ولما أيسر

ولما أيسر وفي أيام قليلة سوف يقبض مبلغاً من المال اعتزم أن يشتري ما كان فكر به طويلاً شراءه ولم يتيسر له حصوله بسبب المال الذي أعوزه لدفع الثمن وبسبب القلق الذي انتابه إذا ما توفر المال وتوفرت أسباب صرفه.
ولما مر بجانب بائع السجاد دخل المخزن واستعرض أنواعاً منها وعرف الثمن الذي سوف يدفعه لقاء مشتراته لقطعة جميلة ثم غادر الدكان وفي نيته العودة إليه مرة ثانية ليحمل إلى بيته هديته التي آن له أن يحققها بعد طول التفكير بها. أبصر في طريقه بائع الجوخ فاستوقف عنده يتردد هل يشتري طقماً أو يؤجل الشراء إلى زمن آخر يستوفي به مطلبه القديم والجديد لتعسر الحصول عليه بسبب ضرورات له أخرى يشتريها ويؤمنها لأهله ونفسه.
وبعد الحيرة التي أصابته وجد نفسه لا يستطيع الاندفاع إلى ما ترغبه نفسه وعليه أن يدقق في حسابات الصرف ليوازن بين ما يقبض وما يدفع. ولذا أوقف خطواته عن السير وتنحى جانباً عنه وأسرع في السير لإحساسه العميق بحاجة إلى الطقم كما هو بحاجة إلى قطعة السجاد وعليه أن يتأخر ريثما يحضر الدراهم ويدفع القيمة بتمامها. وما أن وصل إلى البيت حتى كانت له آخر وقفة وقفها عند بائع المواد الغذائية واشترى منه ما استطاع شراؤه.
مرت الأيام وقبض الاستحقاق من الدراهم ولم يفعل شيئاً من هذا ولا ذاك أما السجادة فقد كانت تناديه وهو ينظر إلى صاحبها أنه سيعود إليه بعد أن ينهي عمله الذي ذهب لأجله. وأما الطقم فقد كان يسعى إليه ويرى في ارتدائه زهواً جديداً استبعده قبل أن يحل الزهو بنفسه وقلبه..
وفي غمرة من التفكير جاءه التبليغ بسوقه إلى الخدمة وفي خلال ثلاثة أيام يجب عليه أن يكون مستعداً لتقديم نفسه. تسلم أمر السوق ووضعه في جيبه ثم ذهب إلى البيت. إنه قد أصبح سراباً لأن قنبلة من العدو قذفته فقلبت من فيه ولم تبق أحداً حياً. أما هو فقد انشغل بالجهاد لقتال العدو وأقسم بالثأر لأهله ووطنه.
وها هو يحرز انتصاراً في معاركه واحدة بعد أخرى ولم يكتب له الراحة إلا أن يموت أو يستمر في الجهاد. أما الدراهم التي قبضها فقد صرفت في سبيل أطفاله الذين لم يمهلهم الزمن ليبقي على حياة أمهم معهم فشردهم عنها.
انتهت المهمة التي سافر من أجلها ثم عاد إلى بلده وصمم أن لا يتخذ فيه مقراً دائماً لأنه غير مستقر ولا يقر له قرار إلا أن يزول العدو نهائياً أو هو في أمل الزوال.
وهكذا لم يستطع أن يحصل على السجادة في يوم فقره وفي يوم غناه ولن يحصل عليها لأنه يشعر أنه يجب عليه أن يعود إلى وطنه ويعيد بناءه من جديد ليفرشه بالسجادة التي لا محل لها الآن في وطن اللجوء.

واسترق السمع لما يقال

واسترق السمع لما يقال وانتقل من مكانه إلى المكان الذي كان فيه الدفء والعطاء ينبع من أنفاس الأزهار التي تعبق بشذاها جو الغرفة وما أن دخلها حتى تركها بسرعة واجداً معنى للسؤال والطلب. كان استقباله حاراً غير أن شعاع نظره ليتجول في أنحاء المكان ليرى الريحان وعطره غير أن اندفاعه للنظر ووقوفه آملاً تحولاً إلى منفذ يخرج منه ليسد على رفيقه متابعة الطريق في المدخل التائه.
لقد حرك في نفسه كثرة الكلام كما حركت فيها قلته فمال إلى الخطأ كما عاد به الصواب إلى التصحيح فليس المجلس للطرب لكنه للعمل وليس الطرب آتياً من المطرب لكنه من المستمع الذي لا تعرف أذنه النغمة الحلوة فيشدو ويصمت الآخرون لشدوه.
كانت الأزهار والرياحين هي المجموعة البشرية التي بإمكانها أن تفعل شيئاً لو مدت إليها يد العون والمساعدة. إنها لتتمكن من أن تغير الجو المحموم الذي كان يفسده أعداؤها بدعايتهم الكبيرة ضد هدفهم النبيل الذي يتلخص بموضوع التشريد بعد وجود الوطن والعزلة والانفراد بعد مرتع من الأهل والأصحاب. إن أصواتهم قد بحت في الطلب لهذه المعونة من أصدقائهم وإخوانهم الذين لم يصيخوا السمع لهم.
ومرت الأيام وتوالت الأحداث فإذا بها الشرذمة وقد استفحل عداؤها وتجاوز الحد المعقول فلم تعد تقبل بما اغتصبته من قبل ولم تعد تتراجع عما استولت عليه من بعد ـ وإذا الماضي الذي بدأ لطيفاً لم يعد ينفعنا ذكراه ومن الضروري الأخذ بأسباب الحاضر خشية انقطاع الصلة بيننا وبين ما كنا نصبو إليه في ضخامته أو صغره تحديداً للغبن اللاحق.
في الماضي كانت الأزهار تفوح عطراً لأنها تحمل معنى الأمل والرجاء لقد كان المكان الذي وجدت فيه هذه الأزهار لا يصلح لشم عبقها ونسيمها. لقد كان استغلال هذه الأزهار في الجهد المتواصل لتكسب حياتها هو الذي لم يترك لها فراغاً لتعمل كما يجب أن تعمل فمالها الوقت حتى تتكلم أو تكتب وكل وقتها استنفذه جهدها المتواصل في سبيل تأمين العيش لليوم وللغد إذا توفر لها ذلك.
لقد وجدت هذه الأزهار في بلاد بعيدة أجنبية لقد وصلنا منها قسماً لقد أحببناها وأمعنا النظر فيها لكننا كنا نخافها دائماً أن تذبل وما نخاف أن نتركها عطشى دون أن نسقيها لتبقى نضارتها وتمدنا بالطيب والعطر.
قال المهاجر ذلك وهو يأسف لضيق المجال أمامه وأمام إخوانه، فلا يستطيع أن يصل صوته وصوتهم إلى المحافل الكبيرة التي كانت تزخر بالعالم المتنوع ليؤدي الأمانة المترتبة على عاتقه كعربي وجد بين شعب تكاد تختنق به اللغة العربية لولا وجوده " هو وبعض إخوانه " وإن الدائرة لتضيق بهم فيموت واحدأ بعد واحد والجيل الجديد منهم ليس متمسكاً بلغته العربية القوية كوالده.
بالأمس كان الأمر سهلاً ولا بتكلف كبير جهد وبذل طاقة لأنها كانت ستقتصر على الأموال التي تعطينا القوة لمتابعة الجهد في سبيل الواجب.

يا بحر

يا بحر يشكوك من رأى فيك متسعاً كبيراً أكبر من كل ظالم فلعلك تعزيه بجمالك فيشق عبابك وتهوى به إلى القاع حيث تعيده إلى سطحك بعد أن يذوق طعم العذاب ومرارة الألم فيتوب توبة نصوحاً وتأخذ منه العهد أن لا يعود إلى ظلمه السابق وغروره المتعجرف.
يا بحر تشكوك من رأتك متسعاً كبيراً لهمها وأحزانها ورأت في منظرك العذب مفرجاً لها من الآلام التي تحيطها وكما وقف على شاطئك العشاق تداعبهم بأمواجك الفضية كذلك يبعث إليك المتألم بآهاته فلعلك تستجيب لشكواه وهل تسمع الأصوات مع هبوب رياح أمواجك فتحتفظ بذكرى الأنين والصرخة.
يا بحر هل تبتلع كل هذه الصرخات المدوية في سمائك لتبقى على الأحباء صفاء حبهم وودادهم وتبقيه مع الشباب والأمل ومع الحياة والفرحة.
يا بحر أنت سر كبير لا يعرف هذا السر إلا من ركبك وقطع المسافات الكبيرة على سطحك يدافع أمواجك فتنكسر عظمته أمام عظمتك.
يا بحر تقطعت الآمال وأصبحت الأماني ثقيلة على حاملها فمتى تغسل هذه النفس المحزونة لتعود كما بدأت مشبوبة بالرجاء والمحبة.
إن الساعات التي تقضيها تلك النفس التي تريد أن تنسى الماضي ولا تفكر بالمستقبل هي هذه النفس الذي بهرت بجمال منظرك فأرسلت إليك هذا الإعجاب والتقدير واثقة من قدرتك على الخلق من جديد فكأنك إلاَّه تشكي من يشكيك ويجد عندك المصاب البرء والشفاء.
يا بحر أضم صوتي إلى صوتها فكلانا معجب من ترديد أنغامك وكلانا يستنشق نسيمك العليل وكلانا أخيراً يرمقك من قريب أو من بعيد فيدعو نفسه ليظهر من جديد وكأنه خال من كل ماض أو ذكرى.

