عالم الروح.... وعالم المادة

عالم الفن يبقى دائماً بعيداً عن عالم المادة؛ فبالإمكان أن نعتبر المتمكن من فنه هو القدوة في الحضارة والرقي؛ فإذا كان موسيقياً فإنه يعيش على عذوبة الأنغام التي يرتلها الملحن في نشيده، والعازف في آلته والمطرب في جمال صوته. فكأن هذه الأنغام جميعها تحيطه بسحر من الجمال لا يفوقه إلا جمال الطبيعة فيما ألهمت الشاعر في الغناء والمطرب في تخليد الكلمات التي هي وصف لأحاسيسه التي أبدعها الرونق والبهاء فيما كان يتأمل بهذا الكون على غاية من التنسيق والإبداع.
فإذا كان الفنان رساماً فأنامله ترسم الشكل البديع للمنظر المستوحى من أفكاره أو مشاهداته فيجعل للطبيعة صورة في الذهن كأنك تعيش في أجوائها. فيكفي أن تضع انطباعاته التي انتقلت إلى اللوحة لتحاكي المنظر الذي غاب عن ذهنك فترة لتعود الصورة بأجمل مما رأيتها عابراً ولم تعبأ بجمالها. فهل كانت جميع أعمال الرسام راضية للذوق الذي يتلمس الإبداع في صنعها واكتفى بنظرة خاطفة ليعود إلى عالم المادة الذي شغله بقسوة الحياة وصعوبة الإنتاج.
وإذا كان الفن في الأدب فالكلمات تعبر عما يحس به الأديب من جمال وشوق لرؤية الطبيعة وهي تقاوم وتستسلم وتحنو ثم تقسو، أما مقاومتها فللذين لا يعشقونها فغلبتهم بالبساطة التي جاءت بها ولم يجيء بقية الأدباء بتلك الصورة الفنية البيانية.
فغازي الخالدي مثلاً استطاع أن يدخل إلى قلب الطفل بفنه الذي أحبه واقتبس منه قدرة تستطيع أن تتبسط ليأتي الطفل مجتذباً نحوها. فإذا سما بفنه فإنه يتلمس الفن المتدرج من بساطة الطفل وبراءته إلى عمق الرسوم التي جاءت بها لوحاته. فإذا خصص بعض الوقت لهذا العالم الفسيح الغامض إلا وهو الطفولة فإنه بذلك يدخل إلى سريرته نظرة متشابهة للجمال الذي لحظه في الانقياد تارة وفي الإذعان تارة أخرى فإذا ما استعصى عليه فهم طفل ما فإنه يدرك أن اللوحة لم تكتمل بعد ولا بد لها من إضافة رسوم أخرى ليكون الإدراك أعم وأشمل. والممثل البارع دريد لحام استطاع أن ينطلق بفنه ليكون معبراً عما يحسه جمهور المتفرجين فأعطى للواقعية أسلوبها الذي تتطلبه وقد تتطلب أسلوباً ساخراً يهذي به ولكن هذا الهذيان لا يزيده إلا رفعة في أعين المقدرين لفنه وإبداعه.
والشاعر " مهدي الجواهري " في زيه الذي غلب عليه النسيان يغوص في المعاني لتأتي أبياته الشعرية ناطقة لكل مناسبة وفرحة فهي ثورية بوجه الغاصب المحتل وهي رقيقة ناعمة في وجه القائد الذي لم يذعن لهذا الغاصب أن يملأ فرحته باحتلاله. بقي علينا أن نحيط رجال الفن بهالة من الإكبار والتقدير ليكون عطاؤهم منسجماً مع الروح التي تطمئن والقلب الذي يألف والمودة التي لا تنتقص.

