له.. لا عليه

خطيئة كبرى بحق الحفلات التي تقيمها مديرية التربية على أنواعها الفنية والأدبية والعلمية فلا بد لهذه الحفلات من دعم قوى الأمن الداخلي لتتخذ حيطة من بعض المخربين لروائها وجمالها وقد يكون هذا التخريب مصدره بسيطاً جداً هو الحصول على بطاقة للدخول تستعصي حوزتها على الطالب فيثور ويغضب وينتج من ثورته وغضبه تجمعه مع رفاقه المفتقرين إلى البطاقة للدخول، ولو كانت الحفلة عامة يتسع المكان لمشاهدة الراغبين بحضورها لما كانت هناك بطاقات محدودة ومعينة للأشخاص.

إن التفرق بين التجمع الكبير كان غير ممكن تلقائياً ولو أن الأفراد أرادوا المحافظة على النظام والامتثال له لانصرف كل منهم إلى عمله غير أنهم أرادوا الدخول عنوة فقذف العابث منهم بالنظام مبنى المدرسة بالحجارة وكسر ألواحاً زجاجية ليظهر بطولته في إخضاع القائمين على حراسة المدخل والسماح بما يخل النظام أو الانهزام أمام طغيان هذا الاندفاع القوي من جمهور المحرومين من خطوة المشاهدة وذلك بالتخلي عن الوقوف بوجهه وعدم السؤال عن البطاقة.

Continue reading "له.. لا عليه" »

الكنز المتواجد

وقال الحب كلمته في الشعر والأدب فدوت في القاعة أبيات، واجتمع فن الشعر وروعة الموسيقا وجمال التصوير ممثلة بأشخاصها في جو هادئ صامت يزخر بالهاوين والهاويات ليستمعوا إلى الشاعر الشاب ممدوح عدوان يلقي بعضاً من قصائده وإلى الرسام ممدوح قشلان يعرض جانباً من التربية الفنية ويتكلم عن الموهوبين وحاجتهم إلى التفرغ وإلى الدكتور سمير ضاهر عن الموسيقار (شوبان) في ألحانه ومقطوعاته.

ولا بد لي بعدما قرأت اسم الشاعر ممدوح أكثر من مرة وبرزت صورته في الجرائد والمجلات أن أقف قليلاً عنده بعدما رأيت طلعته وهو ينشد أبياتاً من شعره وشعوره. لقد شعر فغرد فأطرب ولقد آلمه حزن قومه وشعبه وخسارة وطنه وأرضه فراح يبكي بغير دموع ويرعد ويدوي بدون أن يكون له صوت المدفع وإحراق قذائفه، لقد أضاء شمعة في دروب الحق فاحترقت القلوب قبل أن يصل ضياؤها إلى نفوس المعذبين ممن آلمهم أن يجتمع عذاب الحرمان والجوع بعذاب الحنين والشوق فكان الأول يهب بصاحبه ليرى الجنود المدافعين عن الوطن ويسمعهم صراخه أما الثاني فكان يتصعد الحسرات ليذوب في ظل الابتسامة الوديعة الساحرة التي خلقت منه إنساناً ساهما في خياله.

Continue reading "الكنز المتواجد" »

حرية الفنان

حرية الفنان يجب أن تعطى له بالقدر المحدود لأن اتصاله المستمر بالجمهور يلهب فيه النزعات الكامنة في نفسه التي تجعله يخرج عن طاقته واحتماله. وهذا يتعلق بالتوجيه التربوي والسلوك الفردي. فهل يستطيع الفنان أن يكون قدوة ليحتذي به المشاهد لأعماله وإبداعه في المسرح.

فإذا كانت الرواية الممثلة تحكي قصة الظلم الذي يرفضه كل إنسان فهل يستطيع الفنان أن يحمي حتى نفسه من الظلم الذي يوقعه بالجمهور من جراء الأسلوب الذي صيغ للحوار وبالتالي للتأثير فإذا كانت الرواية من صنع الكاتب الذي ندرجه مع الفنانين كما ندرج إبداعه في مضمون الكلام وحبكة التأليف مع الفن؛ ـ فهل كانت الرواية إلا مما أبدع فكره الذي اشتمل على القليل أو الكثير من تأثيرات المجتمع الذي يحيطه فإذا ارتفعنا بمجتمعه عن الظلم فهل يكون جمهور المتفرجين جميعاً على هذا النحو من الارتقاء.

Continue reading "حرية الفنان" »

عقد المدرسون جلسة

عقد المدرسون جلسة فيما بينهم للمذاكرة بأمور تهم النظام والمحافظة على مصلحة التلاميذ. وكان يرأس الاجتماع السيد المدير وقد نظم جدول الموضوعات التي سيعالجها مع أساتذته. وكان أولى العناية بهذه الموضوعات موضوع تأخر التلاميذ في الدخول إلى "الصف حالما يقرع الجرس " وقد لوحظ أن بعض الطلاب يتهادون في نقل خطواتهم بتؤده كما لو كان جرس الدرس لم يقرع وكما لو لم يكن أستاذ بانتظارهم. وقد عالج هذا الموضوع مع الأساتذة ووافق الجميع على اقتراحه وبالفعل فقد قطع دابر الفوضى بتشديد الحزم بحق المخالف بحيث أراح المدرس والطالب من عاقبة الإهمال في تطبيق النظام وإتباع أسلوب حكيم.
لقد بدا لأحدهم أن يقدم شكواه من ضعف التلاميذ وإهمالهم لدرس اللغة الأجنبية وخاصة "اللغة الإنكليزية " فكان مما قاله في وصف طلابه: إن من بينهم القوي الممتاز حتى ليصح أن يكون المدرس لهذه المادة وبالمقابل فإن فريقاً آخر منهم ليهمل كتابة الوظيفة ومراجعة الدرس بحيث يكون سبباً في إزعاج المدرس وعرقلة للطلاب المجتهدين في متابعة فهم الدرس واستيعابه. وقد اقترح أن يكون لهؤلاء الطلاب الكسالى والضعفاء حد في تقصيرهم وإهمالهم لواجبهم بحيث يمنع من دخول الصف أثناء وجوده مع أستاذ المادة التي لم يألفها لتكون مساغاً له وذلك تأديباً له وعقوبة حرصاً على سير الدرس كما ينبغي له أن يكون وتمنى بالنهاية أن ينقل الطالب الضعيف وظيفته من رفاقه ليثبت بعض الشيء أنه في واجب الانقياد لنظام الدرس من كتابة وظيفة ومن استماع للدرس.
وهنا انبرى مدير الجلسة قائلاً: ليس في النظام الداخلي شيء من هذا ولا من ذلك. ولقد وضعنا إنذارات لمجموعة من الطلاب موجهة إلى أوليائهم ليتبلغوا بمصير أبنائهم إذا استمروا على تقصيرهم وكسلهم في الدروس وكلها تهدد بالانفصال المؤقت أو الطرد الكلي نتيجة لتغيبهم وعدم إحضار وليهم وتبريره تبريراً تقبل به الإدارة ويكون في عذر شرعي. ونحن بمزيد من الاهتمام بالوصول إلى حق الطالب في تحصيله من الدرس والعلم بشتى الأنواع وعلينا أن لا نترك مجالاً ينفذ منه الطالب إلى الفائدة والمعرفة إلا ونستعملها أما إذا استعصى علينا كل الأساليب وطلب منا أن نعمل المستحيل فإننا سنحاوله وبالطبع فمحاولتنا تكون عبثاً إذا أردنا تعليم الهارب من العلم نجد أن اللحاق به ممكن أيضاً إذا كان نهاية الشوط به يصل إلى وليه ليساعدنا على تحويله من عقل مريض إلى عقل سليم يجد في أستاذه ودرسه مادة محببة تدفعه إلى المثابرة فلا يتخلى عن واجبه وامتنانه.
وقال المدير أيضاً إن من بين هؤلاء الطلاب العديمي الفائدة منهم بهذه المادة من هم على غاية من الجودة والمهارة في المواد الأخرى كما أن من الطلاب الأقوياء من يكون مقصراً في المواد الأخرى التي تخص الزملاء فأين هؤلاء من أولئك فالشكوى التي أوجدتها قد تكون موجودة في باطن زملائك. ولكن الفرق هو أنهم يعرفونها ويعرفون الحل السريع لمعضلتهم فيتمكنون من الملاءمة بين ضعيفهم وقويهم وبين أنفسهم ومادة الدرس.
وقال مدرس آخر بادياً شكواه في إجراء التفقد: خلال الدرس بينما المدرس يلقي درسه فاعترضه آخر بأن التفقد يكون من قبل المدرس قبل بدء الدرس بحيث يعيد دفتر الغياب في نهايته بيده. وقال ثالث دفتر التفقد يأتي به الآذن ويظل منتظراً حتى يتم تأشير الغياب. ثم قال رابع لا مانع من استلام الدفتر من الآذن على أن يكون إعادته من المدرس في نهاية الدرس.
ولا بد أن نشير إلى كثرة الاقتراحات وعدم اتفاقها ولكن جواً من الدعابة جعل الأمر سهلاً واضحاً. فالدخول والخروج لا يكلف المدرس إضاعة من الوقت إذا أشير على الغائب منهم بإلقاء نظرة سريعة على أماكنهم. ثم إن الإدخال والإخراج عملية سهلة إما أن يكون المدخل غير المخرج وهو على ضمان المخرج من عدم النسيان فهذا أمر عائد إلى الفرق بين عملية الدخول والخروج أيهما أصعب.
وهنا ساد في جو الجلسة شيءٌ أوقف المعترضون عن الكلام وتهافتت الضحكات من كل جانب وختمت الجلسة وانتهت تدابير الحزم والشدة إلى القضاء على فوضى الطلاب بين قرع الجرس ووجودهم خارج الصف وبين قرعه وانتظار المعلم للدخول.