أبو حنيفة لكن بدون مذهب

أبو حنيفة لكن بدون مذهب، ومعلم بلا تلاميذ، وعامل بغير عدة، فإذا حضر أبو حنيفة قعد القواعد ولم يسعفه الإيمان وإذا حضر المعلم ألقى بالنصيحة والتعليم وطلابه في شغل شاغل عن نصيحته وتعليمه وإذا حضر العامل فيداه جاهزتان للعمل غير أن الأدوات التي بها يتحرك لم يجدها في عمله والمادة التي يصنع بها عمله كانت عزيزة نادرة، فمن أين نحضر لإرشادات المذهب حنيفته وللاستفادة من دروسه معلم المادة التي تخصص بها وللمهارات الفنية اليدان التي أتقنت مهنة العمل لتقوم بصنعها وتجهيزها.
إذن لا بد لأبي حنيفة أن يجد راغبيه وطالبيه قبل وبعد أن يصبح متمذهباً بمذهبه ولا بد للمعلم أن يكون رفيعاً في علمه ليتهافت عليه الطلاب ولا بد للعامل أن يكون محباً لعمله فيرى العمل المطلوب الذي به استغنى والذي به توعد.
أبو حنيفة إذا كان مقعداً فهل تلاميذه يقومون بدور التحرك والانتقال عنه ومن هنا نطمئن إلى حبهم الشديد له وولعهم الدائم بقوله والاستماع إليه، معلمنا ينتظر الدعوة ليقوم بالتعليم فهل تلاميذه أدركوا حاجة معلمهم لهم فلا يتأخرون في إعلان الدعوة له إذا هو نسيهم وإذا هو عف عن القيام بالوظيفة التي خلق لها وعاملنا أحب أن تكون له كرامته عند العمل فصنع وأبدع، والمادة والأدوات اللتان أحرزتا النجاح هما ذوقه المبدع ومهارته الفائقة.
متى كان العظيم يتناول الأضعف بالمفاوضات ليلين ويأخذ برأيه ؟ ومتى كان الأضعف يستبد برأيه إلا لأنه على حق أولاً ولأنه أخذ موقفاً ثابتاً ثانياً ولأنه أخيراً اقتنع اقتناعاً كاملاً أن الحق واسترداده لا يعود لأصحابه إلا بالتضحية والفداء والاستمرار في هذه السياسة حتى يعم الحق من يجهله أو يتناساه أو يعد لنفسه القدرة أنه غالب طالما أن القوة في جانبه وأن الضغط يحول دون إرادة الأضعف بتحقيق أمانيه وهي استرداد الحق والتشهير به في علم الجميع.
إن الفرصة التي بدت على الأضعف تجاه تناول العظيم له بالمحادثة لدى العودة إليه بالمقابلة واستطلاع الرأي ليست إلا إعزازاً بالاستمساك بالحق وليست إلا شعوراً أن النصر آت لابد منه طالما أن التضحية موجودة وأن الفداء للروح هي أعظم ما يدل عليه المتمسك بحقه وأن الخذلان كل الخذلان لمن يقاتل الأعزل إلا من الإيمان والحجارة فقد يبدو أن الاستمرار لا يمكن أن يتم وأن العودة إلى السلام والطمأنينة هي قاعدة من قواعد توطيد أركان المجتمع الذي تقوم عليه الدولة.
إن الإشارة إلى عدم تأييد الحق للجانب الأضعف هو غير وارد في أمة نهضت بفضل قائدها وأقسمت أن تسترجع الحق المسلوب آجلاً أو عاجلاً، إن الذي يقلق العظيم أن طغيانه افتضح حتى من جانب أصدقائه وإن اعتباره الذي يستمسك به للمحافظة على قوته قد يتزعزع إذا ما استمرت المحاولة الباطلة تتكشف للرأي العام منحازاً إلى صديقه أو صديقته التي آمن بها قبل أن يؤمن بالحق العربي.
إن الوجه ليعبر عن الألم كما يعبر عن الفرح فلماذا كل هذه الضغوط والحق واضح أبلج، ولماذا كل هذه الاستنكارات التي تكشفت فيما بعد للأضعف حيث لم يعد يؤمن بالوعود والأقوال ! ولماذا كل هذه الأمور التي تبدو معقدة وإنما هي غاية في البساطة "إعطاء كل ذي حق حقه" إن العجيب في الأمر أن الذي يعترض على تسوية الحق هو واحد ممثل بفئة صغيرة وأن الذي يدعو إلى تسويته هو الكلمة من الجماهير التي تحب أن ترى السلم في ربوع الأرض والحق في ميدان أصحابه.
إن العجيب أن يستبدل الحق بالباطل وأن تكون القناعة به مستمرة فهل يدوم للباطل جولته ولا تأخذ الأمة بالانتفاضة لاسترداد حقها مفتدية بذلك النفس والنفيس. إن شهداء الحق ليسوا أموات، وإن أحياء الباطل ليسوا إلا نصف أحياء في انتظار هذا النصف إما أن يبقى مع أخيه النصف الأول أو يقلع عنه ليبقى طاهراً حراً يستحق الحق والتقديس.

لا ترقى الابتسامة إلى الضحكة

لا ترقى الابتسامة إلى الضحكة إلا إذا كان في الأمر العجب العجاب، ففي ابتسامات متكررة متبادلة بين الأصدقاء تتكون العظة في الصداقة التي فيها معنى التفاهم والتعاون والتعاطف. ففي الرؤساء العظام للدول تعني الابتسامة المطبوعة على الشفاه قبل اللقاء وفي الاستعداد له وحين المواجهة، أنها على أتم الاستعداد للترحيب بالزائر والمستقبل، فبينما الابتسامة الأولى في صدد اللقاء إذا بالابتسامة الثانية والثالثة والرابعة بعد كل اجتماع وفي أثنائه ثابتة لا تتغير بتغير الموقف والمقابلة مؤداة بكل الاحترام والتقدير.
أما بصدد الضحكة فهي تعني أمراً آخر في موقف آخر ومقابلة واحدة لا تتعدى الحديث دون المرافقة والتجول، أما التفسير لهذه الضحكة التي تتبعها ضحكات وفي جانب واحد دون التبادل من الجانب الآخر بنفس الصدى والبشاشة التي تنطبع في الوجهين المتقابلين، هو أنها لقاء يتطلبه أصول المقابلة وفي الذكريات أو في المباحثات التي تدور حول قناعة واحدة لا ترقى إلى قناعة الجانب الثاني.
إن الابتسامة التي ترقى إلى الضحكة ليست هي الضحكات التي تهدأ لتهبط إلى الابتسامة ففي الأولى المتكررة التي يعقبها التأمل والإمعان والانتقال إلى النظر المحدق من الجانب الأقوى والاقتصار في كل موقف على الرضا والابتسامة اختلاف كبير في دلائلها عن الثانية التي نزلت لتصبح بشكلها الظاهر بعد أن ارتفعت لتكون ضحكة مدوية لا يرقى إليها اليقين إلا بعد أن تتعرف على صاحبها الذي غلبت عليه فكرة الضحك قبل الابتسامة ثم عادت إليه بعد أن تموجت لتصبح خافتة.
ولا شك بعد أن علمنا من هو صاحب هذه الابتسامة ومن هو صاحب هذه الضحكة فإننا نجد اختلافاً كبيراً بينهما في مبادئهما ومتطلباتهما فلا عجب أن تمنح الصداقة كل الصداقة لصاحب هذه الابتسامة ونشيد به وبالتعاون معه في حب السلام وتحرر الشعوب. أما صاحب هذه الضحكات التي ينزع إليها الشك فإننا لا نمنحه الصداقة إلا بحذر وذلك بعد أن يتجرد من التحيز لربيته "إسرائيل" وفي نطاق الاعتراف بعودة الأرض المحتلة إلى أصحابها. كانت هذه الابتسامات في اللقاءات التي أعقبت المقابلة التي انبعثت منها الضحكات وكان الزمن بينهما فصولاً لا تتعدى العام. جرى ذلك عند زيارة الرئيس "السابق كارتر" ثم استقبال غوربا تشوف الرئيس الحالي لرئيسنا المناضل.

يقين لا يقطعه الشك

عرفته صغيراً حتى كبر، وما أن شب وتعلم وأصبح ذا مسؤولية حتى استدعاه الموت ليكون شهيداً عزيزاً على أهله حبيباً إلى رفاقه، ترك فراغاً كبيراً لم يملؤه إلا حب الوطن له لأنه كان يعمل بصمت ويدعو إلى العمل بكل قوة لأخيه الذي لم يكن على نحوه من الجدية والالتزام فكان مثالاً للوفاء لأبيه الذي رحل من قبل أن ينهي دراسته ويستلم عمله.
كان مثالاً للرضا والطاعة لوالدته التي ما إن صدقت أنه صار طبيباً بفضل سهرها الدائم وجهدها المتواصل والمتواضع حتى كذبت نفسها أنها أم لكائن حي تعيش بفرحها وزهوها،وما التصديق بهذا الأمر الذي دام بضعة شهور إلا حلماً كذبه اليقين فيما بعد ليعلن عن موته وإذاعة النبأ بين أقرانه وزملائه وليفقد كرسيه في العمل ويبقى مستشفى المواساة بانتظار من يحل محله بعد أن خلا على غير رضا من رؤسائه وأهله.
ذكرياتي معه كثيرة قليلة، حزينة مسرة، فمن هذه الذكريات الحزينة أن وقته لا يتسع إلا للعمل فإذا فرغ منه فإن الدراسة تلح عليه أن يكون مشغولاً وإذا ما انتهت الدراسة فإن الواجب الوطني يدعوه للانضمام إلى الدورات المتتابعة التي تقام خلال العطلة الصيفية وهكذا ينتهي العام ويبدأ عام آخر لا يتسنى لأبنائه أن يروا النور إلا بعد الدأب والكفاح.
إن هذه الذكريات الحزينة ليست لصاحبها إلا دفعاً للتقدم إلى الأمام والنجاح في العمل أما بالنسبة لي فهي تعني شيئاً آخر، إني لم أستطع أن أقدم له العون كما يجب وإن معرفته بالحياة والعمل كانت تدعو لأن يكون ممتناً مشكوراً وهو في كل ذلك يبتسم ولا يجد للصعوبة مكاناً.
كانت كلماته قليلة وهو يعرف جيداً قيمة المال في تيسير أموره عندما كان طالباً وفي العيد الذي كان يعقبه الامتحان الآخير للتخرج أحببت أن يكون التشجيع له ليس بالحث والقول وإنما بما تتطلبه فترة الامتحان من تعويض من بذل الجهود وذلك بمضاعفة المبلغ الذي كان يخصص له في كل عيد.
كنت قريباً له ومع ذلك كان يجد أن الشكر عاجزاً عن الوفاء بالتقدير في مثل ظرف يحتاج به إلى مثل هذه المعونة المتواضعة فكان شكره قبلة يطبعها على الخد ثم يودعني ليلبي حاجة رفاقه من المشاهدة والمقابلة والاصطحاب، وفي كتابه المقدم لنيل شهادة التخرج كانت من الكلمات المهداة كلمة صغيرة لخاله الذي خصه بها وسماها وترك التعميم لباقي أقربائه، وإني إذ أكتب هذه الكلمة بمناسبة ذكرى الأربعين لوفاته التي لم يبق لمرورها إلا بضعة أيام فإنني أدعي لوالدته بمزيد من الصبر والمواساة والله الموفق.
لقد تخرج منذ سنتين بدرجة جيدة وتابع دراسته العليا في مستشفى المواساة ولقد استعد للامتحان في نهاية السنة الثانية لينتقل إلى السنة الأخيرة من دراسته غير أن المنية وافته قبل أن يدخل الامتحان بيومين وكانت وفاته غرقاً في البحر الهائج ولم أصدق الخبر إلا عندما قرأت ورقة النعي للانتقال به إلى مثواه الأخير. لقد كان منتسباً إلى صندوق النقابة ولا أدري ما ذا يترتب عليه من الحقوق لوالدته التي لا تملك شيئاً وتعوزها الحاجة.
كتبت هذه الخاطرة في حينها يوم أن تجلى بافتخار هذا الحدث العلمي الهائل، إلا أني قد توقفت عن تصديرها للقراءة أو النشر لسبب لا أعلمه حتى أنا بنفسي، غير أنني أحببت في هذه الذكرى السابعة عشر للتصحيح أن تكون دليلاً على الأذن الصاغية في كل أمر حتى ولو كان الكلام من الجو إلى الأرض وبالعكس، فكما الأذن كما القلب والعين في حرص تام ولهفة لا توصف لمعرفة مدى التقدم الذي طرأ، ومدى القدرة على الوصول بهذا التقدم إلى وطننا الحبيب.