هل يغضب الأستاذ المحامي هائل اليوسفي!!
ومتى؟ وأين؟ ولماذا؟

لاشك أن رجل القانون يغضب عندما يكون الحق في جانب القانون ومع ذلك لا يستطيع الدفاع عنه ومرد ذلك إلى غلبة الباطل في وجه الحق وهذا لا يكون إلا عندما تفشل أوجه الدفاع عنه ويكون الانتظار مستمراً والأمل طويلاً والروح لا تزال مؤمنة بمصير انتصاره. ولنأخذ مثلاً على ذلك فنقول: عندما يخدع الإنسان بحيلة محتال والعقول التي ترجح عنصر الجودة والوفاء والكرم والمحبة لا بد لها أن تستوثق وترى البراءة في كل إنسان ما لم يؤخذ بجريرة ثابتة أما أن يكون الحق هو الإدانة والباطل هو الاتهام فهذا نقيض القانون ورجل القانون.
فإذا كان البريء هو المتهم وإذا كان الحق هو المغتصب فعندها تثور ثائرة المحامي المدافع والمنتصر للظلم والغبن. فلا بد للأستاذ المحامي من أخ أو صديق أو ابن أو ابنة غلبه الباطل على الحق لجهله أو ضعفه ولسلامة قلبه وسريرته ولعدم تمرسه بالنزاعات التي تأتي من النفوس التي تهوى ولا تهوى فإذا هوت غلب عليها الشطط وإذا انصرفت عن الهوى غلب عليها التصلب والقساوة فهل يكون الأستاذ مقتصراً على عدم الرضى ثم لا يعقبه الغضب والانفعال فإذا ما غضب فما الذي يرجعه عن غضبه ويخفف ثورة غضبه وإذا جاءه الغضب وهو في بيته فهل يثور كما لو كان في نقاش ودفاع أمام الحاكم، وإذا كان الغضب في وقت من الأوقات فهل هو في الصباح أكثر منه في الظهيرة وعند المساء وإذا تم ذلك فهل هو يدفع الثمن بنفسه أم أن الثمن هو نتيجة ضبط أعصابه التي لا نظير له فيتلقى الألم كما لو كان شيئاً عادياً.
إن الإجابات على هذه الأسئلة تحت عنوان بسيط هو أنه إنسان قبل أن يكون محامياً وتكوين الإنسان هو المشاعر التي تنتابه من جراء الفرح والألم والنجاح والفشل والفهم وعدم الفهم …
وإني أخصص بالغضب لأنه لا يسلم منه إنسان وهو يدافع عن الحق وأخصص بالزمن لأن الأستاذ وهو في البيت مع أهله يختلف جداً عما هو في مكان عمله وإن الصباح أرحب له بسعة الصدر من المساء الآفل فيطلع النجم ويأفل. وشكراً للأستاذ لو تعرض بالإجابة عما يعانيه من حبس النفس لكي لا تغضب إلا قليلاً وفي وقت لا يضر به الغضب لصالح الموكل وفي كل ذلك نعتبر الجهل بالقانون وعدم الإحساس به هو السائد للرؤية المستمرة والإصغاء الشامل.
سمعته يغضب في الإجابة على سائل جاء استيضاحه دليلاً على التمادي في ضلاله وغبنه ودليلاً على فرط حقه وحصوله على الطريق الأمثل ودليلاً على الضعف والظلم. لذا كان الرد والجواب شافياً له من الغضب ولا بد للدفاع عن الحق بوجه غاصبه يكون بلهجة أقسى وأمر إذا كان وجهاً لوجه أمام الدفاع.