رفقاً بالعقول اللينة والقلوب المطمئنة والآذان الصاغية

قالت إحدى المعلمات بعد أن ضل عليها الطريق فيما وجدته من تناقض في التوجيه من المسؤولين. كلٌ على حسب معلوماته ومعتقداته وآرائه، إن ما يقوله البعض منكم حول غرض من أغراض التربية وهدف من أهدافها الخاصة والعامة لفي اختلاف وعدم تأييد للبعض الآخر ولو اجتمعوا كلهم على الإصلاح ورفع مستوى الطفل وإننا في أي منكم نتبع ونسير مادمنا مجبرين على الانصياع لوجهة نظر المفتش المسؤول عن حسن سير عملنا في الوظيفة.
إن مجال المناقشة محدود جداً في الموضوع المعطى لنا للتطبيق والعمل به وإن تمسك البعض بآرائه تمسكاً شديداً لا يسمح لنا بإفساح المجال أمام الكلام وترك الحكمة والخبرة لأنفسنا نظراً لتمرسنا بالمهنة والاستفادة من الخبرات التجريبية التي مرت علينا طوال عهدنا بالتعليم ووقوعنا أمام ناظر الطفل في حركاته وتصرفاته بحيث لا يخفى علينا طريقة استعداده وقابليته للفهم والنمو.
كان حظي كبيراً لأني حضرت مثل هذا التبادل بالأفكار والصراحة التامة. غير أني ما كدت أسمع الكلام المعبر عن آلام وأحزان قائله حتى رجعت بنفسي إلى حقيقة ثابتة واقعة وهي أن العلم لا في التعلم بل في القدرة على استيعابه وقوة فهمه فهماً صحيحاً وإن بعض هذه العلوم يحتاج إلى قوة في المحاكمة وتفهم للواقع أكثر منه إلى ذاكرة لا تنسى ما حفظت.
إن اختلاف الآراء شيء وحكمة المعلم في حسن تصرفاته وملاءمته لواقع التلميذ شيء آخر. فليس من الضروري أن يكون الصحيح السالم هو بنفسه واحداً في جميع الحالات فما يصح ويسلم في مجموعة معينة لا يصح ولا يسلم في مجموعة أخرى وإن النظر الثاقب والعين الملاحظة هي الحاجة الكبرى إلى المعلم قبل معرفته بدروس التربية وتوجيهات المربي.
فمن لم يكن عنده مثل نفاذ هذه العين فما تنفعه المنفعة الحقيقية التي اكتسبها من تجربته وخبرته ودروسه. وإن الحصول على مثل هذه القدرة يحتاج إلى الشعور بالواجب وإحساسه العميق بمؤثرات نفسه وتأثيراتها. لذلك كان من الضروري أن تكون المعلمة أو المعلم ابن واقعه ووطنه حقاً فلا يتعالى عليهم فيما يعلم بل يجب أن يحنو حنو الأب والأم على طفله. وما قيل في المعلم يقال في الموجه والمربي الذي أسندت له مثل هذه الوظيفة أن يرفق على أصحاب العقول اللينة والقلوب المطمئنة.

إيجاز مخل وإطناب ممل

لقد ابتليت بالإيجاز الذي قد يبدو لبعضهم مخلاً لحاجتهم الماسة إلى قراءة وشرح الموضوع من ألفه ليائه. ويقابل هذه الناحية أمر ثان معاكس جداً هو أن هؤلاء الأشخاص ابتلوا بالرد السريع الذي يقضي على متابعة الكلام والاكتفاء بالعمل والاستقلال الذاتي. فإذا كان العمل مشتركاً والمصلحة موحدة كان علي أن أضيع الوقت من جديد لإفهام المقصود ولحدوث الاعتراض المعادي والإثارة المتكررة فألوذ بالصمت وأسير في طريق العمل الانفرادي لينتج عنه ما ينتج فأحتاج إلى الدفاع عن شرعية التصرف وإجازته للإطناب الممل أو الإعراض المعيب. كما أني أحتاج إلى تحمل تبعيته لما يتخلل هذا العمل الإفرادي من ضعف وسد ثغرة لحاجته الماسة إلى الاشتراك والتعاون.
فلماذا جاءت منهم هذه الظاهرة ولم تجيء مني ظاهرة الإفصاح والتعبير ولماذا حدثت هذه المشكلة ولم يوجد لها حل إلا الاستمرار في استعصائها حتى تتغير الأشخاص والمكان والزمان. إن جلسائي فقط من هذا النوع فينبغي علي تركهم يتكلمون كما ينبغي، علي ألا أمل وأثور فما الذي جعلهم يطنبون في موضع الاختصار وجعلني أختصر في موضع الإطناب؟! إن ظاهرة الشعور بالفصاحة أمر مستحكم على كثير من الناس فلا يستطيعون إلا أن يتكلموا ليظهروا أنهم أصحاب كلام ورأي ومعرفة وإن إخفاء هذه الظاهرة أمر صعب جداً على هؤلاء المتقولين لأن في صمتهم طمس لمعالم شخصيتهم.
إن عدم التعاون وسيلة لمشاهدة نتائج العمل الفردي في كل منهما إن الردود المثيرة تأتي من اعتراضات هذا العمل. إنه عمل مشترك ولا يقوم به إلا فرد. إن الدفاع عن التزام الفردية يعقبه الإطناب. إن الإيجاز المخل والإطناب الممل لا يجتمعان في مجلس ويؤدي بعدهما إلى التفاهم. إن الإيجاز المخل ليس بحاجة إلى الاعتراض المثير لأنه يتلاشى إلى الإشارة وإلى صمت إن الإطناب الممل ليست سنة متبعة فالوقت من ذهب والنفس أضيق من أن تألف الأخذ والرد وفي حساب العمل السريع والفائدة المنجزة.
إن ظاهرة الصمت هي طبيعة العمل المجدي المثمر، فمن كانت سنته فإنه غير مستعد للكلام في كل وقت وبأي أسلوب كما أنه غير مستعد لسمع ما كان الكلام فيه حشواً وباطلاً ولا يؤدي إلى عمل أو حق.

عتبت على مجلة جيش الشعب

عتبت على مجلة جيش الشعب كثيراً لا لشيء إلا لأن أصدقاءها يذكرونها من حين إلى حين وهي لا تذكرهم. نسيتْهم رغم تعدد الذكرى لها وذكروها رغم إهمالها لهم. كان بودهم أن لا ينقطعوا عن التفكير بها وكان بودهم أيضاً أن تشغلهم كل الشغل لولا عدم إتاحة الفرصة لهم ليذكروا أنفسهم مع ما يذكرون من الأصدقاء. ماذا يعني هذا العتاب وماذا تعني هذه الصداقة وماذا تعني هذه الذكرى وهذا النسيان.
الحق إنه ينبغي علي ألا أعتب لأن العتب يبدأ من نفسي وينتهي إليها، والحق إنه ينبغي علي أيضاً ألا أسرف في هذه الصداقة لأنها جاءت من مشاركتي لأهداف كتابها ومحرريها دون أن يكون لهم علم ولا أكون واقفاً على هذه المعرفة.
وإن ذكري لها هو بالاهتمام بما أجده مناسباً ولو كانت المناسبة غير مقصودة لذاتها وإن ذكري لها أيضاً هو بارتقاب صدورها الأسبوعي ولو كانت لا ترتقب أن يقرأها صديق لها أو لم يقرأ. إن نسيانها لأصدقائها فيه وجه من الحق لأن أصدقاءها كثيرون وهم على اتصال معها بالقول والفعل.
أما اتصالي فهو لا يعدو عن رسالة مكتوبة من حين إلى حين تدخل إلى مستوى القلب أكثر ما تدخل إلى مستوى القضية. فعشاق الرسائل كثيرون أما عاشقو الإحساس بآلام الجماهير فهم أكثر ولا أدري أكنت موضوعاً في صف هؤلاء الناس أم في صف غيرهم ممن يكتب وتهمل كتابته ويقرأ وليس لفهم القراءة عنده أي دليل، وينظر ويسمع فلا يختلف النظر عنده عن السمع في الإعجاب والتقدير وفي المنحة والعطية.
إني أحب أن يكون للمهتمين بمجلة جيش الشعب اهتمام عند محرريها فلا يكتبون المواضيع ويغفلون أن لكتاباتهم قراء وإني أول هؤلاء القراء وإذا لم يسعفني الحظ في قراءة كل ما يكتب فإني أهتم بكل جديد يطرأ على تبويبها ومواضيعها ومحرريها.
هذه كلمة فيها كل العتاب ولو كان محررها يعتب كثيراً، وهي أيضاً كل الاشتراك بما تصادفه من عقبات ولو أن المساهمة في تحقيقها لا يكون بمسك القلم والخط على الورق. وآمل أن يحمل البريد كل أعدادها بحيث أجدها فرصة جميلة للمطالعة لا للتعليق ودمتم

أردتها كلمات

أردتها كلمات تفعل في النفس سحرها في جاذبية الجمال فما وجدت أبدع من لفظة ماء يسمعها الصادي ويراها في عينه ثم توضع في متناوله ذرات سائلة ليعب منها جرعات تطفئ ظمأه وتروي عطشه.
وأردتها كلمات تتحرك دافعة ومندفعة وحركة التيار الكهربائي تسري في الجسم بسرعة البرق فما وجدت أقوى من النجاح يفوز به المتقدم للتجربة والفحص وكأنها في تلهفها للسمع والرؤية جناح طير وميكانيكية آلة وتدفق موج وضياء قمر.
وأردتها كلمات تنفذ سهاماً وتقتل عدواً فما كانت إلا صدى لإيمان قوي من شعب متحد عرف طريق الحياة ولم يغفل عن واجبه فكان صوته صوت رجل واحد يتقدم فيتبعه الجميع.
وأردتها كلمات تكتب على ورق بحروف واضحة ومعان مقروءة ثم تترك في النفس أثراً لا يمحى فتشت عن المداد والقلم والورق فما رأيتها إلا نظرات ثاقبة تلوح من بعيد وتنبض بالحياة والقوة فتترجم عما سيكون وإذا بالمداد دماء القلوب وإذا بالأقلام صداقة الأفراد وإذ بالورق وجه الطبيعة يتسع ليقول كل صارخ قوله الحق موحداً.
أردتها كل ذلك فوجدتها عملاً متصلاً وصبراً طويلاً وتضحية مستمرة وخبرة متكاملة واندفاع يجذب الإنسان إلى أخيه الإنسان لكي يشفى بعد مرض ويسعد بعد شقاء ويطمئن بعد قلق وينتصف بعد ظلم.
وجدتها في الحديد والنار لنصنع من الأول سيفاً يقطع ويداوي ومن الثاني احتراقاً يذيب لإعادة البناء من جديد على ضوء التحليل والتركيب.
أردتها كل ذلك فرأيت تلفظها للحاجة وقوتها للعلاج وإشعاعها للنور والهداية ولعلها في كفاية الحاجة متعة تدفع لمتعة أخرى تنشيطاً ونمواً ولعلها في برء السقيم من مرضه ما نضم إلى القوة مدداً آخر فينطلق بالغناء بعد الأنين ولعلها في إشعاعها إشراق لبعض النفس التي خبت نورها فكان أن سطعت كباقي الأنوار وأضاءت ما حولها من الظلمات.

