عالم الروح.... وعالم المادة
عالم الفن يبقى دائماً بعيداً عن عالم المادة؛ فبالإمكان أن نعتبر المتمكن من فنه هو القدوة في الحضارة والرقي؛ فإذا كان موسيقياً فإنه يعيش على عذوبة الأنغام التي يرتلها الملحن في نشيده، والعازف في آلته والمطرب في جمال صوته. فكأن هذه الأنغام جميعها تحيطه بسحر من الجمال لا يفوقه إلا جمال الطبيعة فيما ألهمت الشاعر في الغناء والمطرب في تخليد الكلمات التي هي وصف لأحاسيسه التي أبدعها الرونق والبهاء فيما كان يتأمل بهذا الكون على غاية من التنسيق والإبداع.
فإذا كان الفنان رساماً فأنامله ترسم الشكل البديع للمنظر المستوحى من أفكاره أو مشاهداته فيجعل للطبيعة صورة في الذهن كأنك تعيش في أجوائها. فيكفي أن تضع انطباعاته التي انتقلت إلى اللوحة لتحاكي المنظر الذي غاب عن ذهنك فترة لتعود الصورة بأجمل مما رأيتها عابراً ولم تعبأ بجمالها. فهل كانت جميع أعمال الرسام راضية للذوق الذي يتلمس الإبداع في صنعها واكتفى بنظرة خاطفة ليعود إلى عالم المادة الذي شغله بقسوة الحياة وصعوبة الإنتاج.
وإذا كان الفن في الأدب فالكلمات تعبر عما يحس به الأديب من جمال وشوق لرؤية الطبيعة وهي تقاوم وتستسلم وتحنو ثم تقسو، أما مقاومتها فللذين لا يعشقونها فغلبتهم بالبساطة التي جاءت بها ولم يجيء بقية الأدباء بتلك الصورة الفنية البيانية.
فغازي الخالدي مثلاً استطاع أن يدخل إلى قلب الطفل بفنه الذي أحبه واقتبس منه قدرة تستطيع أن تتبسط ليأتي الطفل مجتذباً نحوها. فإذا سما بفنه فإنه يتلمس الفن المتدرج من بساطة الطفل وبراءته إلى عمق الرسوم التي جاءت بها لوحاته. فإذا خصص بعض الوقت لهذا العالم الفسيح الغامض إلا وهو الطفولة فإنه بذلك يدخل إلى سريرته نظرة متشابهة للجمال الذي لحظه في الانقياد تارة وفي الإذعان تارة أخرى فإذا ما استعصى عليه فهم طفل ما فإنه يدرك أن اللوحة لم تكتمل بعد ولا بد لها من إضافة رسوم أخرى ليكون الإدراك أعم وأشمل. والممثل البارع دريد لحام استطاع أن ينطلق بفنه ليكون معبراً عما يحسه جمهور المتفرجين فأعطى للواقعية أسلوبها الذي تتطلبه وقد تتطلب أسلوباً ساخراً يهذي به ولكن هذا الهذيان لا يزيده إلا رفعة في أعين المقدرين لفنه وإبداعه.
والشاعر " مهدي الجواهري " في زيه الذي غلب عليه النسيان يغوص في المعاني لتأتي أبياته الشعرية ناطقة لكل مناسبة وفرحة فهي ثورية بوجه الغاصب المحتل وهي رقيقة ناعمة في وجه القائد الذي لم يذعن لهذا الغاصب أن يملأ فرحته باحتلاله. بقي علينا أن نحيط رجال الفن بهالة من الإكبار والتقدير ليكون عطاؤهم منسجماً مع الروح التي تطمئن والقلب الذي يألف والمودة التي لا تنتقص.