رجعت إلى السنين البعيدة

رجعت إلى السنين البعيدة يوم كنت طالباً ألمح من بعد ما يروق لي وما لا يروق وليس البعد مسافة في المكان ولا في الزمان فالمكان واحد وهو المدرسة والزمان واحد وهو الجيل الذي نتعايش فيه مع الإخوان والأحباب.
كان ذلك إلى عهد بعيد أحب فيه أن أكون متعلماً لا عالماً أحب المجتهدين وأصغي إلى حديثهم وكلامهم، كان العلم في أثناء ذلك يحظى بالاهتمام الذي يتميز به الفرد عن شبيهه الذي يعجب بالمطالع الذي يستمر في القراءة وينتقل بقراءته من كتاب لآخر ولا سيما إذا كان الكتاب باللغة الأجنبية وقارؤه قد انتهى منه في فترة لا تزيد عن ثلاثة أيام وبكل شوق ولهفة.
كان هذا القارئ الطالب المتفوق منذ طفولته وحتى اليوم وقد شاب وأصبح من الرجال الذين أعدتهم الحياة ليكونوا علماً بارزاً في الرأي والتأليف والترجمة والأخذ بتطلعاتهم إلى المستقبل البعيد في شؤون وطنهم وأمتهم.
إن هذا المخلوق القادر على بذل الكثير من معلوماته في إفادة الجيل الجديد هو اليوم أمامي وعلى شاشة التلفزيون يُسأل ويُجيب وذلك في لمحة موجزة من كتبه ولو أن الوقت قصير والسؤال يتطلب الكثير من دقته إلا أن المؤلف استطاع أن يحتوي المقصود والهدف وإن النتيجة: لماذا تخلف العرب عن الغرب وما هي الأسباب التي حدا بهم إلى ذلك رغم التراث الأصيل لهم في المجد والنصر والسيادة، ما هي العناصر التي كونتهم لو تخلوا عن بعضها لاستطاعوا أن يعودوا بالمجد الذي أفل والنصر الذي سبقهم والسيادة التي لم تعد بحوزتهم.
لقد عوّل المؤلف على الآراء الكثيرة التي قيلت بصدد هذا الموضوع وخاصة في كتب الغرب ومن هذه الآراء الأنانية التي أحكمت أطرافها فقيدت ذكاءهم بما جعلتهم يتأخرون وهم السباقون والمقلدون وهم المبدعون والمفكرون والفلاسفة.
من يكن هذا القارئ والكاتب والمؤلف والمتحدث والصورة التي إن غابت عن عيني زمناً طويلاً فإنها لن تغيب بسبب ما كان لها من هدوء في الشباب وصمت مع الرفاق وابتسامة مع المتكلمين.
إنه الأستاذ عبد الله عبد الدايم الذي أفاد منه المجتمع العربي بما شغل من مناصب وألحق به من مهمات كل ذلك زاده اطلاعاً وقدرة على الحديث والتحدث بما طلب منه الكلام. إن في شبابه لغزاً يجعلني أبحث عنه لأستهدي بمواهبه عن شخصيته.
لقد كانا رفيقين متلازمين فترة وجودهما في التحصيل الثانوي ولقد تفوقا وأبدعا في دراستهما واطلاعهما، فأما الأول فقد فقدناه لأمد بعيد ولكن كتبه ومؤلفاته وآثاره تجعلنا نحيا به من جديد كما أنه لم يمت ولا شك أنهما تقاربا في القراءة والدراسة والتحصيل والشهادة والاختصاص.
والسؤال الذي أطرحه الآن هو أن الأول يقرأ الكتاب المراد مطالعته وتلخيصه ودراسته ليعطيه لرفيقه وصديقه فتكون المبادرة منه والمتقدم أم أن القارئ الحقيقي هو الثاني فيفيده بالمعلومات الواردة من الكتاب فيشجعه على مطالعته فيكون المقتدي ويكون السابق هو الهادي والمهتدي.
إن ذكراه ليحيا عندما تعلم أن المحاضر سيلقى محاضرته في قاعة سامي الدروبي بحمص فتعود صورته أمامك وهي التي كانت إلى جانب رفيقتها "عبد الله عبد الدايم" تلازمه بالمباحثة والتحليل والاصطحاب في الرواح والمجيء.
هما اثنان يحيا في قلبي بمحبتهما الزائدة للعلم والتعليم والبذل والعطاء في مضمارهما فما أخذته من أحدهما من بديع القول وجمال الفكرة كنت أمعن النظر لأراه في الثاني وقد تبينت ذلك لأني رأيت الواحد منهما يتكلم ويصغي الآخر لقوله والبحث وتبادل الرأي كان يجري بكل هدوء ومودة.

المرحوم عبد الهادي زين العابدين

اجتمعت معه للمرة الأولى والأخيرة فكأني ودعته الوداع الأخير الذي لا لقاء بعده، اجتمعت معه بمناسبة شاء الحظ أن تكون كاشفة لما هو من قبل وما هو من بعد. اجتمعت معه اجتماعاً قصيراً في ساعات فكانت معرفة طويلة لأيام وشهور وسنين، اجتمعت معه على أمل اللقاء مرة أولى وثانية وثالثة غير أن هذه اللقاءات لم تتم فكان بدلاً منها تاريخ طويل لرجل أديب وفنان ماهر وأستاذ لعدد كبير من التلاميذ تنكروا له من بعد وتركوه في وحدته ليعيد الذكريات ويتشبث بالتلميذ الذي يحفظ المودة فلا يجده والابن الذي يمحي من ذاكرته متاعب الحياة فيقضي ما عليه من الدين ليجعل ذمته مبرأة وليجعل حقوق الناس مصفاة.
اجتمعت معه وكان يبدو كليلاً متعباً يطمئن إلى الناس جميعاً ليبادرهم المعونة والنصح وذلك بما علمته الأيام من تجارب وما أكسبه الجد من مالٍ يقدر أن يخدم به من وجده في عينيه عنصراً طيباً يتخده معيناً له ليحل مشاكله التي تراكمت عليه دون أن يستطيع النهوض بها لوحده.
لقد أوحى إلى نفسي ما كنت أعلمه عنه وأنا صغير، لقد دوى اسمه في بلدته واشتهر خطاطاً يرسم بريشته أسماء الرجال للتعرف على أعمالهم واجتذاب الناس إلى التردد عليهم للحصول على حاجتهم.
لقد عاش المرحوم حياة مليئة بالجد والعمل فأنجب أولاداً يفتخر الوطن بهم، لقد أحسن تربيتهم فقام بواجبه نحوهم حق القيام، وضمن لهم حياة تغنيهم من العوز والحاجة. لقد عاش المرحوم غنياً بنفسه وقلبه وعواطفه.
عاش عيشة رضي منها أن يودع بسلام، لقد عرف أنه في ساعاته الأخيرة فما كان يضن بتراث بل كان عليه أن يحفظ ذكره بين الناس بوفاء الحق كما حفظه بوفاء المهنة وتعليم النشء وتسجيل اللوحات. لقد مات المرحوم وفي عينه أسى كبير ولوعة على فقدان ولده من قبل وقد لحقه اليوم إلى الدار الآخرة ليلقى وجه ربه.
سامحه الله وارتضى له هذا اللقاء في مثل هذا العذاب والألم الوجداني المستمر الذي انقطع الآن بانتهاء حياته ومجيء اليوم المحدد له. فإلى أنجاله الصبر والسلوان.