لك قلم يكتب

لك قلم يكتب وليس لك يد تحركه فاعطني قلمك لأعطيك يدي. لك عين تنظر وليس لك الإحساس الذي يهيج فيك الألم فاعطني عينك لأعطيك مشاعري. لك قلبك الخفاق وليس لك نجواه فاعطني قلبك لأعطيك أسراره.
ماذا يعمل القلم إذا كان في موضعه جامداً وماذا تعمل اليد إذا كانت مغلولة. فقد حبس القلم عن الجري كما حبست اليد عن الحركة. ماذا تعمل العين إذا لم تكشف حقيقة مجهولة وماذا يعمل الإحساس إذا لم يكن صاحبه أديباً. فقد غضت العين عن النظر كما تبلد الإحساس عن الهتاف. ماذا يعمل القلب الخفاق وهو واقع تحت الحجر وماذا تعمل المناجاة إذا كانت بين الإنسان ونفسه فقد سكن القلب كما سكنت المناجاة.
عثرت على إنسان يعرف الحقيقة ولا يقولها فقد كفانا ما وجدناه من إنسان يقول الصراحة ولو مزقت ستر المحبة والصداقة. عثرت على إنسان لم يكن بالحسبان أن يجمعني به صلة فإذا ما بدأت هذه الصلة بالارتباط والمتانة وجدتني مضطراً إلى التصفيق والفرح له بقلبي ولو أن قلبي خرج مني إلى حيث لا يريد الرجوع.
حزنت لعدم التفاهم بيني وبينه باللسان وفرحت كل الفرح للتفاهم بيني وبينه بالمشاعر. فاللسان يكذب لكن المشاعر لا تكذب.
إنساني الذي عثرت عليه هو أمنيتي فيما أكتب وأحس به لا فيما يكتب دون أن يشعر بي فقد ضيعت عليه فرصة المسارة والبوح لأجدها في فرص أخرى لا تضيع مني بعد المسارة والبوح. إنساني الذي عثرت عليه هو القلب الكبير الذي يحفظني إذا ما ذهب قلبي والذاكرة الحافظة التي لا تنساني إذا ما نسيت نفسي.
فاحفظ اللهم قلبه لأجد قلبي فيه إذا ما فتشت عنه واحفظ اللهم قلبي لأجد قلبه في نبضات قلبي. فإذا ما تم ذلك عادت لي حركة يدي ونظرات عيني.

بين الحقيقة والواقع وبين الذاكرة والخيال

بعد أن خرج من الحفلة التي أقيمت لسماع محاضرة في موضوع القصة القصيرة وسرد نماذج مختلفة منها رأى نفسه أنها بحاجة إلى الخلود للراحة والسكينة فعاد إلى بيته ينظر ما حوله كأنه أراد أن يغير حالاً ويصيغ منهاجاً لأن في حقيقة حاله دافعاً إلى التغيير وفي طبيعة منهجه برنامجاً مغايراً لما يجب أن يكون. فإذا ألم نفسه المنظر الذي كان يحيط به وهو مرض طفله وإذا عذاب روحه من الصراخ المزعج المدوي في أذنه لا يتركانه يرتاح ويسكن كما كان ينبغي أن يكونا له وسيلة وأملاً.
أمسك بالهاتف وأدار قرصه نحو رقم الطبيب ليحضر إلى طرفه يحمل معه الأمل والرجاء فليس في ذهنه معرفة الجراح وإعطاء العلاج تخلصاً عملياً. لقد وصل الطبيب ووضع كل مهارته في تخفيف العذاب الذي شغل المريض وأهله في الدار ثم ودع بعد أن حقن الطفل جرعة من الدواء وزرفه في العروق والأعصاب.
إن مرض الطفل كان بسبب تدهوره من السلم العالي الذي لم يصعد إليه بتأن وحذر ولذا فإن نصيحته لا تنفع بسبب استمرار طيش الطفل وحاجته إلى التسلق عليه بكل يقظة ووعي.
كان موضوع القصة التي تناولها المحاضر هو اهتمام الوالد بإزالة العقبات التي تسبب ضيقاً وتبرماً بالمكان أو الزمان أو الأشخاص وكل ما من شأنه أن يقف حائلاً دون تعكير صفوه وهنائه وذلك بإسعاد كل ما من حوله من المعذبين من بني الإنسان. إن المكان الذي غادره وهو متألم بسبب وطأة المرض الذي ألم بأهله هو نفسه الذي عاد إليه ليشغله بحاضر الزمن دون الغوص في قرارة نفسه. لقد فكر بالصحة والعافية لمرضاه ولقد آمن بالطب والعلاج والوقاية ولقد سره أن يجد من يسعد برؤيته وسماع حديثه ولكن ذلك لفترة قصيرة عاد بعدها بكاء الطفل وعويله وضيق المكان بالحصول على الهدوء والسكينة.
وبينما هو آخذ طفله في التدرج شيئاً فشيئاً إلى الشفاء إذا هو والده ينتقل بذاكرته إلى هياج النفس في حالات الخوف والغضب واليأس بحيث لا ينفع معها درس لواعظ أو إيمان لعقيدة جاءته من مقاومة النفس بما تلاقيه وتجابه من شدائد وصعوبات. فليس الموت هو الموت الذي يسهل التلفظ به دون الصبر على آثاره وليست البطولة هي البطولة في استقبال الموت بروح راضية مطمئنة ما دامت النفس تجزع عند وقوع الحادث.
ذهب إلى الطبيب ليستشفى كما شفي ولده فراع الطبيب أن يكون الأب أيضاً هو المريض الذي يجب علاجه وتطبيبه ولكن أنى يكون له الدواء والمرض عضال حيث أنه مرض في إنشاد الفرح والسعادة للجميع وهما مستعصيان وليس أيسر من ذكر الموت للتخلص من الحياة بكلام لا يؤيده حقيقة واقعة جميلة.

من وحي أمسية شعرية في اتحاد الكتاب العرب

الإحساس الهادئ مشكلة والإحساس الثائر أيضاً مشكلة فاختلافهما أن الأول تحركه الانفعالات العاطفية والثاني تحركه الانفعالات العقلية. إن الإحساس برؤية الجمال. يختلف عن الإحساس بفهمه وإدراك سموه فكلاهما يخفق له القلب إلا أن في الأول يكون الشوق إليه قريباً من المتعة الروحية أما في الثاني فيكون الشوق قريباً من المتعة العقلية التي تتجلى في سمو الخلق وعظمة الصنعة وجاذبية الإبداع.
ما أكثر ما ينتهي أصحاب الإحساس الهادئ بهم إلى المرض والذبول ثم إلى الموت وما أقل من ينجو منهم من ذلك بحيث يستطيعون أن يتماسكوا في الحياة فيتبقى ذرات المقاومة منهم تجالد الصبر على الفناء إلى آخر لحظة من الإحساس ما أبعد ما ينتهي إليه أصحاب الإحساس الثائر من الشكوى إلا إذا كانت هذه الشكوى إخفاقاً في طلبهم بعد صراع مرير وليس هذا الإخفاق يترجم عن مرارة الشكوى وإنما عن ازدياده بحيث تصبح الشكوى منهم لا لهم.
إن الحياة التي تعطي المسميات لأصحابها فتسمي الموسر ذات اليد الطويلة بالكريم والشجاع وذو الإباء والتضحية. ولا يكون من هذه التسميات شيء لما يوصف به من حرم حق الحياة ولم يحرم الشعور بها والإدراك لمفاهيمها.
إن الإحساس الهادئ بالحياة يعني إحساس بجمالها وبعد كل البعد عن العيش مع هذه الرغبة التي تكون حاجة من حاجات وجودهم. إن الإحساس الثائر بالحياة لا يعني إلا تمرد عن هوى النفس ومرادها إلى هواها عما يريده العقل والمنطق. فالشكوى التي تلاقي هواها في صاحب الإحساس الهادئ تتعمق في إحساسه حتى تأخذ منه القلب والروح. إلا أن هذه الشكوى عند صاحب الإحساس الثائر لا تلاقي إلا قدرة في النفس عن الابتعاد إلى ما يعمق هواها إلا أن هذه الشكوى عند صاحب الإحساس الثائر لا تلاقي إلا قدرة في النفس والابتعاد عن ما يعمق هواها إلى النهوض بها لتخرج من هوتها التي تفصل الضعف عن القوة والسقم عن الصحة.
إن الشاعر الحساس الهادئ ليقضي معظم وقته وهو ينظر فيتألم فيعبر أمام الشاعر الحساس الثائر فهو لا ينظر قبل أن يثور ولا يثور إلا بعد أن يرفع بمرآه ما هو غير لائق بالحياة ولا جميل مستحسن عند عشاقها. إن الشاعر الحساس الهادئ بكاؤه دموع تصب في قلبه أما الشاعر الحساس الثائر فبكاؤه دم ينصبٌ من مقلته فيأخذ لون الدمع.
إن المواهب الشعرية تتجلى في حب الطبيعة والافتتان بجمالها فإذا كانت هناك آلام بشرية معذبة كان الاهتمام بها مما يجعله يبكي بدلاً من الفناء والوصف وليست دموعه ظاهرة وإنما هو إلحاح وهتاف ونشيد يصدح فيردد معه من سمعوا الشكوى ليرددوا أناتها بفرح وغضب فرح الحياة بأبنائها وغضب الأحياء للوصول بهم إلى هذه الحياة.
عرفت الشاعر وصفي فأعجبت بشعره دائماً وإني لأتصوره في جلسته وحركات يده ونظراته وإن الإحساس بكل ما يسمعه الإنسان ويراه ويقوله إحساسٌ عميقٌ لما تتأثر له الجوارح وكان شاعرنا لمن هذا النوع حتى كانت النتيجة أن ألم به المرض وقعد في بيته. وإن رواية بعض أشعاره من أصدقائه والاهتمام والتعقيب على هذه الأبيات جعل من الأمسية الشعرية ساعة صفاء يخلو بها الإنسان إلى حياة بعيدة عن المادة وتعلق كلي بالروح وتحليق عال في سماء الخيال

