الكهرطيسية لإيجاد التفاهم بين اثنين يتكلمان ليسمع الواحد منهما الآخر.
لقد شعرت عندها بالحنين الذي لا يوصف وكنت أطير من الشوق للإفاضة بهذه النداءات وما لبثت أن سجلت هذه الكلمات وبدأت أكررها على مسامعي وأفتح التلفاز مرة أخرى لإعادة الاستماع إلى هذه النغمات الجذابة المؤثرة.
وكما هزني الطرب لهذا النداء كذلك هزني الحنين إلى صيغة الاستفهام التي تلت وهي: "كيف حالك" وما هدأت إلا بعد أن راعني الجواب على هذا الاستفهام "إنني بخير وبصحة جيدة" وهناك كلمات أخرى تقع في نفسي موقع الإجلال والاحترام ومثل هذه الكلمات "المسؤولية، سماء بلادي وجبالها وأنهارها وسهولها، ولعل هذه الكلمات تزداد جمالاً عندما يحزم الأمر ويكون الوقت في غاية الحرج، وبين لحظات الكلام يضيع المكان لينتقل بك إلى مدار آخر في أفق آخر وفي عالم آخر.
وبقيت هذه المشاعر تتجمد حتى وصلت إلى نقاط استفهام لا يمكن فهمها تماماً بالنسبة لي إلا بعد أن أشاهد بالعين المجردة قدرة هذه الأجهزة للاستفادة منها في فهم التربة وطبقات الأرض وهي تسبر هذه الأغوار وذلك من على مكان مرتفع جداً وفي سرعة كبيرة. ولعل الاستفهام الأخير الذي أكرره دائماً ولا أحب أن يغيب عني مطلقاً لما بين الاثنين من رابطة قوية وهي القول والسمع، فإذا لم تقل شيئاً فعذره أنه لم يسمع ما يجول في خاطرك أما إذا عبرت عما في نفسك في القول فعندها تجد السؤال أو الجواب الوحيد وهو: "هل تسمعني".