حب الوطن

حب الوطن دين وعلم وفلسفة، فمحبة الوطن في الدين هو الجهاد التام في سبيل الاستشهاد من دونه للمحافظة عليه جهاداً في الأرواح والأموال والأولاد، ومحبة الوطن في العلم هو اختراع جميع الوسائل الكافية لتكون قوي الجانب مرهوب الكلمة قوة تدافع بها عن نفسك في سبيل الاعتداء عليها ضد القوى الحربية الموجودة لدى عدوك للعمل على إبطال مفعولها في التدمير والأذى إبطالاً بحيث لا تحركه أهواؤه ومطامعه من السيطرة عليك ضمن وسائل تقدمه واجتهاده في الصناعة والفكر والإنتاج.
أما محبة الوطن في الفلسفة فهي التوفيق بين علمك ودينك بحيث تفهم كلاً منهما فهماً صحيحاً فلا يسيطر أحدهما على الآخر سيطرة تنسي حبك للأول وواجبك للثاني بل ينبغي أن تذكر ربك إذا ظفرت بعدوك فلا تقتل أطفالاً وشيوخاً ونساءً ليس لهم من الأمر شيء، وعاملهم معاملة حسنة حتى تشعر عدوك أنك صاحب مبدأ وخلق وهدف. فمن محبة الوطن في الدين يأتي الإيمان الكامل بالموت في سبيل الحياة موتاً تسترخصه كما نادت به شرائع السماء فترحب به لتحيي جيلاً كاملاً يأتي من بعدك إحياءً لتراثه الذي ائتمنت عليه لتحافظ على أصوله وفروعه.
ومن محبة الوطن في العلم يأتي التقدم في العلوم والصناعة فتخترع ما أنت بحاجة إليه وتعمل الفكر دائماً على ازدياد قوتك في الصناعات الحديثة التي تسهل عليك القضاء على كل طامع في دارك ووطنك وثرواتك، ومن محبة الوطن في الفلسفة إيجاد هؤلاء العلماء الأقوياء في مادتهم، الذين يضعون كل شيء في موضعه فلا يجعلون الفارق الكبير بين أخلاق رجال العلم ورجال الدين بحيث ينسب الثاني للأول تهمة النفاق والكذب وتهمة نكران الله في معرفتهم ولا ينسب الأول للثاني فكرة الجمود والتأخر بحيث أنهم تفهموا الدين فهماً صحيحاً أخذوا جوهره وأهملوا ما دس عليه من المبتدعات والضلالات.
وإذا أردنا تحليل هذه المحبة عند رجل الدين ورجل العلم ورجل الفلسفة وجدناها واحدة ولو اختلفت في الشكل. فمحبة الوطن في رجل الدين تنبع من يقينه ببطولة ومجد سلفه من الأنبياء والرجال الصالحين الذين كانت لهم مواقف مأثورة في بطولتهم وقتالهم في الحروب.
أما محبة الوطن في رجل العلم فتستقى من المنافسة والمزاحمة في الاكتشاف والإبداع فينبعث لهذه المنافسة تهيئة جميع وسائلها من التعلم والتقدم حتى تحقق غرضها لأن علمهم وممارستهم لهذا العلم لا يتّسع مجاله إلا في بلادهم وكيف مجاله إذا كان كابوس الذل مهدداً لنتائج علمهم ومستقبله. وأخيراً محبة الوطن في رجل الفلسفة تنبع من تعمقه في حقائق الإنسان في السعادة، لا سعادة للمرء في ظل وطن يجرفه تيار الأهواء فتبقى إرادته معطلة وكرامته مصطنعة وقوته وهمية.
حمص 12/5/68 م.ح

حديقة داري

ليست حديقة داري اليوم كما هي بالأمس، لقد تحول فيها كل شيء حتى ترابها، فبينما كانت بالأمس تعج بالنظرات المصوبات نحوها ترى فيها كل شيء ممتع إذ بها اليوم تتحول عنها كلياً لأنك ترى فيها كل سواد حزين.
لبست الحداد لأنها فقدت شجراتها التي كانت تزهو بها، فأصبحت مقفرة تعبث فيها ذرات الغبار، إن شجراتها التي كبرت وأثمرت وحان قطافها قد أصبحت عصياً تهز الجدران الثابتة المرتكزة لتجعلها تقلق من بعد اطمئنان.
كنت أجلس فيها أمتع النظر بجمالها لأنسى ما كان يزعجني من زحمة التفكير واضطراب النفس، كنت أجلس فيها دون أن أعلم أن مصيرها سيكون على هذا الحال وإن مقاعدها التي كانت من خشب السنديان القوي تتباهى بعظمته أصبحت اليوم من خشب الصفصاف الطري اللين.
كنت أستمع إلى تغريد بلابلها الجميلة فتأتيني نشوة الفرح والابتهاج وأغرق في جو المحبة والحنان فأصبحت اليوم أسمع فيها نفخات وبحات وصيحات توقظني من غفوة النوم اللذيذ الهادىء إلى يقظة أستطلع معها مصدر هذه الأصوات لأطمئن على سلامتي من شرها وإزعاجها.
ما الذي غير بك يا حديقة وجعلك قاسية لا تصلحين للجلوس ولا للرؤية ولا للصفاء وأصبح كل شيء فيك يدعو إلى الأسف والحزن. وما هي إلا لحظات حتى جاءني نعاس شديد أفاقتني منه دقات الساعة للقيام والنهوض إلى العمل، فخلعت على الفور كل ما يذهب نشاطي ويغطني في أعماق نفسي وتفكيري وارتديت ثياب العمل لأنسى هنيهات ما أنا فيه من استغراق تام لأستقبل مجموعة من زهرات اليوم لا تدري ماذا يصنع لها المستقبل.
رجعت مساء إلى مقري في حديقة داري ورسمت مخططاً جديداً لها لأقلبها من فسحة سماوية إلى بناء جديد من مجموعة الأبطال يجدون طعم الحياة في مذاق النصر أو الموت. قلت عندها لنفسي: إن الحديقة الحقيقية الجميلة وأشجارها الخضراء المزهوة ومقاعدها الوثيرة الناعمة هي في الإنسان وقلبه الكبير وفي صموده للنائبات حتى يتحقق له ما يريد من نصر وسعادة وإرادة.
حمص 2/10/67

احتباس وانفراج

ما لسرورك اليوم يتزايد على غير عادة كما لو كنت حبيساً في سجنك ثم أفلت من عقاله وما لهذا السرور من مغزى إلا أنك اليوم طليق وبالأمس سجين، إنك على ما يبدو ليشملك السرور والطرب حتى في سجنك فمن أتى بك بهذا السجن ومن أين يحصل لك هذا السرور؟ يتحدث الإنسان إلى نفسه ويسألها كثيراً ولكل مناسبة حديث ولكل سؤال جواب غير أنه أبداً لا يجد إلا حديث الانفراج بعد الاحتباس ولا مسألة السائل إلا بعد احتباسها في صدره. وهناك تجد الجواب من ذات نفسك بعد أن تلقي عليها ضوءاً من اليقين يتصف بمعرفتك لنفسك فتقول لا شيء أثمن من الرضى، والرضا موجود في المنغصات، والمنغصات موجودة في أكبر ساعات الصفاء.
كم من دعابة جميلة تستلطفها عند قراءتك لها في اشتداد التضييق والخناق عليك ولكنك لم تجد لها هذا الطعم الحلو الجذاب في ساعة أخرى من النهار وعند بدء عملك واهتمامك ثم أيضاً لا تجدها بهذه الجاذبية لو سمعتها من أحد الناس لا يقولها كما ينبغي لها النطق وكما تسعفها المناسبة فلماذا لا يأتي سمعك مطابقاً لصوتك ولا صفاؤك مطابقاً لميلك وهواك.
فتحت عيني لأرى صورة قلبي التي تتمثل ببعض الأشخاص فأطبقت جفني على رؤيتهم لأصحح من جديد رسم الصورة لتبقى واضحة في انطباعاتها حتى تبقى العين مفتحة كما كانت والصورة موجودة دون أن تختفي أو تتجدد لأنه لا يرضيني هذا الفتح والإطباق فلست أهوى ما استوحيته من بهرج القول ولست أمقت ما خانني السمع من الانتباه لأجد الحقيقة ملقاة دون مراعاة ولا تقدير.
اليوم مجموعتي من الإخوان تغريد لا يحس بألم السجن إلا في ترديده لهذا التغريد إنه تغريد لصوت البلابل قذفت بها رياح الصحراء فجعلتها حرة طليقة وهي تغني لتعود إلى قفصها بعد أن نسيت مرارة الاحتباس والسجن ثم تستذكر نعيم الحرية فإذا هي صامتة متلهفة للعودة من جديد إلى سجنها الحبيب، وفي جو من العبرة والحكمة أجابت النفس على السؤال المتردد كثيراً: ما قيمة الإنسان بالابتعاد عن أهله ووطنه لو أعطي ما استطاع لتأمين سعادتهم وعزهم مع الاقتراب منهم.
أما الوطن فليس هو إلا إقامة المجموعة الكاملة من الإخوان على أرض تجود عليهم خيراتها وتكون في حصن حصين من أعدائها.
المحطة الثالثة 27/10/68