حيلة ولكنها دعابة

حيلة ولكنها دعابة وإساءة ولكنها مهارة، أخطاء النظر في قياس الأبعاد وأخطاء الإدراك في قياس الحجوم حقيقة لا يمكن تسميتها بالحيلة وكذلك الحد من رغبة الإنسان فيما يراه بسيطاً وأمراً سهلاً بالنسبة لذاته وبالعكس بالنسبة لغيره حقيقة لا يمكن تسميتها بالإساءة وإنما جئت بهذا كله لأتخلص من أمر كان يبدو صعباً عسيراً علي ولكنه سهل على غيري.
هذا الأمر هو التجزئة والتقسيم لشيء تام بذاته فليجزئ منه غير صاحبه فهذا الكل ليس هو مأكولاً قابلاً للانقسام وليس هو مادي يمسك ويحس بل هو معنوي مُشِعٌ من النفس وإليها. لقد جاء هذا الموضوع كاملاً إلى من أودع أمانته ولقد جاء الموضوع في إحساس عميق يشع من تحرك العاطفة وانبعاث الضمير وهيجان الفؤاد ولقد بعثت به إلى من وَثقتُ به ليضعه في تصرفه، إنه لم يسئ إليّ في احتفاظه وعدم الإفصاح عنه ليقرأ في الجريدة ويعلم به كل مطالع لها.
إن حاجة الورق لأصحاب الجريدة تمنعهم عن الترخص والسهولة بالنشر لكل موضوع ليس لهم منه نفع وكذلك ما يلزمُ إليهم إلزاماً يمنعهم مما يعطى إليهم حشواً ورغبة هذا من جهة ومن جهة أخرى فإني رأيت أمراً آخر غريباً إنني وضعت التصرف لمن يحسن القيام به وقد وضعت أمر هذا التصرف النشر وعدمه والكلية أو التجزئة إلى أخي العزيز رئيس التحرير بكاملها، لذلك أحببت بعدها مداعبته بأخطاء النظر والإدراك لعله عرف المقصد أو لم يعرف غيره.
أنني أبوح له الآن بهذا السر وبسر آخر هو معرفتي بكل ما يحيط به من صعوبات فهو حيناً ناشر وحيناً منقح وحيناً مختصر وحيناً مطنب وأخيراً يجمع بين رغبة القراء في استخراج الموضوع ورغبتهم في الانصراف عنه وبعد هذا كله يجمع بين قبضة الماء وقبضة النار وهما أمران مستحيلان ومران، إنني يا أخي أرسل حكيماً ولا أوصه أسمع بأذني ضربات المطرقة فيهتز لها فؤادي وأحس بنفسي بآلام الصمت فيعود قلمي إلى الكتابة، إني أحببت أصوات المذيعين لأن لها في قلبي إذاعة خاصة وأحببت إذاعة قلبي لأن فيها خطوطاً تسطر وأحرفاً ترسم ونوراً يهدي الحائرين من أبناء أمتي ووطني.

الراحة والعذاب

الراحة والعذاب والتفاعل بينهما متلازمان معكم ولا ينفك أحدهما عن الآخر إلا عندما تخلو بنفسك مع الكتاب والقراءة وما شاهدته وتشاهده من الصحيح في النطق والقراءة وسمعته وتسمعه من البليغ في القول والمأثور في الحكم. وأنى لك ذلك فهل أنت وحيد نفسك في بيتك ووحيد نفسك في التعامل مع الآخرين وأعني بذلك أن الكتاب مفتوح ومغلق والصوت لا يتجاوز إلا صوت قلبك وعقلك وذاكرتك وسمعك أي أنك تتحرك لتمشي مشية الذاهب إلى المطالعة وتنتقل لتقف وقفة المعد نفسه للطعام، وتبدأ لتعاود الكرة بعد الجهد وتعويض العناء إلى الاستماع إن كان في الحديث أو في القراءة لتمرح بما تعرفه من تصحيح لما كان فيه الخطأ وترشيد لما فيه من جهل.
هل أنت في حجاب وحصن مما لا تسمعه ولا يكون الرد عليه إلا في جملة الانفعالات التي تبدأ ولا تنتهي. إن الرسائل التي تردك هي متعة بالنسبة للنشاط الذي تستعيده بعد فرط الجهد في إيجاد المخرج والحل بالنسبة للغة التي تطلب إليك المزيد من الإيضاح وأنت قادر، والمزيد من التعليم وأنت المشفق على صاحب الرسالة من الوقوع في الخطأ مرة ثانية ولأضرب مثلاً على ذلك.
يقف أمامك طفل ليبادرك السلام والمحبة فهل يمتزج سمعك بالخير الذي يدركه الطفل لدى قوله: "صباح الخير" كما يمتزج بالصباح الذي يغدو به وهو لا يعلم متى يأتيه المساء لينام والغد ليصبح قوياً قادراً علىالقيام بالواجب ومعنى ذلك أن الراحة النفسية تأتيك من التصحيح له في الخطأ كما أن العذاب يأتيك من التبسيط له في الفهم والاثنان متلازمان.
وقد يقف الكلام ليبدأ التصور في مضمون الخير الذي أعدته الحياة له ومضمون الغد الذي أعده الصباح المشرق والمسافة في الزمن هو الذي ينطلق به إلى المجهول فلا يعلم إلا الكلمات التي تعلمها من حوله ولربما كانت كلها خطأ في المبنى والمعنى فالسرور يتكرر معك طالما التصحيح يبدأ والعذاب يتكرر طالما الخطأ لا يقف عند حد وبينهما وبينك دلائل مما جاءت به كتب العرب من التفسير للكلمة التي لم تكن في مكانها من الصح والاستعمال.
أردت بهذه الكلمات قدرتك على التصحيح فيما تسمعه فهل يكون الاستماع على ما يرام. إن الأصوات المغلوطة التي تأتيك من قرب يمكن لك أن تصححها أما الأصوات التي يقذف بها عن بعد فقد تثيرك غضباً شديداً ولا يهدأ غضبك إلا عندما تعود بنفسك إلى المطالعة والتصحيح. اللغة العربية والنطق السليم بها متعة ما بعده متعة وأجمل منها حب التعليم لها وقبولها منهجاً وسلوكاً وتوجيهاً.

أبسط أمر وأعظمه

أبسط أمر وأعظمه أن تطلب إلى زوجتك الكتابة إلى والدك في الوقت الذي لا يمكنها أن تمسك بالقلم وتخط سطراً واحداً لا لشيء سوى أنها تمتنع عن الموضوع وتعارض ذلك أشد المعارضة، وفي ذلك أكبر دليل على أن الكتابة لا تخرج إلا عن القلب والعقل وفيها امتحان كبير لهذين الأمرين.
إني واثق أن الكتابة من زوجتك لا تعني شيئاً تافهاً فهي تعرف أهمية الكتابة والتعبير عما في النفس في الوقت الذي تشعر فيه كل الانقباض لا من الكتابة تحفظ بل بذكر والدك فتسمع صوتك ولا تغضب أو يبدأ غضبها في الهياج.
إني ألح في هذا الأمر لأني متأكد أنك لا تستطيع البت بموضوع ما دون عرض الموضوع أمام زوجتك فهي توافق أو لا توافق غير أن عدم رضاها يثير مشكلة لك كبيرة. إني أعتبرك نصف إنسان والذي يكملك هو زوجتك ولذلك لا أجد في الرسائل التي تكتبها إلا قلماً يربح وما أكثر الكلمات وأقل الأفعال.
لا تغضب من الحقيقة وقد حرصت كل الحرص ألا نكون مثل هذا الوضع غير أن الذي يرسخه في شخصك هو أن زوجتك على حق ووالدك على باطل ولذلك تجد انصياعاً لقولها ورجوعاً عن قولك.
ماذا صنع لها والدك حتى تتفحص مثل هذه الشخصية في تصرفاتها أحبته وليس والدك إلا جزءاً من هذه المحبة التي تدعي أنها أعطتها لك وفي الحقيقة أنها لم تعطي لك إلا ما يثور غضبك فتهدأ وعندما تهدأ لا تجد شيئاً من عطائها لك سوى أنك زوجها ووالد طفليها وفي ذلك إسكات لك وتدعيم لها.
وما يضرني أن تكتب أو لا تكتب غير أن في كتابتها رجوع عن المفاهيم الخاطئة التي بنتها ومن العسير العدول عنها والرجوع فيوم آمنت بكذا من الفهم عن أبيك دعمت هذه الفكرة كنت على يقين أن هذا الفهم لا يخرج عن فهمك وشتان بين براءتها وبراءتك تجاه والدك الذي لا تعرفه إلا بعد أن تزوجتك فهل كانت معرفتك بأبيك من التاريخ والزمن والأخذ والعطاء.