طال واستعظم حتى استخف

كنت في مجتمع لبعض الأسر الغنية وكان الحوار يدور بين أفرادها حول موضوع جليل الشأن كثيراً ما يستهين به القوي المقتدر معتمداً على ماله حيناً وعلى نفوذه حيناً آخر مستفيداً من ضعف بعض النفوس لاستمالتها إلى المال والأخذ بأسباب التهيب لدى الغني المسيطر.
قال الشاب الغني الذي ضايقه عدم الانتفاع من التعرفة المخفضة للطالب وآسفه أن لا يحصل على الهوية التي تجيز له هذا الوفر القليل من المال: تراني أحمل الهوية بأي ثمن كان ولقد حملتها فيما مضى بأسباب متنوعة فقد أتمكن من اقتنائها لأن الأمر عندي لا يتعلق بالنظام والقاعدة وإنما يتعلق بسعة حيلتي في تدبير الأمور، قلت له الأمر صعب جداً وما حاجتك إلى الهوية وأنت تتكلم بالكماليات وتستمتع إلى المطلوب من فائض الحاجات وفي كل ذلك تعيش حياة لا تعرف الجهد إلا في الإنفاق والاستمتاع بالشهوات.
قال الحياة عندي هي أن نأكل من لذيذ الطعام وتنام بعدها نوماً هنيئاً ممتعاً بالمسرات، قلت إن ما تكسبه في اليوم لا يساعدك على هذه الحياة وإن سعة الرزق في أسرتك هي التي تجعل منك إنساناً يتكلم بالفصاحة وإن الاستماع إليها نوع من التعرف على أمثال هذه العقول التي تبيح لصاحبها أن يزداد شحماً على شحم متذرعة بما تملك وتسود غافلة عن آداب الحديث وصفات المحدث.
هكذا اعتادت وسوف تعتمد على نفسها في المستقبل، فما خيل إليها بالقدرة تجد الحقيقة ماثلة أمام عينها أن الخط سيتوارى يوماً عنها فتخضع لنظام الحياة وواجب الأحياء.
قالت أخته محدثة زائرتها في مثل سنها ولكن ليس في مثل عقلها: اشتريت ثلاث بدلات بما يزيد ثمنها عن ثلاثين بدلة يمكن أن تشتريها رفيقتها بما يقابلها في الأناقة وليس يقابلها في الزخرفة المعروفة من عارض أزيائها المشتهر بالبضاعة الأجنبية.
ما هذا الجمال للثوب الأنيق الذي يشف عما تحته فيرى الناظر بريقاً جذاباً؟!! مبروك وألف مبروك وكنت أنظر بدهشة إلى كلامها عن ارتفاع سعره وسهولة مشتراه من قبل والديها لوفرة المال الذي بين أيديهم.
جلس الأب يشاهد التلفزيون وكأنه لا يسمع ما يدور من حديث الفتاة المماثلة لجليستها في السن وغير مماثلة لها في نوع الحياة والعقلية، وكانت الوالدة تضحك مغتبطة بفرح ابنتها ومتباهية بما أمكنها شراؤه ومستخفة بما لم يتمكن من شراءه مدعية أنه بالإمكان أن يحصل أي إنسان على هذا الثوب الجذاب ولا يكلفه إلا أن يفتح كيسه وينفق.
عاد الشاب الفتى إلى حديثه عن متعه بين ركوب السيارة وحديث النساء واستعراض الأزياء حتى انتهى القول به إلى المهارة التي جعلت منه إنساناً ليعيش عيشاً صحيحاً وجعلت من فاقدها إنساناً لا يعرف كيف يعيش وإنما يستحق الموت، قلت له: ماذا تعمل في اليوم قال أبيع إطارات السيارات وأتعاطى التجارة وقد عرضت علي وظيفة براتب شهري قدره ثلاثمائة ليرة سورية فرفضتها، قلت إنك تاجر وينبغي لك أن تتحدث عن تجارتك وأرباحك، قال إني أخسر في كل مرة أبيع فيها إطاراً قلت إنك جديد في هذه الصنعة ولا بد لك أن تخسر قبل أن تتعلم.
إن والديه على مقربة منه يسمعانه ما يقول فيبشان له وتدوي ضحكاتهما في جو الغرفـة، لقد فرحا كثيراً بشباب ابنهما ونشأته على كثرة الكلام وادعاء المهارة واستعظام نفسه والاستهانة بحقوق الآخرين وفرض المشيئة والإرادة عليهم فرضاً.
لقد هاله الأمر أن لا يكون بين يديه هوية يدخل بها السينما بسعر مخفض ويركب بالباص بسعر مخفض أيضاً، لقد أحب أن يكون طالباً للاستفادة من ميزاته وقد عجز أن يحمل كتابه ويذهب إلى المدرسة ويفوز بالتحصيل.
لقد طال واستعظم حتى توهم أن كل شيء طيع له، فهل كانت الهوية كما يدعي تشترى بالنفوذ والجاه!! وهل كان التوقيع عليها شكلاً كما يؤكد دون أن يجري التحقيق به قبل أن يأخذها ويضعها في جيبه؟
لقد ودعت المجلس وأسفت على الأب لفقد سيطرته على ابنه وعلى الأم لفرحتها بغرور ابنها وعلى البنت التي تركب مركب العظمة وهي بعد طالبة فيزين لها جمال ثوبها أنها أصبحت جميلة فوق ما يزينها علمها وأدبها، وأثناء عودتي إلى البيت وجدت إنساناً فقيراً يركب رجله في السير إلى بيته البعيد وهو لا يمكنه من استئجار سيارة ووجدته فوق ذلك يحمل كيساً مملوءاً يكاد ثقله ينوء بحمله، تقدمت منه وقلت: أعطاك الله العافية ووسع رزقك.