اللقاء الحقيقي

بيني وبينك لقاء لا يكون حقيقياً إلا إذا اتفق أو تقارب أو سار في منحى اللقاء الذي هو بيني وبين نفسي. إن هذا اللقاء الذي هو في ظاهره تساند واستعداد للمعركة المقبلة الفاصلة للحق عن الباطل لا يتم في كلمة وابتسامة تذهب بعدها لترى ولا تعمل وتنام ولا تستيقظ وتوافق ولا تتيقن من قلبك وإيمانك.
لقائي معك وأنت قوي على خصمك لا تتسامح ولا تتماهل ففي تسامحك نكسة ذقت طعمها لا تنساها ولكن ليبقى مرارتها في فمك حتى تشعرك بواجبك وواجب إخوانك الذين يهمهم أمر الحياة ليعيشوا عيشاً كريماً كما عاش آباؤهم من قبل وكما سيعيش أبطالهم من بعد.
بيني وبينك لقاء حقيقي إذا ناصرت حقي فتعلمت كيف يكون الحفاظ على الحق بوجهه الفردي حتى يصار إلى الحفاظ عليه بوجهه الجماعي لأن الحق لا يعرف تجزئة ولا تفرقة بل هو استعداد للنفس من إيمان المعرفة واستعداد للعمل من إيمان المقدرة واستعداد للتضحية من الاستهانة بالموت للفوز بشرف الحياة ومجدها.
بيني وبينك لقاء حقيقي في تقشفك وصبرك، فمن المعمل الذي فيه قيام للواجب إلى المكتب الذي فيه تدبير وتنظيم أمرك حتى لا يكون اعتباطياً على غير مخطط ولا هداية فمن المعمل الذي تقضي ساعات عملك لتؤدي واجباً إلى المكتب الذي فيه تلتقي بإخوانك وهم يديرون أمر مستقبلك ومستقبل أطفالك من العدو الذي أراد لك الموت البطيء وأنت عنه غافل وأعطاك لذة الكسل ليسلبها منك بالقضاء على عزتك وكرامتك.
بيني وبين نفسي لقاء يتم فيه الراحة من بعد أن يعود كل حقك لك: حقك في الحياة الكريمة وحقك في الاستقلال الذاتي وحقك في التصرف بأرضك ودارك ومعملك لأنه إنتاجك وصبرك وجهدك.
حمص 12/12/67

ليل وعين

هنيئاً لك يا ليل ومسكينة أنت يا عين. لم يكن الليل بطوله من ساعات ودقائق ولم يكن بطوله من أفراح وتهاني، ولم يكن بزمن ينقضي ليذكر. لم يكن كل هذا بل هو مجموعة أحاسيس هزتها حرية الإنسان في مصداق قوله وعمله فاستمع لهزاتها محبو هذه الحرية فأيدوها وضمنوا لها الحماية بعد انتكاسة كادت تختنق لولا حذاقة ومهارة واحدة ممن تعرف كيف تجمع الشمل بعد تفرق وتلين النفس بعد قساوة وتهز الأريحية بعد تصلبها.
هنيئاً لك يا ليل أعطيت لرفاقك درساً لا ينسى في الشهامة والمروءة. علمتهم حب المساواة في المعاملة وحب الاعتدال في الطلب وحب الإنصاف في الحق. لم يكن حبهم في المساواة والاعتدال والإنصاف من قبل إلا تقليداً ولم يكن حبهم لها من بعد إلا غلبة وقهر.
هنيئاً لك يا ليل تمردت على الباطل بعد ما اتضح لك الحق بوضوحه واقتنعت بالعدالة بعد ما جاء الباطل مخرشاً للناس جميعاً، فالباطل الذي جاء به غيرك هو الحق لما رفضت قبوله والحق الذي جئت به هو الباطل لما يراد الإرغام على قبوله فتنازع الحق والباطل وكان المنتصر بالنهاية هو الحق الذي لم تدعمه قوتك وإنما دعمته قوة من السماء فسخر لهٍ من سخر وأراد له النجاح فاتبع أسلوباً يرضيك بالنهاية ونسيت هذه الهزة التي أصابتك قليلاً ولحقت بالعين التي ظلت مرضى من جراء الهزة. العين التي أصابتها الهزة هي ليست عضواً للنظر في الوجه ولكنها عضو في المجتمع ترعى أطفالاً وترعى زوجاً وترعى عملاً.
إنها كانت الضحية فلنفتش عن المسبب لها لجراحها وآلامها ومرضها. لنأخذ الفاعل بجريمته أما أن نأخذ قريبه ونسيبه تشفياً وانتقاماً من المسبب ليكون جزاءً له بما أخطأ أو بدا للرائي أنه مخطئ فهذا نوع جديد من الخطأ يذهب بصواب الرأي ليقوم مقام العمل الارتجالي والسريع التنفيذ.
علمت أن موظفاً قد استلم عمله في الصباح في مركز وإذا به في المساء موقف عنه ليقوم به في الصباح التالي موظف آخر، وعلمتُ أن موظفاً قد أخذ إجازته لتنتهي بعد شهرين فيحل محله موظف آخر بالوكالة ثم يقوم عنه ثان ولما يمضي على مباشرة الأول أكثر من أسبوع.
وأخيراً علمت أن موظفاً استدعي للقيام بعمله الجديد وقد سلم له لما عرف عنه من كفاءة مسلكية ونجاح، وقد باشر الموظف عمله الجديد ودُعي له بالتوفيق وإطراء العمل وإذا بي أسمع اليوم أنه أفرغ منه ليملأ بآخر مما يظن أن الثاني هو أهل له أما الأول فكان أهلاً في الماضي وليس أهلاً له في الحاضر، دمعة عليك يا عين يا موجدة الصحة بعد المرض والأمل بعد اليأس والقوة بعد الضعف. وفرحة لك يا ليل يا موجد الهمم والقوة والنشاط والحماس في بعض النفوس لانعدامها في البعض الآخر.
حمص /10/11/1967م

الدعوة إلى امتحان جديد

أن تستجدي الناخبين ليعطوك صوتهم في الانتخابات أمر عظيم، وأعظم منه أنك لا تعرف نفسك فتقدر لها قيمة فوق أو دون ما تستحق: فتؤكد لنفسك فوزك بالانتخابات وأنت لم تحسن التقدير أو ترمي نفسك بها رمياً وأنت أول الناجحين وأعظم من جميع ذلك أنك تريد أن تربح ثقة الناخبين وتعتقد أن هذا أمر سهل.
اسأل نفسك ماذا قدمت من تضحيات عجز عنها غيرك، فإن أجابتك (بنعم) فاسألها مرة ثانية ماذا أستطيع أن أحقق من المكاسب مالم يفطن إليه غيري فإن أجابتك (بنعم) أيضاً فعليك أن تؤمن بقدرتك على تنفيذها وسلاحك في كل ذلك الكلمة الطيبة والوحدة الشاملة والصمود في وجه العقبات.
فإن حصلت على هذه البطولات فعليك أن تسأل نفسك أخيراً هذا السؤال هل اجتمع العلم والعمل، وهل اتفق الإخلاص مع الأنانية وهل انفردت بعملك الذي يتطلب الجماعة وهل اشتركت مع الجماعة لعمل لا يتطلب إلا اعتمادك على نفسك في إسعاف ذاكرتك لما مضى من الزمن وأخيراً هل لك من قوة الرأي ما تسترشد الجماعة بك، ومن صدق العزيمة ما تثبت أمام الأهوال، ومن عاطفتك للزملاء ما تشعر بشعور الآخرين، فإن أجابتك نفسك (بنعم) على جميع هذه الأسئلة فإنك تكون قد وضعت ثقتك أمام الناخبين ليدركوا أن ممثلهم أقوى من الطلب وأنه يرفع إلى مقعد التمثيل رفعاً دون الحاجة إلى كثير من الكلام في وقت تبقى فيه حرية الناخب مصونة معززة.
لماذا تتقدم إلى الترشيح وأنت لم تستطع أن ترشح نفسك إلى استقلالها في دفع الأهواء ؟ لماذا لا تتقدم إلى الترشيح وأنت تنظر إلى جميع الناخبين نظرتك إلى نفسك في المساواة والعدالة والمحبة. لماذا تتقدم ولا تتقدم وأنت لا تعرف من أمر نفسك شيئاً في غضبها للحق وحلمها للضعيف. إن غضبة الحق لا تكفي إذا كانت تخمد جذوتها بهدوء العاصفة إن حلمك للضعيف لا يكفي إذا لم تكن قادراً على البطش بالقوي لتأخذ الحق منه.
يأمل الناخبون جميعاً حسن اختيارهم بممثليهم فهم يضعون الثقة علماً بأنها محجوبة عمن يجعجع ولا يطحن، وغير مخيبة عمن يرفع الحق إلى مستوى القوة وينزل بالباطل إلى مستوى الضعف. يأمل المرشحون كل منهم في نجاحه فهل جميعاً مدعوون للتمثيل وقد تقدم أكثر من خمسة أضعاف العدد المطلوب. إذن لا بد من انتقاء الأفضل وعلى الناخب أن يتجرد من عاطفته ويدعو إلى العقل حين يمسك بالقلم ويسمي الأشخاص. فإذا كان لا بد من العاطفة فليس هناك إلا دلالة على المحبة الكامنة في النفوس تتفجر على الألسنة والأقلام لتدفع بصاحبها إلى حيث لا يقدر الامتناع عن زجرها. وعلى هذا الأساس فإنها عاطفة جماعية وهي الدليل القاطع على الحكم الصحيح لوجوده واتفاقه مع مختلف النزعات.
ليكن الناخب جريئاً ففشل الممثل يضرب بجرأته صفة المدح فلا تعد له إلا استخذاء وجبنا. ليكن الممثل وجدانياً فالناخب لا يستطيع أن يحكم على المستقبل إلا بدلالة الماضي والحاضر وقد يحدث عجباً وهو أن الطاقات كامنة فيفسح لها المجال لتتفجر.
إن هذا الظرف العصيب الذي تمر به البلاد بحاجة إلى ممثلين أقواء مخلصين، عالمين وعاملين بآن واحد لهم في الشدة والبأس مجال كبير بعد أن تعجز الملاينة وجميع الأسباب الآيلة إلى الأخذ والرد.
إن مطالب المعلمين كثيرة وهي على كثرتها قليلة وإن الدفاع عن هذه المطالب وتحقيقها يجب أن يدعمها ليس فقط جمهور الناخبين وإنما توحيد جميع فئاتهم بحيث يكون كل عضو منهم ممثلاً للآخرين وليست هذه المجموعة المنتخبة إلا لتحافظ على النظام والأصول المتبع.
إن انتخاب المعلمين امتحان جديد يثبتون فيه حرصهم على المصلحة العامة وأن نجاحهم في الامتحان يعني إبراز صوتهم في مجموعة من الممثلين أفضل ما وجد لديهم.
حمص في 23/4/1970