عرفته عظيماً

عرفته عظيماً قبل أن يعرفه إلا القليل الأقلة من رفاقه الذين خبروه وساروا على دربه، وعرفته إنسانا ً ليس ككل إنسان فيه سحر الكلمة وسحر الخطابة وسحر الجرأة التي لم أعهدها من قريب ولا من بعيد، إلا أن السؤال ليتبادر أين لي حظ هذه المعرفة وأنا لم أكن من أمثال هؤلاء الرجال العظماء، وأين لي هذه المعرفة وإني إذا ما انتسبت لهذه المعرفة لم أكن أقدر على احتمال هذا المنصب الرفيع لما يعتروني من شكوك وأوهام.
والحق أقول إني عرفته يوم كنت استمعت إلى خطابه في مجلس الأمة وهو يقرأ من وحي أفكاره ما كنت لا أستطيع مغادرة المكان الذي كنت فيه إن كان في النظر أو السمع أو الخشوع الذي يسري في ضلوعي، لأنه كلام كان يدخل إلى القلب ليحل في القلب، ولكن قلب من يا ترى إنه قلب الذي يجد الرحمة فيتناولها على الأعداء وقلب الذي يجد المحبة فيراها لا تذوب إلا في البطش على الأعداء، قلب يعي خطر المستقبل ويمد يده ليري شعبه هذا الخطر مثلما يراه ولكن بكل حرارة وصمود وإنه لقوة لا تضعف وشجاعة لا تجبن وسعة لا تضيق. عرفته وآمنت بعظمته ولكني كنت لا أستطيع أن أصرخ بذلك إلا من خلال رموز ليكون الرمز هو المعبر عن اسمه ومحبتي له وتقديري وإيماني به.
ما إن مرت السنون يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر حتى اتضح للجميع للصديق والعدو أنه إنسان قادر أن يستوعب آلام أمته ليحفظها من عدو كاد لها الشر مبدأً ويمدون له يد العون لينقذهم مما كان يحيط بهم من سوء ودمار لهم جميعاً فهو من بلدتهم ووطنهم لا يستطيع أن يترك الأمور كما قدر لها أن تجري فاستنهض الهمم وحث الجهود وأعجب به أمثاله من العظماء من الشرق والغرب فوضعوا له الوزن الكبير بعد أن رموه بمهالك فنجى منها ونجت أمته ولا يزال يخشى الغدر والخيانة فلا بد له أن يسوس ويكرر القول ويعَّرف العالم بأمته ووطنه.
لا شك أنكم عرفتم اسم هذا الرجل الذي انطلقت به كل حنجرة من هذا الوطن تشدو وتغني وتفصح للعالم سر هذا الإنسان عن قدرته وتطلعاته إلى المستقبل البعيد ليهب الناس جميعاً إلى مبايعته المرة تلو المرة وقد آلمه أن يتخلى عن وطنه رغم الأعباء التي كان يحملها من جراء سوء القدر وسوء الطالع.
فاختصم إلى القدر فمسحت دموعه محبوه قائلين له (كلنا باسل) فسر ولا يحزنك الألم فكانت هذه الكلمات بلسماً تشفي من آلام القدر لأن إيمانه بالله مثل إيمانه ببني وطنه وحبه لله مثل حبه لبني شعبه. لما عرف الشعب قيمة هذا البطل وقيمة هذا القائد آمنت بأن الحق سيبقى واضحاً مهما عصفت به العواصف وإن الله موفور هذه الأمة فلن تفقد أمثال هؤلاء الزعماء النوادر الذي جاء وجاد بهم الزمن.
ماذا كانت تقول له عيناه بعدما رأى أن الشعب بأجمعه استجاب لإرادته ؟ ؟ حتماً كانت تقول ليحفظ الله عيني لأرى وطني ترفرف فيه الحرية فلا غاصب لجزء من أرضه وإن الصبر والجهاد وتحمل الشهادة والسعي والدأب هي جميعاً كفيلة بإكفاف دمع المحزون الذي سلب منه حقه في داره فلا يخشى الموت في استرداد هذا الحق.
ماذا كانت تقول له يداه وهو يرفعهما ويهزهما باستمرار أمام الوفود المجتمعة للقائه ؟؟ حتماً كانت تقول تضامنوا واجعلوا أكفكم متشابكة فإن الطريق طويل ولكن الحق لن يموت ماذا كانت تقول له أفكاره وهو يغادر الشرفة ؟ ! حتماً إنها تقول لا تضيعوا الوقت فأنا أسمعكم وهيا اعملوا والله موفقكم.
هل عرفتم بعد هذا من هو هذا البطل.. إنه الرئيس الذي انتخبتموه في المرة الأولى والثانية والثالثة والرابعة وهكذا لن تحيدون عن الطلب إليه ليظل قائد هذه الأمة وربانها يسير بحكمته وجرأته ومحبته نحو الطريق السليم لتحفظ هذه الأمة به مشرف انتمائه لها. وهكذا بعد أن استضاء الجمهور ليراك أفضل من تكون له قائداً ورئيساً وحامياً ومؤملاً فلا يحيد أن يرى وطنه لا يرفرف عليه اسم حافظ الأسد رئيساً للجمهورية.
وإني أدعو الله أن يطيل عمرك فلا يحرم الشعب من قيادتك وتوجيهك واهتدائه إليك لرفع الغبن والظلم وخاصة إعادة الأرض والوطن لأصحابها الشرعيين والسلام.
27/1/1999

