تحية للرياضين

شاء الحظ أن أكون من بين المتفرجين على المهرجان الرياضي الكبير الذي أقيم في حمص في يوم الجمعة الماضي بمناسبة عيد الشباب الثالث وأحضر عرضه الرائع وأمعن النظر في هذه المجموعة الكبيرة من الطلاب والطالبات الذين يتسابقون في مضمار البطولة ليحرزوا نصراً أكيداً يشرق نوره على أمتهم ووطنهم.
شاء الحظ أن لا تفوتني هذه اللحظات الجميلة بعد أن عاكستني الظروف وتغلبت عليها وهي من نفسي وشيئاً من خارجها وذلك لأذرف دمعتين من عيني: الدمعة الأولى دمعة فرح وابتهاج ألهبت مشاعري وأيقظت إحساسي وإذا بقطرات من ماء العين تبل خدي ولا أستطيع إيقافها، أما الدمعة الثانية فهي دمعة ذكرى وحنين وآلام وآمال وتلهف واشتياق أوحى إلى قلبي بما يجعله يصدق أو لا يصدق وإلى عيني ما يجعلها تتثبت من النظر لتتأكد أنها حقيقة وليست بالخيال وإلى سمعي أنها أصوات خرجت بإرادتنا ندويها في عالمنا لتصبح فيما بعد أصوات قنابل تحرق أعداءنا لا أصوات حناجر تنطلق ثم تخفت.
ما أجملها ودّعنا عهود التخلف لنستقبل عهداً نرى فيه فتاة اليوم وأم المستقبل تحمل السلاح بيد والكتاب باليد الآخر وهي قوية الإيمان بشعورها بواجبها جنباً إلى جنب مع الفتى الشاب عماد الأمة ومستقبلها. ما أجملها ساعة غصت ساحة الملعب بالألوف من المتفرجين من أبناء الشعب خرجوا ليروا زهرات أكبادهم وقد عرفوا النظام والواجب واستهزئوا بالمتاعب واصبحوا مدعاة لأن يشكلوا القوة المتراصة التي لا يستطيع أن يخرقها جهل أمهاتهم وآبائهم في عهود سابقة لم يتعرفوا بها إلى هذه الأنواع من مدارسنا. إنها في الوقت الذي تحافظ به على مصلحتهم في الدرس تحافظ على مصلحتهم في أجسامهم فتعدهم ليكونوا أقوياء الجسم لا يتهيبون الموت إذا ما دعا الواجب فيقومون بالإسعافات اللازمة دون أن يستولي عليهم الخوف والحزن.
ليست الرياضة عملاً شاقاً مملاً وإنما هي القيام بتمرينات تتدرج من السهل إلى الصعب ليصبح الجسم فيما بعد قابلاً لها ومرتاحاً ارتياحاً تاماً وأجمل الرياضة ما كان يقوم بها التلميذ وقد انتهى منها ليعود إلى عمله مجدد القوى والنشاط ولقد أخذت الرياضة في عهدها الأخير اقتباساً لمجرى حياة الأمة ومبادئها فهي تصور أحاسيسهم وأعمالهم وواجبهم وتقدمها بشكل حركي يرمز إلى نوع معين من طبيعة العمل أو العقلية كما شوهد في مهرجان الأمس.
إن جماهير الشعب الزاحفة لمشاهدة المهرجان هي على نوعين: نوع منه خرج مضطراً دفعه حب الاستطلاع ولم يدفعه إيمانه بما تنتجه مدارسنا من بطولات، ونوع آخر خرج ناقداً ومحللاً ليتعرف إلى ما وصلت إليه مدارسنا من التقدم في هذا المجال غير أنهم لم يمدونا بعون عملي ليقوموا بنشرات رياضية ليفسحوا المجال أمام محبي الرياضة لأن يزدادوا فناً ومهارة وعلماً بموضوعهم كذلك لم يشجعوا أبناءهم في الاستمرار بهذه الهواية الجميلة فيبعثونهم برحلة استطلاعية علمية فأرى قسماً كبيراً منهم ينفق في ليلة واحدة لحضور حفلة رياضية أوربية للاستمتاع بها ما يعادل نفقات ابنهم طيلة مدة الدراسة للتخصص. فما أحراهم أن تكون هذه النفقات مخصصة إلى إيفاد فلذاتهم في خارج البلاد السورية ليضطلعوا بهذه المهمة فتقام الحفلات ليحضروها لا لمشاهدة فرقة أجنبية رياضية وإنما لمشاهدة أولادهم وقد أقاموا هذه المهرجانات.