وارتفع صوت من أبناء الوطن

وارتفع صوت من أبناء الوطن العزيز ليلبي النداء ويقوم بالواجب وقد صمم له كل من كان له صلة به. وهنا اتكأ الشاب على عصاه التي حملها معه ولم يجد لها مكاناً ترتكز عليه وتستند. إنها عصا العلم والمعرفة وإن المستند هو الوطن الذي أنبته ليقدر أن يحيا ويعيش فيه. وقد كانت موجودة معه ولم يستطع إبرازها وقد كان المستند موجوداً ولكنه ليس بإمكانه أن يضعها فيه.
إن هذا الصوت المرتفع أفسح لهذه العصاة مكانها وجعلها تستند وتقوى على الارتكاز وبذلك حفظ للقدرة مجالها فصار المجال لها قابلاً للظهور والتوسع. مَنْ تكون أيها الصوت وأيها المنادي!! الغرفة مشغولة وبإمكانك الانتظار. ثم عاد وبعد يومين أو ثلاثة ليقال له ذات القول، وفي أمل الإخلاء كان يراجع، وفي اضطرار الحاجة كان يعاود المراجعة. يومان آخران للانتظار وفي هذا كفاية. شيء بسيط لقائله أما المنتظر الملتهب لحاجته والذي يجد المكان المتسع له في منزل قريبه ضيقاً جداً لأنه لا يتيح له القراءة ولا الدراسة. انتظر يوماً ثالث ليسال ويعرف ويحقق مطلبه. وهكذا تأتي الوعود معلقة بتفريغه الغرفة، وهكذا تفريغ الغرفة سلفاً بالأمر الرئيسي الجليل.
لقد مرت الأسماء على ذهنه وبقي اسم واحد يشغل مركزاً رئيسياً، إن جميع هذه الأسماء قد درجت في ذاكرته وراجع أصحابها بشأنه ولم يفد شيئاً عاجلاً مباشراً أما هذا الاسم فهو يحمل اسم الوفاء لعهد الطفولة والإخلاص للصداقة والحنين والشوق إلى الوطن، ومع ذلك لم يراجع. لقد سدت الأبواب جميعاً بوجه الشاب فهل كان الوفاء يقضي بالتنكر لذكرى الماضي وقد درج الإنسان بأيامه وكون شخصيته. لقد سدت جميع الأبواب بوجهه فهل كان الحنين إلى الوطن ومسقط الرأس يقضي بجهل أبنائه بعضهم ببعض بعدما عظموا وتنفذوا يرفعهم مكانتهم في العلم وسموهم في الأدب ونفوذهم في الوظيفة.
ـ مَن أنت؟ وماذا تريد؟
ـ أنا ابن وطنك، أريد تقدير الموقف مع مراعاة العدالة فإذا لم أكن مستحقاً فنصيبي الانتظار الطويل حتى يأتي الدور.
ـ قل ما هي قضيتك؟ لم أفهم شيئاً! وسرد قضية الدراسة والمدينة الجامعية التي هي من حق الطلاب المجتهدين. ودورك ما رقمه؟ انتظر حتى يأتي دورك. ثم عاد بعد ذلك يستذكر زاوية الدراسة يوم كان طفلاً وشاباً واستعرض أيضاً أشخاصهم وهم يتذاكرون معه ولا يمضي يوم واحد دون لقاءه معهم. وبحالة فيها الألم جاءه علم بأن الغرفة رقم كذا قد فرغت. فرفع سماعة الهاتف وقال: إنها مشغولة من قبل أن تشغل لقد شغلها واجب الوفاء للصداقة وشعور الحنين للوطن والشوق إلى الماضي البعيد.

تحلل وانعتاق

إذا كنت ذا عزيمة صادقة ونظرة ثاقبة فإنك ولا شك مستمسك بمبادئ إنسانية عالية أخذتها من رجال الفكر والتاريخ والفن والأدب وقد امتزجت روحك بأرواحهم فتمثلت المعلومات تمثيلاً صحيحاً بعد قبولها في نفسك وإتقانها في ذاكرتك وإعادة التجربة لها بنفسك من المجتمع الذي يحيط بك إلى الإمكانيات التي أوجدتها والتي هي في مواهبك بعد أن فتح أمامها الطريق لتنطلق.
وأول ما يلفت النظر هو وضع قواعد صحيحة لتسهيل التعلم ولاكتساب أكبر قدرة ممكنة من المعارف غير أنك ولا شك تخضع للمناهج الموضوعة في دائرة تعلمك ثم للحياة الخاصة التي تحياها في أسرتك بين أهلك ومحيطك وأخيراً للقدرات الكامنة في نفسك وقد ورثتها عن أبيك وأمك.
إن أهم ما يعترضك من الصعوبات هو التحلل والانعتاق فلا يكون للخوف من السير قدماً طريق إلى نفسك ولا يكون للعجز عن تحقيق السلام إليها أي سبيل تدخل منه، فما حدد لك القهر إلا الحدود المحددة للفهم والاستيعاب وللطمأنينة والنضج، أما القهر الآتي من غالب فهو قهر الطبيعة من الحاجة إلى الطعام، وليس الغذاء بمنفك عنك ثم الحاجة إلى النوم وليس النوم بآت لك من الدراسة ما قد بدأتها ولم تستكملها، وما وجب عليك إنجازها وأنت بحاجة إلى دراسة أخرى لم يكن الوقت ليساعدك على التأجيل والاستمهال.
إن انعتاق النفس من مخاوفها يعني إزاحة الستار عن المضايقات للذهن والفكر حتى تتسع دائرة الحفظ والاستيعاب. إن النظرة الصحيحة للحياة يعني ترك مقاومتك للأشخاص إلى العطف عليهم في حال وقوعهم في الأخطاء وفرضها على الآخرين نصيحة وتجربة ووعظاً. إن استبدادهم إذا كان يمسُّك فهو آت من الحد لحريتك في فسح المجال أمام تقدمك ونشاطك وهذا يعني أنهم أخصام لك دون أن ينتبهوا أنك صديق لهم إن المنافسة لا تحد من قدراتك إذا كانت إرادتك حرة طليقة.
إن إجبارك على نوع معين من القراءة وعلى نوع معين من السلوك وعلى نوع معين من التفكير هو آخذ لك باتساع الفكر في هذه المعلومات وتضييقه في الأخرى التي خلقت لها لتكون أهلاً في حمل أمانتها ورسالتها.
إن النظرة الثاقبة تدخل في نطاق تحطيم ظلم الإنسان لأخيه الإنسان الذي خلقه الله لينعم بما أعطت له الطبيعة من صفاء ليكون الظالم هادراً لها لكي لا تتم المنافسة وليبقى العرش أسيراً لصاحب الاستبداد والحكيم الواعظ.
إن العزيمة الصادقة تدخل في التفرغ التام لما تريد ولما تقاوم فليست المقاومة إلا جزءاً من إرادتك وليست إلا جزءاً من إيمانك العميق بإحساسك لمصلحة وطنك وبني قومك.
18/5/1969

آذار

آذار اليوم غيره في الأمس فيما سبقه من الأعوام. صحيح أنه شهر تتفتح فيه القلوب لتستبشر بفصل الربيع غير أن هذه البشرى موجودة فقط في الطبيعة لتكتسي حلة قشيبه ولكن آثارها فيما يقام في كل عام من احتفالات تبلغ أوجها من العظمة والاهتمام، بني قومي توقفوا عن مثل هذه البهجة لبهجة كانت موجودة ولسوف توجد من جديد لتجدد معها بهجات الشباب وأفراحهم.
البهجة كانت تعم وتشمل الصغار والكبار أما البهجة في هذه الأيام فكانت ترتيلاً حزيناً تصدح به الأطيار في السماء ومنظراً جميلاً تتزين به الطبيعة في الخضرة لتتحرك إلى جمع الصف ونهب هبة الرجل الواحد في المادة والعمل والتنظيم فلا معارضة واعتراض بل موافقة واتفاق ولا نوم واطمئنان بل يقظة وسهر.
فلندع إلى ما يزيننا من أبهة إلى ما يشيننا من نكسة حسبنا لها ألف حساب على الطبيعة وعلى الإمكانيات حسبنا لها في قدرتنا واستعدادنا وما حسبنا لها في قدرة العدو واستعداده بحيث يعمل بصمت ويستغني بما يحصل عليه من تعاطف وشفقة لشعب ادعى بالموت والفناء من قبل أسياده المستعمرين ليقدم له التبرعات بسخاء
وينال التأييد.
كل شيء إلى المعركة حتى تبقى المعركة نهاية وبداية : نهاية للاحتلال الصهيوني والتهديدات المستمرة وبداية لشعب عربي احب أخاه العربي فبذل النفس والنفيس من أجل عزته وكرامته.
"كل شيء" كلمة عامة شاملة مطلقة لا تتقيد فقط بالجنود على حدود النار بل تتعداها إلى كل مواطن عربي من التلميذ في المدرسة إلى الموظف والعامل والكاتب والعالم حيث أنهم جميعاً يقومون بدورهم في الخدمة والتضحية إيماناً بمبدأ المساهمة والاشتراك في الدفاع عن أرض الوطن حتى تبقى أسسه ومبادئه وقواعده في حماية لا يطالها محتل.
كل شيء ولا شيء إلا بعد أن تقدم البرهان والدليل فنشيد صرحنا على أساس متين قوي ويوم تقوم الواقعة فإن الذعر والهلع مستبدل بالإيمان والتيقن بأن الموت للحياة وأن الحياة في تطهير بقاع أرضنا من كل محتل وإن استعادة حقنا صائر من بعد صبر قليل أو كثير مهما كلف الثمن، على شرط أن تحتفظ بمصونية العمل والقدرة فنوازن ونستفيد من الخبرات السابقة ونعتمد على استبسالنا في الهجوم أو الدفاع وعلى أساليب مدبرة كنا أخذنا لها كل الاحتياط.
آذار اليوم يضحك فقط في نفسه: مع الطبيعة والأطيار فلا يشاركه في بهجته إلا النفوس المريضة التي تحتاج إلى إشعاع شمسه ونسيمه، أما باقي النفوس فتقف منه موقف المتفرج الذي يرى أن قدومه إلى صيف مقبل وأن اعتدال حرارته سوف يتلوها اشتداد من وهج الشمس في حرارة حزيران المقبل، فقد كانت الحرارة مزدوجة من نار الشمس ونار النكسة. أما الشمس فقد بدأت تشرق في اعتدال وهجها ولسوف لا يمتد وهجها ويقوى ليأتي حزيران إلا ويكون إيذاناً بإحياء القلوب المتعطشة لترتوى من الظمأ حيث يكون الطقس عائقاً كبيراً يعرقل مسيرة التقدم فنحتاج إلى مظلات واقية من النوعين لحماية التهاب الأجسام من اشتعالها في حرارتها.
آذار اليوم جميل وأجمل منه في أمسه وفي غده من قبل النكسة ومن بعد الانتصار. أدعوك يا آذار إلى لقاء جديد تتم فيه الأفراح الحقيقية فتنطلق البشائر ليعود كل منا محققا لما قدمه من عمل وتضحيات وخدمة وإن غداً لناظره قريب.