هل عندك قلم وورقة

هل عندك قلم وورقة فإني أريد الكتابة فلا أستطيع بدونهما أن أفضي إليك ما بنفسي، هل عندك نور وزهر فيكفي لوجودهما أن ترتاح نفسي لأستوحي وأستلهم، وهل عندك كرسي وطاولة لأن المقعد المريح وأمامه المسند تجعلاني أستقر ولا أتزعزع بقي أن أذكرك بأن اليد التي تمسك بالقلم لتكتب لا ترتجف بعد ذلك الاطمئنان الذي أتاح لها سرعة السرور فلا تتباطىء، ودقة التعبير فلا تتلكأ وصدق الأمانة فلا تتردد في نقلها لمن يحبها ويعشقها.
لماذا تمنعني عن هذا وذاك فإن الأقلام كثيرة ولو استعنت بواحد منها بحيث يعود إلى وضعه الأول سليماً مباركاً ولماذا تحجب عني النور فهو ضياء لي لأستهدي طريقي إلى الخير والسلامة ولماذا لا تمنحني ذلك المقعد لأجلس عليه ويعطيني قوة الدفع في الراحة والسعادة.
هل يأتي الخير من القلم إذا لم تكن اليد التي تمسكه قادرة على الشطب متى أرادت وعلى التسجيل متى أحبت وعلى التثبيت للواقع أو الأفكار له متى حق لها أن تعترف ولا تجحد. إنه بين تفريغ هذه الأماني وهذه الأمنيات وبين حصرها كامنة لا تعرف النور تطابق في العيون التي تتلألأ ولا يعلم بها أحد وانسجام في القلوب التي تحب ولا يجس نبضها طبيب.
عد بي إلى الزمان فترى أن حركة التصحيح جاءت لكي لا يشكو الكاتب من فقدان قلمه والمتبصر من رؤية النور فقد عز القلم لمن يحب أن يتناوله والرؤية لمن ليس في عينيه ظلمة. عد بي إلى الزمن الماضي فترى أن حركة التصحيح جاءت لتسمع صوت القائل في تعبيره وصوت المحب إلى حنينه فقد كان هذا الصوت لا يستطيع الإفهام لأنه لم يجد شيئاً فيجري اللسان فيه ولم يسمع ما تردده نفسه فتبوح بالأسرار والحكم.
أين قلمي الذي لا يفارقني كلما دعوته استجاب؟! وأين طاولتي التي عليها أرتكز كلما أحببت أن تكون المسند؟؟ وأين صفيحة الورق البيضاء التي يجري عليها قلمي أملأها من وحي ضميري ومشاعري؟؟ هل هناك قلم لم تعد به الكتابة صالحة فأستبدله بقلم آخر وهل طاولتي لم تعد للارتكاز صالحة أيضاً؟ وهل اسودت جميع الأوراق فلم تخلو ورقة فيها فراغ للتعبئة!!
الحقيقة إن قلمي ليس على هذا النوع من السوء وما كان يجعله قديراً على الكتابة إلا رباطة الجأش التي أملكها حينما تشتد الأزمات وما الطاولة التي تهزني وأنا أستند عليها إلا من عدم استواء الأرض التي ترتكز عليها وما الورقة البيضاء التي أحتاج إليها إلا الورقة التي لها قياس صحيح في الطول والعرض والتي إن وقعت عليها الكتابة فلا تتمزق من رقتها أو لا تظهر عليها الكلمات من خشونتها.
إذن ما العمل وأنا لا أستغني عن القلم والورقة والطاولة والكرسي؟! حسبت ألف حساب لأن يكون القلم كاتباً وليس صاحبه بالكاتب وحسبت ألف حساب لأن يكون الكرسي مقعداً وليس الجالس عليه مجاملة وأخيراً حسبت ألف حساب للطاولة التي لها أربعة أرجل أن تقع فيقع معها من أراد لها خيراً وهي لا تدري.
إن في هذه الحسابات جميعها قلقاً يجب أن تطرح من الفكر لكي لا تبقى عبئاً على الأفكار غير أن هذه القلاقل إذا طرحت أنست الإنسان حاضره فعاد يفكر من بعد الانتقال منه إلى المستقبل وهل المستقبل مضمون إذا لم يبدأ بالحاضر الجيد الذي يشرف عليه بعد ثوان معدودات.
من أين نأتي بالقلم والكرسي والطاولة الجيدة إذا كانت صناعتها جميعاً غير جيدة، ما هي الأدوات التي صنعت منها والمهارات التي أوجدتها فالصناعة الجيدة تتطلب فناً وصبراً وثباتاً وقدرة وبعد هذا علينا أن نقدر جهد العامل فنجزيه بما استحق من عناء وجهد. هل تستهلك هذه الأدوات ولا يستطيع المستهلك أن يعوضها بما يفقده من القدرة على الشراء ثانية؟! إن في الحفاظ عليها لوقت محدد وبعده لا بد من تبديلها وتجديدها ولكن لتعرف أن الثمن الذي كانت تشرى به أصبحت ترتبط بقدرة العامل على توفير موادها التي كانت رخيصة ثم ارتفع ثمنها.
إن للتعويض عن هذه الحاجات هي أيضاً في التعويض عن الحاجات الأخرى التي بها يشتد الساعد ويقوى وتتأكد النفس وتطمئن وتعود الحياة للإنسان سليمة من كل شكوى.

عزيزي المحرر

عزيزي المحرر أنت معي دائماً ما في ذلك شك يجمعنا ذات الرسالة وتفرقنا المهنة ومع الجمع والتفريق تشابه رغم التناقض فالتفريق يكون بعد الجمع ولا بد من إعادة الجمع للحصول على فائدته. عزيزي المحرر! لو كنت مكاني في الكتابة لما كنت تجعل كتابتك إلا في غموض ولو أن الموضوع كان صريحاً ولو كنت مكاني في الكتابة لما كانت نفسك إلا أن تقع في نفس الخطأ المقصود، إني أكتب لأجعل الموضوع قابلاً للتفسير في الوجه والزاوية التي يرى منها القارئ نفسه، ومع ذلك ومع كل هذا فالموضوع لم يكن خافياً على جماعتي من الزملاء لأن لهم مساساً كاملاً بالشكوى والألم.
عزيزي المحرر كان علىّ أن أحمل مسؤولية الكتابة فيما أنا أكتبه وكان علىّ أن أنطلق من زاويتي التي فيها أتألم دون أن يشعر بألمي أحد، إن ألمي من نوع جديد وإن نفسي أيضاً من نوع جديد، وأخيراً إن حياتي من نوع جديد.الصراحة التي أحملها معي هي صحيحة ولو كانت موهومة، موهومة لأنه لا يدعمها إلا صوت صاحبها، أما صوت صاحبها فقد بح حتى أصبح متقطعاً يدوي من حين لآخر وما يدوي إلا بعد أن يئن وما يئن إلا بعد يأس.
عزيزي المحرر قاتل النفس له جريمته الظاهرة، أما قاتل الروح فلا يكشف جريمته إلا العارفون في القضية وقد ينفي جريمته بقوة مركزه ونفوذه وقد يطمس ذنوبه وآثامه بقوة الدفاع والتأييد، وقد يعجز لسانك عن وصف حقيقته ولا يعجز قلمك عن تبيان حقيقته، وقد يقوى لسانه على ردك وإسكاتك ولكنه لا يقوى على إخفاء معالم التاريخ ولا صرح المجد.
عزيزي المحرر: إن الكتابة أقوى وأضعف إيمان لا شك فإذا أردت جعلتها مستنداً وشاهداً لك أوعليك فلنحمي قلمنا بما ييسر له من إتاحة الفرصة للإسماع والإفهام فيدخل صاحبه في الجو الذي فيه يفيد القارئ من كتابته ويستفيد القارئ من جلاء الشك والغموض عن كتابته.
عزيزي المحرر: ليت لي عصبك الذي يشتد قبل أن يكتب ولا يتراخى بعد الكتابة، إذن لكنت المسمع المدوي صوتي في جو الوضوح دون أن يتزعزع أو يحشرج في صدري لأحسب ألف حساب لكامل المقالة من التفسير تفسيراً أعوج يبتعد كل الابتعاد عن جادة الصواب وليس له مساس بالمصلحة الخاصة وله كل المساس بالمصلحة العامة.

حقيقة وواقع

حقاً إن مهنة التعليم من أدق المهن وأنبلها فهي تخضع لرقابة من الضمير مع ما يصحبها من قدوة حسنة في السلوك والكفاءة والمرونة، وليس القائم بهذه المهمة إلا إنسانٌ تمتع بقوة الصبر والقدرة على ضبط النفس من النزوات المفاجئة التي تخرجه عن مزاجه فيغضب ويثور وما عليه إلا أن يهدأ انفعاله فيصبه بقالب الرحمن حيناً والسياسة حيناً آخر متبعاً في ذلك حكمة الحكيم الذي يتصرف حسبما تقتضيه المصلحة وتسيره الضرورة مراعياً في ذلك سن الطالب وفهمه لما أدرك من خطأ الفهم فيصحح مفهومه ثم بعدها يستطيع أن يوجه الأمر بما ينبغي أن يكون بعدما كان بما هو في غير مصلحته.
إن الانحراف إذا كان عاماً فإن هناك ضرورة لإظهار بطولة معنوية فيها كل المهارة لتأخذ بأسبابه وتعيده إلى حيث يجب السير في تركه، فالعقول الظامئة للعلم لا تقبل أن يداعبها شيء من الخيال العابث بالاستفادة ولذلك فهي تتمرد وتضطرب. وكذلك النفوس المستكينة للهو والطيش فهي أبداً على طرفي نقيض من محبي الانتباه والتعلم.
إلا أن وظيفة المربي هي جمع هؤلاء المتناقضات بحيث يرفع الثانية إلى طبقة الأولى وينزل بالثانية عن الغرور وإعجاب النفس ليعتبر الجميع أنفسهم أخوة في الدراسة والواجب بمعنى أن عليه أن يكون صارماً في إلقاء المعلومات وسهلاً في الأسلوب الذي يتقبله كل منهم. إذن عليه أن يدرس طبائع النفوس وتمايزها وحاجاتها فلا يقسو عليها حينما تعجز عن إدراك ما ليس باستطاعتها إدراكه ويتوصل إلى هذا الإدراك بالتبسيط واتخاذ الأمثلة الحية من واقع الحياة التي يعيشها الطالب.
لا أريد أن أثني بما وجب علي ثناؤه تجاه مسؤولي وذلك بوضع الكلمات المجردة دون التجربة والاختبار. ولقد أبدأ بنفسي من خلال تجربة مرت عرضاً واستفدت منها فائدة أولها وآخرها أني لأول مرة رأيت مسؤولاً أعلى يعتذر لمسؤول دونه في المرتبة لعدم إيضاح الموضوع الذي أغضبه ولما انجلى الأمر أمامه كان ذلك الإنسان الذي تفهم أن الفضيلة كل الفضيلة هي الاعتراف بالخطأ.
ولقد خبرته بنفسي أيضاً فكنت أتجاهل وجوده لانصرافي بواجبي ولما تأكد أن العمل يقوم بأحسنه فإنه لم يتخذ للمظهر قيمة اعتبارية بل جعل معرفته بالآخرين هو الدافع لتقديرهم أو عدمه، بمعنى أني أترك له الفرصة للاطلاع عن بعد حتى إذا انقضت فترة قصيرة فإني أعود بعدها للأخذ بمراجعته والاستفادة من ملاحظاته.
إن كلمتي هذه هي بمثابة حاجة المدارس والمدرسين إلى مثل هذا المرشد فهم يعتقدون أن المعلومات وحدها تكفي لملأ رؤوسهم غير انهم بعدما يقفون أمام الواقع المرير فإنهم يحتاجون إلى إرشاداته وخبرته وهم يستفيدون منها لا عن قصدوإنما بعد معالجة القضايا والمشاكل.
هل عرفت بعد ذلك من هو هذا المسؤول ؟ ! لقد قضى في الخدمة نحواً من خمس وثلاثين عاماً وهو لا يزال شديد المراس للقيام بواجبه نحو عمله وإخوانه.
بقي علي شيء واحد أقوله مضطراً : إني أصمت لأسمعه يتكلم وبعد أن يتكلم أصغي إلى نفسي قائلاً : هل فهم الآخرون ما أعنيه قبل أن يحدثهم المدير وهل فهموا ما يعنيه المدير وهو جواب للرد عليهم حين لا ينفعهم الرد.
16/4/72