ممدوحان في رجلين

ليس المهم شخصهما ولكن المهم التقاؤهما في أكثر الأشياء. اختلفا في المهنة واختلفا في الثقافة ومع ذلك وجدت اختلافهما أمراً لا يتعلق بحركة الالتفات ونغمة الأصوات وشكل النهضة أثناء الوقوف للقيام بحركة السير أو الإصغاء للحديث وذلك بحركة الرأس والجسم واليدين والرجلين.
ليس المهم شخصهما وإنما المهم تطابق اسميهما على تطابق مزاجهما فهما في سرعة الغضب أو الرضا واحد وهما في نبرة كلامهما من السرعة والصراحة واحد وهما في وضع لحظات عينهما ومرتسمهما على الشبكية كأنها واحد لما يبدو من الأول في إطباق جفنيه وفتحهما من الزمن والمدة، ولما يبدو من الثاني من إطالة النظر والتحديق بالمشاهدات.
ليس المهم شخصهما وإنما المهم أني عرفتهما عرفت الأول معرفة عف عليها الزمن وعرفت الثاني معرفة جرت إلى استذكاري به بعد أن نسيته وكادت جفوة البعد أن ترفع اسمه من ذاكرتي تماماً غير أني ما لقيته من الثاني مما هو مشابه تماماً للأول أوحى لي بما كان للاسمين المتطابقين فعل متطابق أيضاً.
ليس المهم شخصهما وإنما المهم هذه الظاهرة التي أعطيت حين سمي الأول ممدوحاً فكان من الملاحظ أن تعطى بالذات إلى سميه الذي لم يعرف شيئاً عما أكتب بصدده. إنني أرى هذه الصورة مؤكدة حيناً وغير مؤكدة أحياناً وبوسعي أن أكرر اسم المديح على شخص حتى يصبح صفات المديح مطابقة للموصوف وهل أكثر ترداداً من اسم الإنسان يناديه كل سائل ومحدق، يناديه ليعيره التفاته وانتباهه.
يناديه ليطلب مساعدته وقضاء حاجته، يناديه ليحذره وينبهه إذا ما بدا منه فعل يستوجب النصح والإرشاد فإذا ما امتلأ سمعاً كان اسم سامي على لسان كل قائل وكان سمعه حساساً لالتقاط هذه الحروف المكونة منها اسمه ولعله يتردد عن الهبوط باسمه إلى ما لا يليق فيتجنب رميه وقذفه لكي لا يقال له يا سامي وما أنت بسامي كما سميت ولا تجعل اسمك خوضاً في المعركة فالأول سل حسامه وقفز الهوة الكبيرة التي تفصل الفقر عن الغنى ولذلك تعلم وأصبح في مرتبة عالية براتب كبير أما الثاني فقد طار إليه الفقر ليعشش في بيته غير أنه لم يستطع أن يستقر ويأمن ولذلك فهو في نزاع دائم بينه وبين همته ونشاطه.
الأول قريب بعيد، قريب لأن له صلة الدم وبعيد لأن العين أصبحت لا تراه فقد تطاول في العظمة حتى صار بيني وبين اتصاله حاجب فهو في سعة المال ورفاهة العيش أرفع من أن يخفض نظره ويرجع بذاكرته إلى قريبه البعيد.
الثاني بعيد قريب: بعيد لأن صلة الدم مفقودة وقريب لأن صلة الروح موجودة فهو نسيبها. لعلي بالممدوحين أمتدح ولعلهما بقراءة ما أكتب سوف يتبصران ولعل القارئ بعدها يدهش ويقول سأسمي ابني صلاح الدين تشبهاً بالبطل صلاح الدين الأيوبي والآخر خالد تشبهاً بالبطل خالد بن الوليد.
حمص 10/5/67