معركتنا

معركتنا قديمة جديدة، عامة خاصة، قوية ضعيفة، غنية فقيرة، إنها تشمل عامة الناس وخاصتهم، تشمل العامل في معمله والصانع في متجره والطالب في مدرسته والموظف في دائرته والمزارع في مزرعته وهي تشمل أيضاً المعمل في صناعته والمتجر في بضاعته والمدرسة في نظامها والمكتب في قواعده والمزرعة في طريقة الاستفادة منها إنها تشمل عامة الناس لأن أحداً من الناس لا تستثنيه وهي تشمل خاصة الناس لأنها تضعهم في الدرجة الأولى من المسؤولية لأن على نمطهم يسيرون هؤلاء العامة فيقلدون أسيادهم وينزيون بأزيائهم لأنهم المغلوبون ولأنهم المتفرقون ولأنهم المكبلون بقيود الجهل والفقر والمرض.
معركتنا قديمة لأنها قامت منذ أن عرفت عيني نور الحياة، قامت منذ ان عرفت أذني أصوات الأحياء، قامت منذ أن عرف عقلي غذاءه وجسمي حاجته وروحي رياضتها وذوقي إثارته وآدابه إنها قديمة لأن لها في التاريخ أصولاً وفي العلوم أشخاصاً آمنوا بحق الإنسان في الحياة وبحق الحياة في واجباتها ومسؤولياتها.
أما جدتها فهو بمسايرة الزمن لها وبالنتائج المحققة إنها تعيش مع الشعوب الأكثر راحة واطمئناناً تعيش مع عزة الإنسان وكرامته تعيش مع سيادته في شخصه وحريته في فكره وقوته في تذليل العقبات أمام الحياة نفسها ناهيك أمام كل ظالم مستبد لا يعرف أي حرمة لأخيه الإنسان إلا بالخضوع له خضوعاً مطلقاً في الحق وفي الباطل.
حداثتها انها تسري إلى كل الشعوب والأفراد وتنتقل إلى كل بيت وأسرة وتدب في كل كائن حي، يظهر آثارها في انتشار المعامل ووجود الأعمال وإبداع الفكر والإنتاج الحسن لكل ما تحتاجه حداثتها أنها تعتمد على الإيمان الحر الصحيح والفكر المشرق المنير والصمود أمام نوائب الأيام ونكبات الأحداث حداثتها إنها غير محلية متمركزة بل بالإمكان تلاقيها في غير قطر أو دائرة من أقطار البلاد حداثتها لأنها تشكل الأكثرية الساحقة من بني الإنسان ممن هم عمد في الصناعة وعمد في تنشئة الأجيال الصاعدة وعمد في إقامة البطولات والأمجاد. حداثتها في استمرار الأفضل من الناس للحياة وزوال الرديء وتراجعه إلى الوراء أو الحد من رداءته ليفسح المجال لهذا الناشئ الصالح.
قلت إن معركتنا قوية لأنها ترتكز على مبادئ ولأنها ثورة فكرية وليست أحقاداً في القلوب ولأنها تتناول الكبار والصغار معاً تمد لهم العطف بتفس الوقت الذي تقسو عليهم فالكبير لا من عظمت مرتبته فقط وإنما من استطاع أن يحقق من النصر مالا يحققه الصغير، معركتنا قوية لأنها مرتكزة على مبادئ حق الإنسان على أخيه الإنسان وإعطاء كل ذي حق حقه وإنعاش الضمير المعذب وإحياء الآمال المنشودة وإيقاظ رقدة الكسل في النفس لتستعيد الجد والنشاط.
معركتنا قوية لأن بها نادت الشرائع السماوية والمبادئ الإنسانية والأمثال العربية الأصيلة أما ضعفها فلأنها تتطلب مقاومة وتتطلب إصراراً وثباتاً وتتطلب جهداً خاصاً فهي إلى إزعاج الجسد اقرب منها إلى إزعاج الروح وإزعاجها في ذلك الجسد وسيلة إلى راحته من بعد وإزعاجها لتلك الروح هي أيضاً وسيلة إلى إذكائه ونشاطه فليسا إلا وسيلة لهدف، والهدف الحقيقي لهما هو أن لا راحة لحي مع وجود حي آخر أقوى فليتعادلان ولا سيما إذا كان يظلهما سماء واحدة. قلت معركتنا غنية وغناها في فضلها على المساعدة وفي إيمانها بالحق وعدم اعتمادها على المهادنة وإنصاف الحلول وغناها في اكتساب مواردها من مهارة العامل وإتقانه واستقامة الموظف وأمانته وصدق التاجر وقناعته ونشاط القدرات الحية الموهوبة للفرد ودعاية غناها ليست بالأبواق والتطبيل وإنما بالحقائق الثابتة المدموغة.

معركة ومحارب

بيني وبينك دائماً عراك ينتهي بتغلب القوي وخذلان الضعيف عراك في مصارعة الباطل حتى تقضي عليه إما بطريق مستقيم واضح وهذه هي القوة المجابهة وإما باللجوء إلى طريق آخر تستخدم فيه الحكمة والمهارة والسياسة والصبر وهذه هي القوة المعنوية التي ينبغي عليك التفوق بها لتساعدك على تحقيق مطلبك في إعلان القوة المادية التي تبتر الباطل بسرعة وتجعله خاضعاً لها.
بيني وبينك عراك يبدأ من وجودي ووجودك فإما ان يحد بالنظر لينتهي إلى الابتسام وإما ان يمتد فيصل درجة تفننا في ممارسة القتال ليخضع أحدنا خضوعاً إما إلى الحق وإما إلى القوة فنحن في معركة ولا بد لنا من سلاح للنصر. اشتدت العداوة بيننا وبين الصهاينة بحيث أصبحنا نجد أن دماءهم ارتواء لطمأنا وأن في دمهم ربيعاً لقلوبنا.
المعركة التي تدور رحاها بين اثنين إما أن تكون مكافئه وهذا يعني تنافساً وسباقاً إلى الأفضلية وفي النتيجة تتصافح الأيدي لنصرك أو نصره بعد البرهان والتجربة فتعود إلى الاستعداد والتقوية من جديد لتفوز بمقعدك الذي كنت قد خسرته وينزل عن مقعده الذي كان قد ربحه. أما إذا لم تكن متكافئه فهذا يعني شيئاً آخر فإما إن المعركة وهمية فليس هناك من محارب وإما أنها حقيقية فيها صفة المحارب وسلاحه الإيمان بحقه فتطول مدة العراك حتى تنتهي إلى الفناء أو النصر المبين.
لسنا وحدنا في المعركة بعدما يشتد الاختلاف بيننا، فلكل منا مؤيد في وجهة نظرة وعمله فيتسع القتال حتى يصبح في دائرة أكبر ثم يتسع حتى يشمل العالم بأسره ليؤدي حرباً مبيداً. المعركة التي تتكلم عنها واضحة المعالم لوجود التكافؤ أوعدمه في المحاربين وأداة الحرب. أما المشكلة فهي وجود المعركة وعدم وجود ساحة القتال، ووجود ساحة القتال وعدم وجود المتحاربين، ووجود المتحاربين وعدم وجود السلاح ووجود السلاح وعدم وجود الخبرة والتعليم والتدريب عليه.
إن المعركة قائمة حقاً وساحتها في الأراضي المحتلة وأما المحاربون فهم موجودون وهم يتدربون ليتقنوا إشهاره في وجه العدو. أما استكمال هذه المتطلبات فقد تمت سريعاً وتجربتها مشاهدة في كل لحظة ودقيقة وما هي إلا ترقب وانتظار حتى يصبح كل منا في ساحة المعركة ليقوم بواجبه المقدس في تحرير أرضنا.