يبدو لي الطفل

يبدو لي بشار الطفل الذي عرفته صغيراً في سن السابعة من عمره هو نفسه بشار الشاب الذي يقوم اليوم بدور المشرف على نشاطات الشبيبة، فهل أنا واهم فيما تذكرت وما رأيته من ملامح الطفولة ليأتي الجواب صحيحاً وواقعياً وما العظة في ذلك؟
أذكر جيداً تلميذاً في منتهى الوداعة والائتمان والطاعة تصدر المقعد الأمامي من الصف الأول ويدعى بشاراً والذي يعرفه وهو صغير ويتأكد من صورته وملامحه لا يخامره الشك أنه ذات النموذج الجديد من تلك الطلعة البهية.
إني في موضوعي أبحث عما تكون الموهبة وهي في بدايتها لتدل دلالة واضحة عنها في الذات وقد نمت وترعرعت. أما مراحل نموها فأجهل عنه كل الجهل إلا ما كان من حاضرها المشرق المتنبئ عن ولادتها وهي مجهولة المستقبل.
ما الذي ألح علي لطلب المعرفة وقد نسيت الطفل إلا ما كان من وجود هذه الشخصية وهي شابة مؤمنة بمبادئها محققة لطموحاتها هو الذي أحيا ذاكرتي وأعاد لي صورة الطفل وهو يمتاز عن رفاقه بحبه للنظام والهدوء وبمراعاته لواجباته من كتابة وظيفة وتسميع درس.
إن أخطأ تقديري لهذا الإنسان الذي مضى على معرفتي به نحواً من ثلاثين عاماً فهو أمر طبيعي لأني بعدها لم أره ولم أسمع صوته إلا على التلفاز وأمام المكرفون يسأل ويصغي ويبارك بالجهود التي يقوم بها كل شاب بدوره إن كان في الدراسة أو في العمل الشبيبي. ما الذي يحقق لي هذا التشابه بين الطفولة والشباب وبين التلميذ والمرشد هل هي الصورة التي تبدو وقد كبرت ونمت في روحها وبريقها ونظرتها مطابقة للصورة التي كانت يوم عرفتها لا تستطيع الكلام إلا إذا سمح لها ذلك ولا تستطيع معرفة الأمور إلا بعد التعلم والدراسة.
إن السر في ذلك ليكمن في أن الطفل ليرشدك عن شبابه، وإن شبابه ليرشدك عما آلت إليه الطفولة فهل هذا الطفل تعلم في مدارس حمص وهل يتذكر جيداً أستاذه في صفه الأول وإذا تحقق هذا الطلب بقي أن نستحضر صورته الشخصية لنؤكد أنها صورته الحقيقية عندما كان صغيراً وأصبح شاباً. استجلاء الشك باليقين متعة ما بعدها متعة واستجلاء النظرية بالدليل والبرهان ليلغي كل غموض واستنكار وجهالة.

جزاء المحسن عن إحسانه

يجازى المحسن عن إحسانه ولست أقول للقائم بواجبه نحو إنشاء جيل قوي أنه محسن إلا بعد تصديه للعقبات التي تقف بوجهه عثرة فيذللها.
يجازى الصابر على المكروه بتقديره لمحاربة النفس التي تطفئ في أهوائها وشهواتها ولست أقول للصابر على مضض أنه يستحق الإفراج عنه إلا بعد إثباته أن ذلك المكروه أصبح شيئاً ممارساً في إرادته بتقبله ويجد الحق أقوى منه وأقهر لو جاء إحقاقه متأخراً.
إن الألم الذي يحز في النفس أن يكون الخير حاصلاً بعد النزاع الطويل بينه وبين الشر وأنه في موضع يحتله القوي وإن للقوة استعدادها وأصعب ما تكون في الإحساس النفسي الذي لا يعبر بالكلام وإنما باللهفة والتطلع والابتسامة والانقباض.
رجعت بنفسي بعد انقضاء فترة الزمن الملهوفة إلى إحيائها من جديد بحيث أن معالمها لا تزال باقية وهي في الأمس واليوم والمستقبل تعمل دائماً فوق الاعتبارات الشخصية على ضوء الواقع الذي يعيشه الفرد وما كان له أن يجمد ويتوقف.
رجعت بنفسي إلى عهدين: عهد كان سهلاً فيه اللقاء فأفضي بإحساسي ومتاعبي وعهد صعب فيه اللقاء فأعود إلى القلم والكتابة لعلي أبلغ الأسباب.

قاعة المطالعة في المدرسة

أنشئ في إحدى ثانويات حمص قاعة كبيرة للمطالعة خلال درس الفراغ المتسبب عن غياب الأستاذ لإحدى الأسباب القاهرة، وقد كان مشروعاً هيأ للطلاب الانصراف عن اللهو وتحسين الجو الناتج عن مجتمع جديد للطالب يقرأ فيه ما أحب قراءته ودراسته دون أن يكون لرفيقه تأثير على صفاء الهدوء الذي يتمكن معه القارئ أن يفهم يستوعب.
إن أحداث هذه القاعة أمر طبيعي لما تفرضه اتساع الثانوية في المكان وضخامة العدد للصفوف والشعب وكم كان رائعاً اعتياد الطلاب للانضمام إلى رفاقهم في الفراغ ليحذوا حذوهم في الجلوس ويشغلوا الوقت في الفائدة والعلم. كم كان جميلاً هذا لو يتاح إلى الثانويات الأخرى أن تتهيأ لها الأسباب للقيام بنفس المشروع على نوع من النظام والتنظيم.
إن إنشاء مثل هذه القاعة ليساعد كثيراً على استغناء الطلاب عن صلة الزيارة للمركز الثقافي ولنخفف عنه إضاعة الفرصة التي منحت للطالب وهو في درس فراغه فبدلاً من أن يكون في ساحة فراغ لا يعرف ماذا يعمل وإذ به يجد الوقت قصيراً لاستكمال ما لذه من مطالعة، وبدلاً من أن يذهب الطالب معداً نفسه للقراءة في المركز الثقافي لا يدري أي الكتب تنظم قراءته وإذ به أمام المكتبة يقرأ ويستفيد دون أن يكون للقراءة والفائدة والتهيب الذي وجده من نفسه فأحاله إلى إحجام وإعراض لزيارة المركز الثقافي. أما النتيجة في كل هذا فهو انضباطه في هدوء نفسه ليحركها ما أعدته ذاكرته من مشاهدة لاجتذاب القراءة والانتظام في صفوف المجتهد به.
إن شيئاً واحداً يحسن بنا ذكره هو شعور المركز الثقافي بأهمية هذه القاعة فتهدي لها ما تحتاجه من كتب وما يفيض عنها من نسخ لأن ميزانية المدرسة لا تتسع لجميع حاجة الطالب من تزويده بالمعارف التي تصممها الكتب الصغيرة المشروحة شرحاً كافياً لتبسيط العلوم بلغة سهلة لا يصعب فهمها على الطالب الناشئ.
إن العناية المبذولة لرعاية هذه القاعة والمحافظة على انتظام العمل بها ليجعل أهميتها تزداد وذلك بتدفئتها تدفئة جيدة ومساعدة الموظف على اقتناء ما هو ضروري لها وذلك بجعل اعتماد خاص لها ليتسنى استكمال ما أُعدّ له وهو انجذاب الطالب للكتاب ليلهو به إذا أحب اللهو وينتفع به إذا أراد الاستفاضة عن شرح الكتب المدرسية المقررة ليستغني عن المدرس الخاص الذي يعدل ضعفه والذي لا يتم تحقيقه إلا للفئة الخاصة الميسورة.

حاجة النقل إلى العقل

النقل لا بد منه للعقل، فيه تتكون الخطوط الأساسية للفهم والذوق والمحاكمة والتوجيه، والعقل هو المحرك للنقل بحيث يبدأ صاحبه باكتساب المعارف فيراها ضرورية ضرورتها لإنضاج العقل واتساع الذاكرة والسير بالإرادة في مستواها الصحيح.
ليس النقل في كلام يحفظ وليس العقل في إدراك يميز وإنما في قوة باعثة على تحريك النقل من مخزون الذاكرة إلى ساحة الشعور كما هي في تجديد النقل من النص المحفوظ إلى المطابقة في ميدان الواقع.
فالنقل يتضمن توارد الكلمات والجمل والمعاني والصور إلى ذهن الناقل ولا بد لها من انطباع تام وربط قوي حتى لا تكون المشاعر قوية التأثير بحيث تحول بينها وبين بروزها لتعود من جديد منفصلة عن الزمن ومستقلة.
والعقل قوة هذا النقل إلى الحذف والضم والتصحيح والتضريب والجمع والتفريق مضافاً إلى ذلك العمل، متمشياً مع الاختصار والسرعة والحركة والجهد والإرادة.
لا يكفي أن تقرأ فتفهم ولا أن تفهم فتحفظ ولا أن تحفظ بل ينبغي أن يكون لك نتيجة ذلك قوة العقل لتطور وتجدد وتبدع، فأنت بإمكانك أن تصوغ النص من جديد فتجمع الكلمات وهي متفرقة وتعزلها وهي متماسكة وتحركها إيجاباً وسلباً قوة وضعفاً جاذبية ونفوراً لتكون الهدف منها الحاجة لا النظم والوضوح لا الإخفاء والفاعلية لا الصدى والرنين والتمجيد.
لا يكفي أن تكون عالماً لتجذب القلوب إلى محبتك، وقد لا يجتمع العلم مع حسن التصرف واللباقة فيأتي علمك جافاً باهتاً، وقد لا يجتمع العلم مع بعد النظر واتساع الفهم فيأتي علمك مملاً منبوذاً.
فكم من عالم يعمل على عكس علمه وكم من عاقل يعمل بوحي ضميره ومحبته وتوازنه فيكون العالم إلى العاقل أحوج منه لتدبير الأمور وجلب الخير والرضا.