في الحياة صراع كبير

في الحياة صراع كبير يتبارى في بطولتها أبناؤها ليفوزوا بأكبر قسط من المجد والسعادة قبل أن يدركهم الموت الذي لم ينهب كبيرهم وصغيرهم، وبينما هم في هذا الصراع يأتيهم الأمل الطويل والحرص الشديد في عدم التفريط بشبابهم والجد والعمل قبل الهرم والمرض لأن أحداً من الناس لا يفقد هواه وهو قادر على التمسك به إلا إذا عجز وأثقله المرض ورأى الفرجة في الخلاص من بلائه ليرتقي درجة إلى ما كان يطمح به من قبل أن تلم به مثل كارثة زعزعته وهدت أركانه.
فالرياضة وهي قبل أن تكون ميلاً حاجة ماسة للأعضاء كي تقوى وتشتد وإذا بصاحبها يرى في الجهد والعمل قدره على تحملها لا تتيح لمن لا يزاولها. وتمر الأيام ويبقى مزاول الرياضة على شأنه من الجبروت والعنفوان دون أن يدري ماذا يكون من أمر نفسه حيث أنه يشغل عملاً يكسب منه معيشته ليأتي هواه في الدرجة الثانية بعد انتهائه من واجبه في مهمته التي ألصقت به وهو سعيد بها ولو لم يتبين أمرها من النتائج التي آل إليه أمرها.
قوة الشباب وأمل الحياة تدفعه إلى التقدم والثبات في متابعة الصراع حتى ينتهي به إلى الاستقرار مع زوجه التي أعدت له، غير أنه رفض هذا المشروع المبكر لكي يعيل أسرته المكونة من والدته واخوته الصغار الثلاثة بالإضافة إلى أن أخاه في جامعة دمشق على نفقته الخاصة.
كان يرى في الزوجة الصالحة التقية ملء السعادة له وقد كان على وشك الخطبة لولا أن عاجله المرض وأودى به إلى الموت من بعد أن استنفذ منه كل ما يملك وحقق على ذمته ديناً ليوفيه إذا ما استمهله القدر وبقي حياً ونجا من شر المرض وكان له ما لم يرد وأراد له الموت ما استعذبه وانتقاه لترفع روحه إلى بارئها لقد كان وهو حي نظامياً وشجاعاً يعطي العمل حقه من الإتقان والجودة ويتبع سبيل النظام في إرضاء مراجعيه وتسديد رواتبهم.
كان قوة ونشاطاً وإسعافاً ولكنها جميعاً تلاشت وأصبحت وديعة في يد خالقها مرحومة لأنها لم تفرط بإثم والإثم يأتيها من ارتكاب المعاصي والمعاصي بينها وبينه جفوة لأن الله قدر له ذلك.
للمرحوم نقابة تضم نحواً من ألف شخص وهؤلاء فقط من أهل بلدته وأبناؤها زملاء له أحبوه وأحبهم لأن ابتسامته لا تفارق محياه وكأنه بهذه الابتسامة يقول:
كل محمول على النعش لك أخ === لك صاف وده كدر
إن تكن سلماً له لم ينتفع === أو تكن حرباً له فقد فات
ليس له بعد موته إلا هم أهله الذي حمله طويلاً وأراد أن لا ينزل عن محمله وهو باق في قوته وشبابه إلا بعد أن يكبر صغيرهم ويتخرج من جامعته شأنه شأن بقية أخوته من قبله وأحدهم لا يزال يتلقى دروسه في الجامعة ولا أدري إذا كانت هذه المصيبة قد عطلت أو قد تعطل مستقبله من بعد. إن زملاءه تنادوا لنجدة اخوته من بعده ليسهموا في دفع المعونة باقتطاع شيء يسير من راتبهم ليصبح هذا اليسير قوة بفضل المجموعة الكبيرة من هؤلاء الذين أحبوه حياً ولم ينسوه ميتاً.
بقي علي أن أذكر حقه على النقابة في يوم الأربعين فتذرف دمعات حارة على شبابه لتبكيه وتبكي اخوته وأصحابه في كلمات تخرج من القلب لتحل في القلب وتجيء هذه الكلمة من بعد إتمام وتسهيل حقوقه التي له من جراء خدمته التي لم يخرج منها إلا وهو مريض ليلاقي وجه ربه.
رحم الله الفقيد كان إنساناً موظفاً وكان إنسانياً في معاملاته لحفظ الحقوق والواجبات التي له وعليه إنه عبد المطلب.

