ولما أيسر
ولما أيسر وفي أيام قليلة سوف يقبض مبلغاً من المال اعتزم أن يشتري ما كان فكر به طويلاً شراءه ولم يتيسر له حصوله بسبب المال الذي أعوزه لدفع الثمن وبسبب القلق الذي انتابه إذا ما توفر المال وتوفرت أسباب صرفه.
ولما مر بجانب بائع السجاد دخل المخزن واستعرض أنواعاً منها وعرف الثمن الذي سوف يدفعه لقاء مشتراته لقطعة جميلة ثم غادر الدكان وفي نيته العودة إليه مرة ثانية ليحمل إلى بيته هديته التي آن له أن يحققها بعد طول التفكير بها. أبصر في طريقه بائع الجوخ فاستوقف عنده يتردد هل يشتري طقماً أو يؤجل الشراء إلى زمن آخر يستوفي به مطلبه القديم والجديد لتعسر الحصول عليه بسبب ضرورات له أخرى يشتريها ويؤمنها لأهله ونفسه.
وبعد الحيرة التي أصابته وجد نفسه لا يستطيع الاندفاع إلى ما ترغبه نفسه وعليه أن يدقق في حسابات الصرف ليوازن بين ما يقبض وما يدفع. ولذا أوقف خطواته عن السير وتنحى جانباً عنه وأسرع في السير لإحساسه العميق بحاجة إلى الطقم كما هو بحاجة إلى قطعة السجاد وعليه أن يتأخر ريثما يحضر الدراهم ويدفع القيمة بتمامها. وما أن وصل إلى البيت حتى كانت له آخر وقفة وقفها عند بائع المواد الغذائية واشترى منه ما استطاع شراؤه.
مرت الأيام وقبض الاستحقاق من الدراهم ولم يفعل شيئاً من هذا ولا ذاك أما السجادة فقد كانت تناديه وهو ينظر إلى صاحبها أنه سيعود إليه بعد أن ينهي عمله الذي ذهب لأجله. وأما الطقم فقد كان يسعى إليه ويرى في ارتدائه زهواً جديداً استبعده قبل أن يحل الزهو بنفسه وقلبه..
وفي غمرة من التفكير جاءه التبليغ بسوقه إلى الخدمة وفي خلال ثلاثة أيام يجب عليه أن يكون مستعداً لتقديم نفسه. تسلم أمر السوق ووضعه في جيبه ثم ذهب إلى البيت. إنه قد أصبح سراباً لأن قنبلة من العدو قذفته فقلبت من فيه ولم تبق أحداً حياً. أما هو فقد انشغل بالجهاد لقتال العدو وأقسم بالثأر لأهله ووطنه.
وها هو يحرز انتصاراً في معاركه واحدة بعد أخرى ولم يكتب له الراحة إلا أن يموت أو يستمر في الجهاد. أما الدراهم التي قبضها فقد صرفت في سبيل أطفاله الذين لم يمهلهم الزمن ليبقي على حياة أمهم معهم فشردهم عنها.
انتهت المهمة التي سافر من أجلها ثم عاد إلى بلده وصمم أن لا يتخذ فيه مقراً دائماً لأنه غير مستقر ولا يقر له قرار إلا أن يزول العدو نهائياً أو هو في أمل الزوال.
وهكذا لم يستطع أن يحصل على السجادة في يوم فقره وفي يوم غناه ولن يحصل عليها لأنه يشعر أنه يجب عليه أن يعود إلى وطنه ويعيد بناءه من جديد ليفرشه بالسجادة التي لا محل لها الآن في وطن اللجوء.