تسديد مرمى

ذهبت إلى المرمى مع من ذهبوا من الرماة، لأقضي ساعة من الزمن أعود بها وقد قمت بعمل جديد بالنسبة لي وللأكثرية من زملائي. هذا العمل هو الرمي منبطحاً لأصيب هدفاً ولأطلق رصاصاً ولأسمع دوياً.
كانت الساحة مكشوفة وكنا تحت أشعة الشمس فيما نحن في ترقب وانتظار لمجيء اللحظة المعينة وإذا بنا نحبس النفس واللسان والسمع متوجهين جميعها إلى النصر الذي يتحقق للفرد منا بإحرازه الهدف المقصود وباكتسابه العلامة المتفوقة.
إنها ساعة من اليوم خلال الأعوام السابقة في جديتها ورهبتها ولذلك أكبرناها… أما أنت أيها الجندي في المعركة فدائماً في جديد وأما الرهبة والخشوع اللذان استوليا علينا فإنهما شيء طبيعي بالنسبة لك، تحمل الأمانة المكلف بها وأنت في كل الرضا والسرور تحملها لتقوم بعمل عظيم هو الدفاع عن أرض الوطن لسكان الوطن. فواجبنا أن نذكرك في سفرك ونحن مقيمون وفي صبرك ونحن قلقون وفي جهدك ونحن متألمون وفي متاعبك ونحن نرنو بأعيننا ونتطلع إليك بأفئدتنا فما ينبغي على اليد ان تضن ولا على المال المكدس أن يتجمد ولا على اللسان الصامت التوقف عن الهتاف وإرسال أطيب آيات الشكر والتقدير والإعجاب لبطولتك.
أيها الجندي في ساحة القتال تمهل قليلاً ليكون تسديدك في الرمي إلى قلب الأعداء تسديداً تاما ًبحيث تصيب مقتلاً في كل رصاصة وتحيي أملاً في كل انطلاق إن قتلانا قد أصيبوا اليوم في قلوبهم فلا تجعل جراحها بعد اليوم دامية بل تعداها إلى قلوب الأعداء بالإضافة إلى أجسامهم فتصيب منهم في قلبه من لم تقدر على إصابته في جسده.
إننا إن تعلمنا الرمي ومسك السلاح فسوف نشد أزرك لتكن مؤخرتك محمية. حفظتنا في الحدود على أرض الوطن فسوف نحفظك في القلوب في سجل الخالدين.

إننا مسرورون

إيفاء الحق ملازم للمغتصب ينغص عيشه ويقض مضجعه ويجعله لا يستقر على حال، فمن نفسه إذا كان حي الضمير سالم الوجدان صحيح القاعدة، ومن المغلوب إذا أعد العدة وهيأ نفسه لجو المعركة ولم يستسلم للأمر الواقع. فمن طبيعة المغتصب أن يسوي الأمور كما لو كانت عادية دون أن يراعي المشاعر ويذكر النهضة ويقر بالاختلاف الموجود بين الشعب الحاكم والشعب المحكوم.
فاغتصاب الأرض من أصحابها بالغزو والحرب لا يرجع إليهم حقهم إلا بعد حرب مماثلة فالأخذ والرد من الساسة يصلح لو كان الأمر خطأ غير متعمد أما إذا كان التخطيط جارياً على أساس انتزاع الأرض والتوسع واستضعاف السكان فهذا يعني أن الفائدة لم تتم وأن الغاية لم تتحقق وأن وراء البداية نهاية أوسع لأنها كانت تجربة يخوض غمارها الطامع ليعرف قدرة جاره على صد الاعتداء وعلى الاستفادة من إذلاله للإيقاع به بإذلال أكبر يبدأ تدريجياً حتى لا يشعر به وينتهي إلى الاندماج شكلاً وقالباً مجتهداً أن يتوصل إلى المساواة بين طبيعة الشعبين في الحكم لا في الامتياز.
لا يأل المغتصب جهداً في تبرير عمله فيبدأ بتغيير المفاهيم حتى لا ينطوي عمله على الظلم ثم يأخذ في سلب جميع دوافع الثورة مجرداً وسائل المقاومة وموزعاً الدعاية ووسائل الإعلام ومعطياً للوقت للتراخي حقها من الاستفادة فيشغل الأفراد ويلهو ببعض المنح ليظهر أنه شعب نظيف جاء ليزيل الأوساخ فهو بحق محب للنظافة لم يجدها بين صفوف المغلوبين.
إننا لا نخدع بهذه المظاهر ولن نسلم بالواقع وإن استعدادنا لكفيل بأن يعيد الحق إلى أهله وأن الظلم والتشريد واضحان لا يمكن طمس معالمهما وإن ادعاءكم بالتنظيف للعربي جاء بعد التشريد ولنا معكم حساب فاذكروا تاريخكم الأسود قبل إعلانكم على شاشة التلفزيون: إننا مسرورين بعملنا.
حمص 23/9/1968

حبيبتي

عشرون عاماً قضيتها في البكاء على حبيبتي التي نسيتني وما نسيتها قط. بكيتها بعيني وتألمت عليها بقلبي ووعيت تاريخها بذاكرتي وأحسست مصابها بكل جوارحي. حبيبتي اليوم ملء الدنيا حديثاً وشاغل العالم عقلاً وبحثاً نوقشت قضيتها على انفراد وفي صعيد جماعي في الأوساط المحلية والعالمية وفي الهيئات الدولية والرسمية. والإيمان الذي ثبتته في القلوب انتقل من بعده إلى ثورة فجرت بركاناً اشتعل ولم ينطفأ أوقد حرباً ولم ينتهي بسلام.
حبيبتي ليست إنساناً بل هي وطن وليست أمنية بل هي حقيقة واقعية، فالإنسان الذي كان بالأمس القريب ساكناً فيها نزح وتشرد والإنسان الذي أضحى فيها عائشاً بغى وتجبر، فإذا بها قد تدنست من بعد طهر وجرى عليها الحرب من بعد وقوع السلام والمحبة والطمأنينة فالعودة إليها صراع أعددنا له عدته وسخرنا له جميع الإمكانيات وأقمنا حياة التقشف والاقتصاد لأجل حمايتنا من ذلك الجار المغتصب الطامع العدو الذي لا يؤتمن.
حبيبتي اليوم جعلت من كل الشعوب شعباً واحداً لنصرتها فاتحدت حتى شمل الاتحاد كل الأقطار المحبة للحق والعدل وبدأت سيرها في كيفية الوصول إلى هذا الاتحاد المطبق ليخرج قوة مؤثرة وليست متأثرة فقدحت بالهمم لتحفزها وتعصرها وتجعلها تستفيد من جميع ثرواتها فلا تتركها لأعدائها يرتعون بها وهم في ضيق ويغتنون بها وهم في حاجة إلى هذا المال ويقوون بها ليستعدوا ويبطشوا بالأمنين الذين يملكون الحق ولا يقدرون التصرف به ويملكون الحرية وهم في نزاع دائم مع أعدائها.
حبيبتي اليوم تعود حزينة مرة أخرى إنها تطاولت لتضرب لا لتقع في الضرب ولتشفى لا لتقع مرة أخرى في الجراح لتحيى ويحيا معها أهلها عاشت حبيبتي في ظل القوة والوحدة والحق وإلى اللقاء معها في أرض الوطن.

أخي المسؤول

أخي المسؤول: دع حقي مهدوراً حتى لا أغمض عيني فأسير في طريق الظلام ولا أدري من أين يكون الطريق. بل دعني في طريق التفتيش والبحث مفتح العينين فأمشي على هدى واعلم كيف يتفرع هذا الطريق.
أخي المسؤول: دع حقي بعيداً حتى أسير في الوصول إليه فأرى في طريقي صوراً جميلة من واقع الحياة لا يمكنني رؤيتها والحق قريب مني لأنني سوف اقتصر الطريق واكتفي بما سمعت وعرفت في حياتي.
أخي المسؤول: دع الحق يذهب مني كلما وصلت في الاقتراب منه ودع الحق يفلت مني كلما هممت بالقبض عليه لأنك بذلك ستضيع علي فرصة التمتع بالنظر والسمع حيث انهما لا يقومان بوظيفتهما حق القيام في حين الأداء والوفاء لأني رضيت بما طالت يدي من النعيم: نعيم المعرفة والازدياد منها.
أخي المسؤول: دع الحق أتطلع إليه ويتطلع علي حتى أجد في كل نظرة إليه ما يشغلني عن حقي بانشغالي في مزاحمة الناس لبعضهم البعض في العراك الطويل في الحفاظ على ما كسبت أيديهم لا على ما ستكسب وعلى التفريط الذي أداه الحرص لا على الإفراط الذي سوف تؤديه المطامع.
أخي المسؤول: بيني وبينك حب لا كالحب الذي علمك الناس إياه فإن كنت نائماً فإني أتقدم إليك بهدوء كي أوقظك دون إزعاج وإذا كنت يقظاً فإني أقوم بالنوم حتى لا تراني أني أمامك أسمع وأرى وبهذا أستيقظ فلا أنام فأتمتع فوق ما يتمتع به اليقظون.
أخي المسؤول: إن الدنيا جميلة في بقاء الظلام طويلاً حتى يأتي النور الساطع الشديد، وإن الدنيا جميلة في بقاء الجهل حتى تأتي المعرفة الصحيحة، فالظلام يحيط بالنور والجهل يحيط بالعلم ومن احب النور بتمامه لم يغفل عن هذا الظلام المحاط ولا عن هذا الجهل المغتصب.
حمص في 10/11/1967