مات عبد المطلب بركات

عرفته وأحببت أن أستزيد من معرفته لولا أن تداركه الموت وهو في مثل عمر الزهر. عرفته وكنت عرفت أخاه من قبل، عرفته على حال لا يمكنني وصفها من قبل إلا بعد أن انقضت ساعات عمره وأصبح ذكرى وحنيناً لأهله وزملائه الذين يذكرون جيداً مكان مقعده من العمل وطاولة مكتبته من الوقوف إليها زمناً طويلاً أو قصيراً حسبما ينتهي المرحوم من صرف الراتب للمعلم ليأتي دور الثاني وهكذا ترى الازدحام في أول يوم من كل شهر.
رحمك الله يا أخي: كنت تملأ الجيوب بعد خلائها من استحقاق المعلمين لرواتبهم فيأتون إليك بفرح مزدوج وتودعهم بابتسامة هادئة فيها معنى المشاركة بفرحهم وفيها معنى الصبر من العذاب الذي كنت تعانيه في إحساسك وضميرك لو أن الله قدر لك سرعة الموت الذي اختطفك فتقوم بتقبيض الراتب دون أن تنال وينال زملاؤك طول الجهد والصبر حتى لا يقوموا بالانتظار الطويل الذي يفرضه كثرة العدد ليأتوا من عندك بالبشارة إلى الدائنين وقد وفي حقهم كما تشعر بالارتياح التام لوفاء ذمتك التي ترتبت عليك طيلة أيام الشهر.
رحمك الله يا أخي لقد كنت خلال ثلاثة أشهر سبقت رحيلك إلى الدار الآخرة ألتمس مكانك من الغرفة فأجده خاوياً يبكي على صاحبه الذي اطمأن إليه من بعد شغله مدة من الزمن لا بأس بها . كان المكان يخلو من شخصك ولكنه لم يخل من روحك واسمك المسجل على طاولتك ولذا كان حتماً على زائرك في الغرفة أن لا ينساك ولو نسيته وأن يذكرك ولو كنت مشغولاً عنه وأن يجد رأس كل شهر دليلاً يهدي الحائر في أمره إلى الإرشاد والمعرفة في أمرك.
رحمك الله : كنت حافظاً لحق الموظف والخزينة وحقك في آن واحد . أما حق الموظف فهو موفى بأكمله من الاستحقاق تنيره وترشده إلى ما يجهله من نقصان وزيادة في راتبه بسبب الترفيع أو الحسم وأما حق الخزينة فكنت مرتباً في دفاترك وسجلاتك بحيث يسهل مراجعتها وضبطها عند الحساب وأما حقك فأنت حريص عليه حرصك على زملائك من الضياع ولذا تراك في كل وقت تمسك بالقلم وتجري الحساب لنفسك وفي النتيجة تكون راضياً مطمئناً لاجتهادك وتدبرك.
رحمك الله : كنت تحزن عليّ في بعض المرات لأني آتيك مستلفاً لراتبي اللاحق فتطمئن إلى حاجتي من الدراهم فتبادر إلى تلبية طلبي إذا ما وسعك الحصول على المال وتعتذر في حال خلائه من الصندوق. كنت تحزن وكان الحزن لا يدوم إلا بعد لقائي ولقاؤك . أما اليوم فإني سوف أحزن لأني فقدتك إلى الأبد وفقدت معك ابتسامتك الجميلة التي لا تفارقك. ورباطة جأشك وقوة أعصابك التي تتغلب بها على الصعاب كلما داهمتك مفاجأة أو هزة.
أخي استرحت اليوم إلى الأبد فنم قرير العين لا يوقظك من نومك إلا أفراح شعبك وأمتك في انتصارها على أعدائها من المستعمرين واليهود الطامعين في أرضها وحريتها وسيادتها. ثم نومة أبدية على تراب وطنك الذي افترشته ومن يدري لعله يريحك أكثر مما كان قد أراحك نومك المزعج على فراش لا تدري إلا وأنه مهتز تحتك حتى تتوقف حركة العدو وتعود إلى الوراء من بعد حركتها إلى الأمام.
رحماك اللهم! أجزه ثواب عمله في الدنيا وأفسح له في الآخرة جنتك التي ارتضيتها لعبادك المستقيمين النزيهين وألهم آله الصبر والسلوان إنك على كل شيء قدير.