موضوع جديد

نعم. وشرع في قراءته بصوت عال، وكان الموضوع عاماً ولو بدأ بالتحدث عن بعض الأشخاص إلا أنه ينتهي بالأسف الشديد لما يقع فيه الكثيرون من الأخطاء. لقد كان فهمه للموضوع محدوداً جداً بحيث لم يدرك المغزى المقصود منه واكتفى بإثارة الغضب على كاتبه على من لم يمسهم شيئاً ويمس الآخرين مساً خفيفاً كما تمس المريض يد الطبيب الحانية، ولم يتمالك الغاضب من ضبط أعصابه فأخذ ورقة الموضوع ومزقها ولم يتكلم كلمة واحدة، إنما كان الكلام كله "لصاحب الهمة" الذي يتحرك فيندفع ولم تكن حركته من نفسه ولم يكن اندفاعه من محاكمته.
وفي اليوم التالي كعادته ألف موضوعاً جديداً سماه "حرب وسلم" لم يشر إلى قصته مطلقاً وإنما أخذ طابعاً عاماً على أوسع نطاق، باشر التدريب والضرب على الآلة الكاتبة وجعل الكلمات هي من موضوع مقاله، وكان ينظر إلى زميله الصامت نظرة ليس فيها العتب واللوم وإنما فيها الاهتمام إلى إدراك شيء لم يقصده بالذات ولم يفهمه بالذات وإنما جاء من التهويل والتضخيم، رآه مطرقاً لا يتكلم فتركه لشأنه واشتغل بما هو مشغول فيه.وفي اليوم الثالث والرابع بدأ الاهتمام عنده كثيراً لأنه لم يحمل شراً حتى يخاصم، ولم يحمل كرهاً حتى يقابل بالجفاء والإعراض، فليدع الأيام تحيط علماً بالمجهول الذي سيتكشف عنه فيما بعد.
جاءه "البطل الهمام" وأوعظه كما يعظ الإمام جماعة المستمعين وكان وعظه في مشاهداته للعمل الجديد الذي فوجئ به، وما أكثر ما يفاجئ وما أقل ما يستطيع احتماله من المفاجآت، وبينما هو في وعظه دخل الزميل المتنكر وقضى مطلبه وخرج كأن أحداً لم يكن فعندها انبرى للبطل الإمام قائلاُ لولا فصاحتك لم يكن في الأمر شيء، ولقد رضي الكاتب الذي تعرض لتمزيق موضوعه وهو أولى بالمقاطعة، لقد رضي هو ولم يرضى الفاعل.
إنني أخشى ما أخشاه حين كتابة موضوع من عرضه على قراء لم يكونوا على مستوى فهمه فيزيدون أو ينقصون حسبما تطيب لهم أهواءهم ويقدرون معناه، إذا كان في الأمر كما ذكرت فكاتب الموضوع هو أعرف بكتابته، وهل تكون المخاصمة إلا نوع من المقاطعة وأنا أشاهدك في كل يوم وأتحدث معك. لقد آن "للبطل الهمام" أن يعرف الخصومة الحقة من الخصومة التي تكون في الرأي ولا تتجاوز القلب والعمل الضار، لقد شجعتني على تعلم الآلة الكاتبة وعندما بدأت أمارسها استعصى عليك أن تذهب شجاعتك دون مقابل.
لقد اعتبر الكتابة شيئاً غير مفيد ولما كانت المواضيع التي تعالج هي حساسة من حياته وحياة الآخرين اهتم بالأمر وحرك النفوس لتثور وتغضب، لقد اعتبر الكتابة شيئاً غير مفيد فهل العتاب في مجال الجدال وعدم القناعة أجدى للوقت والأهمية من معالجة مشاكل مجتمعنا في الغيرة والحسد والمكابرة.
ما الذي أخبر المسؤول الأول عن الآلة الكاتبة الموجودة في الغرفة الثانية بالجلوس أمامها ولما يمض من الوقت على الجالس أكثر من نصف ساعة؟؟ ما الذي جعل الهمس حقيقة جاهرة لو أن الهامس لم يكن بأذن "البطل الهمام" وإنما بأذن الحكيم الهمام الذي إذا سمع لم يشرع بعمل ما قبل أن يعمل فيه عقله ووجدانه وضميره.
وبدأ يشعر بحاجته الماسة إلى التعلم على الآلة الكاتبة، وزاد شعوره كلما مرت الأيام واضطر إلى إعلان القائمة بأسماء الكتب المطبوعة، فقد كان بإمكانه أن ينسخها من قبل خبير ومتعلم، فلم يتوانى عن الطلب ولم ينسى واجبه، إلا أن الأمر أكثر تعقيداً فإن هذا الشعور لم يكن ليشاركه فيه أحد، وإذا تكلم في موضوع الطباعة كان الجواب اعتراضاً بدافع انشغال الضارب بما هو مفضل عن طبعها بطبع قرارات لا يمكن تأخيرها.
ومرت الأيام والشكوى معطلة وكان لا بد من الاعتماد على النفس في مثل هذه الحاجات، وأخيراً طبعت القائمة وكان الدافع لطبعها ضرورة الإلحاح عليها لا من قبل شخصه بل من قبل مسؤول آخر ولا بد من الإشارة إلى بعض إجابات المتعلل فيما يقول وكان أكثر تعلله إني مريض وكان فعلاً مريضاً، إن القائمة قد ضاعت تعلم كما يعلم غيرك من قبلك، وكانت كلها كلمات تحفر في القلب لتدفع الحاجة إلى التعلم ولتدفع الكرامة إلى الاستغناء عن الطلب.
بدأ في التعلم وأخذ يمارس التدريب ويستفيد من ملاحظات المدرب الخاص المعد للتعليم لقاء تعويض معين، ومن هنا بدأت الضجة المفتعلة ومن هنا بدأت القصة.
الآلة معطلة ولقد أعمل فيها حركة توقف تعاد إلى وضعها السابق، الكتابة سيئة، صبراً طويلاً على البداية ولكل شيء نهاية، ويأتي مشاهد ويعود ليحضر معه مشاهداً آخر، وكل يعطي ملاحظته على أعقاب التمرين والضرب على الآلة الكاتبة للإنسان الجديد الذي لم يجلس على الكرسي لينقر ويمس بأصابعه ملامس الحروف.
مرت الأيام واستمر التدريب والتعليم على الآلة الكاتبة أينما وجد وقتاً فارغاً وآلة فارغة لم يستوحذ أحد عليها في كتاباته، ومرة جاء كعادته ليشغل فراغه في الضرب على الآلة الكاتبة فوجدها مشغولة فأحب أن ينتقل إلى الآلة الأخرى التي كانت في غرفة أخرى أقل استعداد لاستقبال الزوار الراغبين في الضرب على الآلة الكاتبة. دخل الغرفة وبدأ عمله بكل هدوء ونظام شاهده الرئيس المسؤول عنها بشكل غير مباشر وهو في عمله فلم يتكلم، شاهده الضارب على الآلة الكاتبة بالأصابع الثلاث فوقف أمامه مفكراً ثم عاد ليقول: بأمر الرئيس الأعلى يمنع الضرب عليها مخافة التعطيل إذ أن قيمتها تساوي ألفي ليرة سورية، ثم ذهب وعاد مرة ثانية ليستعجله في تركها.
مرت المشاهدة كأن شيئاً لم يكن وعاد بعدها لأيام قليلة ينسخ موضوعاً خاصاً على الآلة الأولى التي هي في الغرفة السابقة، وبينما هو في تدريبه أقبل عليه زميله واضطلع على موضوعه وتمتم قائلاً: "لا تطلع الكتابة على أحد" فمن يعني هذا أو ذاك؟ وآخر وقع عليه الالتباس ثم غادر الغرفة ليقول قول همس في أذن صاحب الهمة عرفت بعدها ما نوع همسته.

أغضبك مني ترددي

أغضبك مني ترددي إليك في كل أسبوع مرة في زيارة قصيرة تأتي بعد مناسبة جميلة لأحمل إليك ما ينبغي علي حمله وأنت صحفي ولك جريدة وأنا مشاهد ومتطلع ولي قلم. أغضبك مني إحجامي عن التعاون معك في مهمتك التي خلقت من أجلها وهي الكتابة والإفصاح والتعبير عما يخالجك ويخالج بني وطنك من مشاعر وأحاسيس فننشر في جريدتك ما كانت تطويه القلوب من آلام وآمال.
أغضبك مني ثورتي على الباطل فتبدو هذه الثورة من خلال الأسطر التي يخطها القلم وفي هذه السطور ترتيل حزين لمشكلتك ومشكلتي ومشكلة الناس جميعاً على السواء فيفرح لها ويهتز طرباً من به حزن دفين لتكون أنت المحرك وليكون الناس هم أصحاب الأنين ولأكون الوسيط بينك وبينهم.
أغضبك مني اتساع مواضيعي وضيق صحيفتك في الوقت الذي ينبغي فيه أن تضيق هذه المواضيع لتتسع للأخرى. فأنت في حيرة من أمرك وتدبير مهمتك فتريد التوفيق بينها ولا يمكنك إلا أن ترضي أو تغضب فآثرت إغضاب إلهامك ووحيك لإرضاء وحي جيبك الذي يريد الامتلاء بعد التفريغ ليقوم بحاجات بيتك وأسرتك مما يتطلب من نفقات ومصروف.
أغضبك مني كل هذا أم بعضه أم شيء آخر لا أدريه وبإمكاني أن أستدل على الغامض من المعرفة بالمعلوم منها لأقوم بالتفسير بدلاً منك ولأرد عن الجواب بعد السؤال. أما ما يتعلق باتساع مواضيعي وضيق صحيفتك فهذا حق مصدق فقد ضيقت هذه المواضيع بحيث لا تتعدى عاموداً واحداً، وأما ما يتعلق بالكتابة في مواضيع عامة فقد جعلت كتاباتي تبتعد عن خصوصياتك بحيث يمكن للقارىء أن يستبعد أن تكون الكتابة لصاحبها ويكون صاحبها واضعاً لها.
وأما ما يتعلق بهيجان كلماتها فهذا شيء نحن بحاجة إليه إذا كان هذا الهيجان دافعاً إلى الأمام لا إلى الوراء وإلى التقدم لا إلى التأخر وإلى النشاط والحركة لا إلى الجمود والفتور. هذا هو ما أريد قوله بعد غضبك الشديد الذي بدا لي في كل شيء عند زيارتي القصيرة لمكتبكم. حتى إني رغبت في أن لا أعرف الطريق إليكم حتى لا يدلني على الاتجاه في هذا المنحى ورغبت أيضاً أن يوجد حاجز كبير يفصلني عن الوصول إليكم لا هو اصطناعي كما أقمتموه بل هو طبيعي حيث أنكم تقيمون مكتبكم على قمة جبل شاهق يطير الإنسان للوصول إليه لا بمركبة فضائية بل بمركبة سحرية ترى الناس ولا يرونها.
وعلى الرغم من غضبك وإغضابك فإنني قريب منك بعيد لأنني عارف سرهما الحقيقي وهو استعارتك للقلم الذي به تكتب بعد أن تعطل قلمك عنها وتخشى أن تصبح اليد التي تمسك بها القلم معطلة أيضاً فلا يمكنك بعدها أن تستعير قلم ويد.