العيد الحقيقي

للعيد المعنى الحقيقي الذي كنت وكناً نبحث عنه حتى وجدناه بعد ان غاب عنك وعنا زمناً طويلاً لنتفهمه وندرك حقيقته. وجدناه في إلغاء العيد حتى نصبح حقيقة يرانا العدو فيحسب لنا ألف حساب وجدناه في إلغاء مظهره المعروف بالمعايدة والتمني لكل منا بعام جديد يأتي ونحن في صحة وعافيةَ والسبب في ذلك هو أن ليس لنا مستقبل لأننا نريد أن نوقف الزمن عن الدوران وليس بوسعنا إيقافه ولذلك تعرفنا على حقيقة العيد الذي جاء من معنى الابتهاج والمسرة والعزة والكرامة واسترداد حقنا من عدونا ومعنى ذلك أننا في تأهب لمعركة القتال وعيدنا عيد النصر فاللباس الذي نزهو به جعلناه علماً يرفرف في أرض المعركة والابتسامة التي تشرق في وجوهنا أخفيناها حتى تطلع شمس الغد القريب ويصيح العرب كلهم: الله اكبر والعزة للعرب. الابتهاج الحقيقي في العيد يوم ترى تحقيقاً لحلمك وحلمنا جميعاً وحلم كان للأمس القريب أمنية وإذا به اليوم تصميماً وعزماً يسري في الأذهان ليصنع لنا العيد الحقيقي الذي لم يعد خافياً على أحد: عيد لأمة بكاملها من العرب ليجمع شملهم ومن الوطن لينظف أرضه من أولئك الشذاذ حتى لا يبقى فيه اسم للاجئ واسم لمستعمر واسم لمستولي.
عيدك يا أخي يوم تحرر وطنك بعد أن حررت نفسك من جميع المظاهر الخادعة الكاذبة يوم تعيد لبني وطنك مجدهم بعد ان تسترد لهم حقهم من الهادر المغتصب ومن المعتدي الظالم ومن العدو الطامع.
عيدك يا أخي لا في شكله وفي مظهره المعتاد وأنت ما عليه من وضع غير مستقر يزيد الزمن بزعزعته واضطرابه ويبقيك أنت في صحة جيدة من قدرتك على الأكل والشرب والنوم، بل في مخبره الذي تعرفه ولم تتذوقه وتحلم به ولم تحققه وتصبر عليه ولم يصبرك الزمن على فنائك دون أن تبقى على وضعك مع شيء من الهدوء والأمل ولكن ليمحق هذا الأمل وهذا الهدوء فتصير إلى لا شيء بعد عن كنت كل شيء ويصير العدو إلى مطلبه بعد ان كان وعداً وقراراً وأمنية.
عيدك يا أخي وجدته اليوم فلا تضيعه وجدته في استشهادك في أرض المعركة وفي التخلي عن أطفالك لتعود إليهم رافع الرأس فخوراً. نسيت كل شيء في سبيل القتال ليعود كل شيء من بعد ما نسيته لتذكره من بعد، وذكرته من قبل فوجدت أن طعم الموت في حياتك التي تعيشها وأنت راضٍ بالمستقبل الآتي الذي لا يبشر، فجاءك النسيان وفيه كل الثقة بأنك أصبحت تعرف عيدك الحقيقي الذي يبتهج له كل فؤادك فتلبس لباسك المفضل الذي جاء من بعد لباسك للصبر والنضال والكفاح.
عيدك الحقيقي يا أخي لم يعد بعيداً بإذن الله فلنعاهد أنفسنا على الابتسام والمصافحة له من قبل أن يأتي العام المقبل ومن بعدها يقول العربي لأخيه العربي في عيده كل عام وانتم بخير في العزة والسيادة والطمأنينة.

بين ساعة وأخرى

كانت الساعة تقارب السادسة مساءً وكنت في قلق نفسي شديد لا لشيء سوى أنني أريد أن أتحقق من نهاية بدأت وانقطاع لم يتوقف، وإذ أزفت الساعة التي يتحتم فيها مصير هذا القلق فإذا بي في وضع جديد أريد به أن أستكشف لأتبين ثم لأطمئن، وبعد الاستكشاف وقفت على أمرين مهمين من نفسي ومن الحقيقة: أما الأمر الأول فهو تحقيق العدالة وحصرها بفئة معينة، أما الأمر الثاني فهو إعطاء الحرية وعدم الفوز بها للجميع.
إن نفسي التي تجتهد في مقاومة المؤثرات الداخلية والخارجية مهما كان نوعها لتبقى سليمة من التأثرات، صادفت أمراً غريباً متناقضاً لا من تأثرها بالمفاجئات بل من المحاكمة العقلية التي أجراها المنطق.
آمنت أن الالتماس في هذا العهد قد زال لأنه عهد للوحدة والحرية والاشتراكية. آمنت ان العدالة والحق والقانون سوف يجري مجراه فهي جميعاً السبيل للوصول إلى المنالات والاجتهاد نحو حياة أفضل. آمنت بهذا كله غير أني لم أؤمن بشيء واحد لا أزال أفكر وأفكر في سبيل الوصول إلى فهمه للإيمان به غير أني لم أفهمه بتاتاً حتى أؤمن به، هذا الشيء هو الذي أراحني كثيراً بعد القلق النفسي وأقلقني قليلاً بعد الاطمئنان الفكري وما زال يقلقني حتى افهم حلاً صحيحاً له، لأن المتناقضات عندي مألوفة في الحياة. أما تناقضات المبادئ فهي غير مألوفة فليس هناك في الدنيا مبدأ ينادي بوجود المتناقضات لشيء واحد ومن طبيعة واحدة.
كانت هذه الساعة هي السادسة مساءً من يوم الثلاثاء في 21 أيلول وهي نهاية القلق النفسي عندما قرأت في الجريدة تحت عنوان (المعلمون المعاودون إلى مدارس شركة نفط العراق) أسماء المعلمين واحداً واحداً أما الساعة التي انتقل فيها القلق من النفس لتستريح بعد الاضطراب إلى العقل ليفكر ولا يزال يفكر فهي التاسعة مساءً من ذات اليوم عندما علمت إن قوة مرغمة هي المسيرة والمحركة فالترتيبات توضع لتقضي عليها القوة وتغيرها فإذا القلم في يد المرتب المسؤول قد جف وإذا الأسماء التي كانت سطرت قد شطبت بالقلم الأحمر لتتبدل بأسماء أخرى حسبما تريد هذه القوة. إن القوة التي اذكرها هي معلومة مجهولة فمن أراد بها العلم وقف متحيراً تجاهها ومن أراد بها الجهل فقد عرفته بنفسها والسلام.

انطلاقة واكتشاف

وتجدد في قلبي حب الوطن الذي شغلني عنه بعض ما أنا فيه من آلام، وكان شوقي لرؤية وطني في قطر عربي مجاور على الطبيعة الحرة هو الذي دعاني إلى الوفاء بحق الصديق الذي كان إلى عهد قريب يتمتع بشباب كامل من اللهو المحبب في نظم الشعر وكتابة المذكرات والخلود إلى الراحة والاستجمام.
كان قلبي في نسيان عن جمال الطبيعة تزدهر بنشاط أبنائها يجدوّن ويعملون فتحيا بهم مواسمها فيأكلون من عرق جبينهم ويفخرون ببطولتهم ويجددون العهد لجدودهم في المحافظة على ذلك التراث الثمين الذي إن بدا في يوم ما مسلوباً لجزء فلن يتم الأمر كذلك دون استعادته واسترداده.
وتجدد أيضاً في قلبي حبي أبناء وطني صغيرهم وكبيرهم بالرغم من الزفرات التي كانت تنبعث من قلبي لرؤيتهم لا تتكامل بحبوحة العيش مع استفاضة الأمل بالغد المشرق لوجودهم. وكانت في كل زفرة يتصاعد منها حب الحياة مع الكرامة ومرح الشباب مع الحاضر المشرق وانطلاقة النفس مع التحرر من قيود القدر الذي كان لا مفر منه وهو القتال أو الاستسلام.
أما القطر العربي الحبيب فقد تجلى للكون جماله في يوم ماطر أو نصف مشرق فكانت الرحلة إليه برفقة الأخوان والزملاء وكان الهدف من هذه الرحلة هي إطلاع الطلاب على معالم قطرنا بما له من شواهد في آثاره وحدوده وكانت رحلة استطلاعية قصيرة دفع الطلاب ثمنها من اغتنام الفرصة في عطلة عيد الميلاد ليقضوه في ربوع لبنان بين مناطقه يتجولون فتثار دهشتهم لامتناع الصحفي عن نوال حقه في الإعفاء من الرسم على الدخول في بعض المناطق الأثرية أو في تخفيض الرسم للطلاب أو في التمييز المحلي بين قطر وآخر شقيق يمنح له الامتياز ولا يستفيد منه زميله وأخوه في اللغة والعاطفة.
إنني حيال بعض هذه الاعتبارات التي نغفلها حيناً على الرغم من أهميتها إنني وقفت حائراً لا أبت بالأمر لأتقدم أو أتأخر ولما رأيت حرص الطلاب على الاستمرار في المتابعة رغم القيمة المطلوبة، عدت إلى نفسي لأشاركهم في التحمس والاندفاع وبعدها تركتهم يعطون لأنفسهم ما يشتهون. ولا ادري أي نوع من الهزة أمسكت قدمي عن التقدم والمشاركة وبقيت أبكي على بعضي لأن شيئاً من الواجب لم يتحقق وما يدفعه الطلاب في مثل هذا المضمار إن هو إلا شعور اندفاعي أما نتائجه البعيدة الأثر فهي تظهر في العدد الضخم من الطلاب الذي ربما سيشع نجم واحد منهم ليصبح رئيس مراقبه.
وما أبعده من موقف ساعة يتقابل فيه الموقفان لتكون الذكرى للأول والتسامح للثاني موقف ربما لم يكن فيه ذلك وإنما فيه تضاد ونقيض وعندها نذكر ما كان يجب علينا أن نعمل وكانت الفرصة مواتية فلم نستفد منها. كان الوفاء لصديقي يقابله نسيان منه فلم يكن يدري أن جلسته الشعرية البديعة لتزيد إمتاعاً وسروراً وان الأمل كل الأمل هي من الاستفادة في مثل اللقاء الممنوح لكي لا يكون على حساب التخصيص والتفرد وإنما جاء من جو الرحلة وعطاء الوقت كل الوقت للأصدقاء وطلاب الرحلة.
وشيء آخر جدير بالذكر هو أن الاستعداد لم يكن تاماً بحيث يقيم الطلاب في إقامة مهيئة للرحلات فلا يكون الأمر فيها كما كان وما حدث لم يكن جديداً وإنما الجديد أن تتعرض بعض الشخصيات اللائقة بالاحترام إلى الإهمال، والنكرة بسبب انزعاج صاحب الفندق لسببٍ خلقه من نفسه وكل ما في الأمر أنه يمكن الاستغناء عن مثل هذه المفاجآت بتفريغ أحد الفنادق يوم إعلام الرحلة بالتحرك والاستقرار ويكون الأمر سهلاً وذلك بلفت نظر المراقب والمشرف على شؤون السياحة بوجود طلاب من قطر شقيق. ويكفي الأمر بتجميع الطلاب في مكان واحد يحميهم من الانقسام حيناً والمساومات حيناً آخر.
كانت الرحلة ممتعة وليس إمتاعها بجمال النفس والطبيعة معاً وإنما إمتاعها أيضاً في جمال الوطن وحب سمائه وخيراته والمحافظة على كل شبر من أرضه وعدم الترخيص في حق كل مواطن أي مواطن.