من هو

ليس بإمكاني محبته على الوجه الصحيح فلسوف أحبه على الوجه المقلوب. ليس جميلاً في ألفاظه و لهجته فلسوف أحبه في تقليده لحلو اللفظ إلى حبيب قلبه وترقيق اللهجة لاستدرار العطف من صاحب العظمة.
ليس جميلاً في قساوة قلبه فلسوف أحبه في لطافة مظهره. ليس جميلاً في حكمه الجائر على بعض الناس فلسوف أحبه لكلمته المأثورة في وصف أحدهم: (إنه قذر وقذر ولم ترعيني أقذر منه) ليس جميلاً لأنه يوحي بالسرور والطرب و لكنه جميل لأن السرور والطرب يتنازعان ليخلقا منه إنساناً طروباً و مسروراً فيفلحان من بعد قتال مرير.
ليس جميلاً لأنه رئيس و لكنه جميل لأنه يمشي في تقليده للرئاسة و أخيراً إنه طويل ولكن في قصر وقصير ولكنه في طول. إذا رأيته نظرت إليه بعد أن يجتازني بخطوات وإذا سمعته التفت إليه بعد فترة وإذا اجتمعت إليه حفظت حديثه بعد ذكريات وإني آسف إذ تعلمت شيئاً من اللغة الألمانية لأني لم أدر أنه سوف يتعلم قسماً منها.
درجت في تعلم هذه اللغة ولكني ندمت لما أضعته من وقت أما هو فقد مارس هذه اللغة و لكنه لم يندم من بعد. تعلمت اللغة الفرنسية وتركتها ولكني نادم على تركي إياها إذ إني سلخت وقتاً لا بأس به في تعلمها غير أني عندما وجدت نفسي أمام هذا الإنسان ندمت كثيراً على تعلمها وتمنيت لو استمريت في تعلم الألمانية لأنسى الفرنسية كما تمنى هو أتقان الفرنسية لتحل محل اللغة العربية.
أحببته وليس بيني وبينه أية خصومة، خصومتي وإياه ليست خصومة الفكر بل خصومة الأذن والقلب فلسوف أصنع لي أذناً اصطناعية لتقوم مقام الأذن الطبيعية حتى يبقى تأثير الأصوات عليها كما هو عليه. أحببته وليس بيني وبينه أي عبوس أوغضب فلقد أغضب وأسر لرؤيته غير أن غضبي يطول أكثر من سروري و سروري يقصر بحيث لا يدوم أكثر من لحظات. عرفته وعرفني أما أنا فقد نسيته ولكني تذكرته أما هو فقد حفظني ولكنه نسيني إني أذكّره بنفسي من خلال هذه الكلمات إنه القوي المتطاول ولست بالضعيف المجهول قوته في كبرياء أما ضعفي ففي صمت وانتباه. نظرت إليه من خلال النافذة فإذا هو صغير ونظرت إليه من خلال نفسي فإذا هو عملاق فلا أدري هل تضيق النافذة بمنظاري أم تضيق النفس بمحبته فلا يسعها إلا أن تحب ولو عن عدم يقين وأن تطمئن ولو عن عدم ثقة. هل تدري بعد هذا من هو.