أخي الموظف

لا تنسى أن تذكر واجبك في القيام بالعمل حق القيام سواء على الرضا منك أو الغضب لأنك في الحالتين مسير في مهام عملك يفرضه عليك طبيعة العمل ومراعاة النظام فيه ولذلك ينبغي عليك حفظ حقه من الإتقان والجودة لتكون مبرزاً ومتفوقاً تكسب رضى ضميرك الحر الحي الذي سيؤنبك فيما لو أخللت بحسن تأديته وتقصيرك عن سهره وقد تتعلل ويصح تعللك غير أن هذه العلة لا تزال ضعيفة الحجة ما لم يدعمها العجز التام والقدرة الموهومة في متابعة العمل كأن تكون جديداً في عملك، بحيث تشغله لأول مرة وليس لك عهد سابق به.
وهنا فإنك خلقت لعمل غير عملك الذي تتعاطاه وتكسب منه حياتك فإما انك مضيع للفرص التي أتاحت لك البقاء في عملك الجدير به فلا تلوم إلا نفسك وإما أن الفرص التي سنحت لك الشروع في عملك دون أن يدري أحد أنك معتد عليه في تعاطيك لها بما يتطلب من كفاءات ومواهب ليست موجودة فيك وقد جربت هذه المواهب فوجدتها موضوعة لغير مهنتك التي تقوم بها فاستحققت النزول عنها أو التنازل مرغماً أو بإرادتك وليس عليك بعد ذلك أن تلوم أحداً غير نفسك المقصرة بواجبها في حق القيام بالعمل المعهود والمناط بشخصك.
غير أن الكشف عن هذه الخبرات والمواهب لا يطول الأمد في معرفتها واستجلاء غوامض البحث عن صاحبها لنضعه على مائدة التشريح والفحص فيجلو كل ما كان مبهماً عنه من ظاهره إلى باطنه وبعد ذلك من الصعب البقاء في عمله دون أن يحيد عنه أو يحاد ليبقى شاغلاً لمنصبه الذي لم يعد زحزحته عنه بالأمر السهل الهين لأنه بذلك أصبح معطلاً لعمل جديد آخر لم يمارسه قبل الآن ولم يتكيف به ولا سيما إذا كان قد تقدم بالسن وأصبحت الوظيفة الجديدة حساسة كالتعليم مثلاً في أصوله أو فنونه.
إنني آسف كل الأسف لهذه الظاهرة التي ينبغي الانتباه إليها والأخذ بها بعين المصلحة قبل العطف ورغم أنني لا أعرف شيئاً عن الأسباب التي دعت إلى تنحيته من وظيفته التي شغلها وقتاً طويلاً ولكني أقول أن الوظيفة الجديدة التي بدأ بها من جديد تحتاج إلى وقت مثل الوقت الذي صرفه في وظيفته السابقة ليسلك معها سلوكها الحسن ولو كان من الذكاء على جانب عظيم والاستعداد التام لها لكان أقل ما يجب عليه أن يقضيه من الزمن في العمل المستمر الدائب حتى ينتج إنتاجاً حسناً، مثل ربح الزمن مما يتطلبه قانون الاعتياد والتلاؤم والتمرين والتأهيل.
إنه كزميل لي وزميل لأسرة التعليم بأكملها له حق،علي أن أذكره في مثل هذا الخطر المحدق به ولذا أستميح عذراً لزميله المسؤول أن يقبل رجاء المصلحة العامة قبل رجائنا نحن الأخوان من أسرة واحدة في المساعدة والعطف وضمد الجراح وإذا كان هناك ما يدعو إلى هذا التصرف فإنه من الضروري إلى أن يكون في غير عمل ليبقى التعليم خاصاً لأهله والإدارة خاصة بأهلها.

مطلوب إعارة لا تعيير

في كل عام يعار معلمون من الملاك إلى شركة نفط العراق للقيام بمهمة التعليم وقد خص هؤلاء المعلمون من محافظة حمص. وفي كل عام تقدم الطلبات من المعلمين ممن حازوا على الشروط التي تضعها مديرية التربية حفظاً على الحق والنظام. وفي كل عام يتزاحم المعلمون للفوز بهذا التعيين ليكون الحظ رائدهم لذلك ترد الطلبات إلى المديرية لقبولهم، وفي ابتداء العام يهتم المعلمون كل الاهتمام ولا يعود شغلهم الشاغل إلا التشكيلات ليكون اسمهم من بين الأسماء، وأخيراً في كل عام تطوى صفحة بعض المعلمين لتنشر صفحة البعض الآخر والسعيد السعيد من أوتي خطاً كبيراً ليجني ربحاً يفي له بالعجز الذي قد أصابه من قبل أو بالربح الذي يجعله ينشئ ويؤسس من بعد العدم.
وجدير بالذكر ما كان قد وضع من شروط لقبول الطلبات تتفق والعدالة في هذا التعيين، وقد استوفى بعضهم جميع الشروط ومع ذلك منوا بالفشل، ولقد لفت نظري أن بعضهم الآخر لم يستوف هذه الشروط ومع ذلك فقد ورد اسمهم من بين هذه التشكيلات. يا سبحان الله إننا ننادي بالعدالة والحق وننصب أناساً لإحقاقها والدفاع عنها ومع ذلك نقع في الابتعاد عنها. إننا نضع القوانين والتشريعات لإقامة حكم عادل في أرضنا فنعين قضاة نزيهين ويتولى محامون أكفاء ليصلوا ما انقطع ويقووا ما تفكك وليجعلوا المواطن أميناً على حقه ومنادياً بقوة القانون في حماية الأفراد من الظلم وهضم الحقوق.
لقد كان هناك صلة بين الحاكم والدفاع في حل المشكلات بين المتنازعين هو وجود التحكيم ولجنة التحكيم، ولقد اختيرت هذه اللجنة حلاً لهذا الخلاف حتى تسود العدالة للجميع ولكن على ما يظهر أن هذه اللجنة أخطأت في تقديرها لبعض الأفراد وفي تقديرها للبعض الآخر. لقد كان من بين الشروط التي وضعت لقبول هؤلاء المعلمين هو القدم في الوظيف