مخاض جلسة

عقد المدرسون جلسة فيما بينهم للمذاكرة بأمور تهم النظام والمحافظة على مصلحة التلاميذ. وكان يرأس الاجتماع السيد المدير وقد نظم جدول الموضوعات التي سيعالجها مع أساتذته. وكانت أولى العناية بهذه الموضوعات موضوع تأخر التلاميذ عن الدخول إلى الصفوف حالما يقرع الجرس وقد لوحظ أن الطلاب يتهادون في نقل خطواتهم بتؤدة كما لو كان جرس الدرس لم يقرع وكما لو لم يكن مدرّس ينتظرهم، وقد عالج هذا الموضوع مع الأساتذة ووافق الجميع على اقتراحه وبالفعل فقد قطع دابر الفوضى بتشديد الحزم بحق المخالف بحيث أراح المدرس والطالب بآن واحد من عاقبة الإهمال في تطبيق النظام واتباع الأسلوب الحسن.
لقد بدا لأحدهم أن يقدم شكواه من ضعف التلاميذ وإهمالهم لدروس اللغة الأجنبية وخاصة "اللغة الإنكليزية". فكان مما قاله في وصف طلابه: إن من بينهم القوي الممتاز حتى ليصح أن يكون المدرس لهذه المادة وبالمقابل فإن فريقاً آخر منهم يهمل كتابة الوظيفة ومراجعة الدرس بحيث يكون سبباً في إزعاج المدرس وعرقلة الطلاب المجتهدين في متابعة فهم الدرس واستيعابه، وقد اقترح أن يكون لهؤلاء الطلاب الكسالى والضعفاء حد في تقصيرهم وإهمالهم لواجبهم بحيث يمنع الطالب الكسول من دخول الصف أثناء وجود أستاذ المادة التي لم يألفها لتكون مساغاً لأستاذه وتأديباً له وعقوبة له حرصاً على سير الدرس كما ينبغي له أن يكون وتمنى بالنهاية أن ينقل الطالب الضعيف وظيفته من رفيقه ليثبت بعض الشيء إنه في واجب الانقياد لنظام الدرس من كتابة وظيفة ومن استماع لدرس.
وهنا انبرى مدير الجلسة قائلاً: ليس في النظام الداخلي شيء من هذا ولا من ذاك. ولقد وجهنا إنذارات لمجموعة من الطلاب إلى أوليائهم ليتبلغوا مصير أبنائهم إذا استمروا على تقصيرهم وكسلهم في الدرس وكلها تهدد بالانفصال المؤقت أو الكلي نتيجة لتغيبهم وعدم إحضار وليهم وتبرير تكرار الغياب تبريراً لا تقبل به الإدارة ولا يكون في عذر شرعي. ونحن بمزيد من الاهتمام بالوصول إلى حق الطالب في تحصيله من الدرس والعلم بشتى الأنواع علينا ألا ندع مجالاً ينفذ منه الطالب إلى الفائدة والمعرفة إلا ونستعملها، أما إذا استعصت علينا كل الأساليب وطلب منا أن نعمل المستحيل فإننا سنحاوله وبالطبع فمحاولتنا تكون عبثاً إذا أردنا تعليم الهارب من العلم، غير أن اللحاق به ممكن أيضاً إذا كان نهاية الشوط به يصل إلى وليه ليساعدنا على تحويله من عقل مريض إلى عقل سليم يجد في أستاذه ودرسه مادة محببة تدفعه إلى المثابرة فلا يتخلى عن واجبه وامتنانه.
وقال المدير أيضاً إن من بين الطلاب العديمي الفائدة كما ذكرت، من هم على الغاية من الجودة والمهارة في المواد الأخرى: كما أن من بين الطلاب الأقوياء من يكون مقصراً في المواد الأخرى التي تخص زملائك، فأين هؤلاء من أولئك فللشكوى التي أوجدتها قد تكون موجودة في باطن زملائك ولكن الفرق هو أنهم يعرفونها ويعرفون الحل السريع لمعضلتهم فيتمكنوا من الملائمة بين ضعيفهم وقويهم وبين أنفسهم ومادة الدرس.
قال مدرس آخر بادياً شكواه في إجراء التفقد خلال الدرس بينما المدرس يلقي درسه، فاعترضه آخر بأن التفقد يكون من قبل المدرس قبل بدء الدرس بحيث يعيد دفتر الغياب في نهايته بيده. وقال ثالث دفتر التفقد يأتي به الآذن ويظل منتظراً حتى يتم تأشير الغياب. ثم قال رابع لا مانع من استلام الدفتر من الأذن على أن يكون إعادته من المدرس في نهاية الدرس، ولا بد من الإشارة إلى كثرة المقترحات ومعارضيها ولكن جواً من الدعاية جعل الأمر سهلاً واضحاً، فالدخول والخروج لا يكلف المدرس إضاعة من الوقت إذا أشر على الغائب من الطلاب بإلقاء نظرة سريعة على أماكنهم.
"ثم إن الإدخال والإخراج عملية سهلة أما أن يكون المدخل غير المخرج وهو على ضمان المخرج من عدم النسيان فهذا أمر عائد إلى الفرق بين عملية الدخول والخروج أيهما أصعب" وهنا ساد جو الجلسة شيء أوقف المعترضون عن الكلام وتهافتت الضحكات من كل جانب وختمت الجلسة وانتهت تدابير الحزم والشدة إلى القضاء على فوضة الطلاب بين قرع الجرس ووجودهم خارج الصف وبين قرعة وانتظار المدرس للدخول.
حمص 9/2/70

كتابك

كتابك جميل وأجمل منه شخصك الذي يتراءى في الخيال دون أن تعرف العين شكله ولا الأذن صوته ولا القلب مصداق قوله. كتابك في المعلوم المجهول وفي الصحيح المعتل وفي القريب البعيد لأنه يحمل معاني كثيرة ولا واحدة منها في اليد وآمالاً كبيرة ولا واحدة في التحقيق ومشاعر خاصة ولا واحدة منطلقة.
كتابك مفيد ويحتاج إلى يد تحركه وذاكرة تحفظه وإنسان يخطط على ضوئه لأنه للعلم لا للعمل للصمت لا للكلام للتنسيق لا للمنسق. أخذت كتابك وقرأته فأصبحت به مشغولاً فارغاً.
أمسكت بالقلم فجاء القلم مطواعاً، تغردت بالنغم فإذ به حزين يصمت توقفت عن الغناء وإذا السامعون أرادوا تجديد الطرب فأين المطرب وأين الملحن. إن الكتاب هو في الموسيقا ، وإن العلم هو في اللحن والنظم فموسيقاه خاصة لم ينتفع به أحد وعلمه خاص لم ينتشر فكأن الكاتب هو قلب لا قالب وكأن الكتابة هي مشكلة ليس لها حل.
أراني بعد قراءة الكتاب أفتكر بالمشاكل لأحلها وأتذكر بالموضوعات لأناقشها وأنصرف إلى نفسي لأجد من زاويتها نفوس العالم. حسبت كثيراً وما حسبت قط لهذا الحساب "كلام فصمت ثم نوم عميق".
حمص 1/6/67

مشكلة وحلها

إذاعة وتلفزيون وسينما ومجلات وجرائد مصورة جميعها معروضة أمامك لتأخذ منها العبرة والفائدة والتسلية فماذا تصنع بنفسك لتحميها من الوصية وأنت لشدة حرصك عليها تريد الإفلات من اهتمامها لبعض الوقت فلا ترى ولا تسمع إلا ما يذكرك بها وأنت ناسٍ عنها فتثور أعصابك وتهتاج وأنت بأشد الحاجة إلى الهدوء والطمأنينة، يمكنك أن تكون نوعاً ما بعيداً عن جوها ولكن هل يمكن لأطفالك أن يبتعدوا كما ابتعدت. إذاً عليك أن تقرأ كي تنسى وجودك فتستمتع بالمواضيع التي تطالعها وتدرسها حتى تستعد لمقاومة هذه الإثارات بأنواعها وخاصة التي لها كبير الأثر في نفسك مما يحزنها ويفرحها ويخيفها ويجعلها تذكر وتتذكر وتنسى واجبها أو تستبقه وتتحمس لحقها وليس عندها الصبر للفوز به.
إذن عليك أن تهتم وتعتني في إحياء وإنعاش مجالك العملي الذي منه تكتسب قدرتك على العيش لتبقى قادراً على أخذ ما يلائم مزاجك العصبي وطرح ما لا يلائمه إن كان بالوصول أو التأخر فلا تبقى هذه الوسائل إلا قوة لك تحميك من الأذى كما تجلب لك المنفعة ولو كانت منفعتك في سبيل حماية أطفالك مما يشاهدون ويسمعون من مناظر وأحاديث قد تشغلهم عن دراستهم وتجلب لهم انطباعات لا يستطيعون بعدها من مقاومة أهوائهم فنادراً ما تخلو أي أسرة من جوها ولكل تأثيره الخاص في نفس الطفل وهذا التأثير ينعكس على جو الأسرة فيزيد في مصروفها إذا كان دخلها محدوداً وينقص من الاهتمام في الدرس إذا كان الإقبال عليها قليلاً ومن غير رضا النفس واندفاعها.
هذا بالإضافة إلى انحراف الأطفال بصحتهم مما يسببه السهر الدائم على الاستزادة من هذه الصور والمناظر والتمثيليات فوق انصراف الطفل عن مراعاته لطعامه وغذائه ولو أخذنا ناحية أخرى وهي الأحاديث التي يتناولها الرفاق لوجدناها كلها فيما يدور بفلكها فما أفلت للطالب من زمام الضبط في البيت يجد صعوبة في الإفلات منه خارجاً. إذن المشكلة موجودة وحلها يتعقد ليتبسط بعدها فإما تأثير خارجي يتغلب عليه التأثير الداخلي وإما تأثير داخلي تتغلب عليه قوة الصبر والإيمان والانصراف الكلي إلى المصلحة التي تهم الطالب في مستقبله وحياته.
حمص 7/5/68

الهوية

رغبت في الذهاب إلى السينما لمشاهدة إحدى الأفلام الأجنبية، فما أن وقفت على شباك التذاكر لأقطع بطاقة الدخول بسعر مخفض حتى فاجأني الموظف بطلب إبراز الهوية التي تجيز لي هذا الحق. وليس العجيب فيما يطلب وإنما العجيب أن يتقدم إنسان لا يتمتع بميزة التخفيض ليدعي أنه موظف في وزارة التربية أو غيرها من الوزارات التي تمنح لموظفيها الهويات الشخصية فلا يكون هناك اعتراض أو توقف للتحقيق.
ـ لست أحملها يا سيدي الموظف وماذا تريد؟!
ـ لتكن البطاقة عامة وادفع الفرق.
ـ أؤكد لك أني موظف منذ عشرين عاماً ألا تعرفني؟
ـ أبرز هويتك فلا أسألك. لا تكن متردداً وفي أثناء ذلك جاء إنسان ليقطع تذكرة دخول فما احتاج الموظف أن يسأل كما سئلت بل تعرف إليه من شخصه وناوله البطاقة المخفضة ومضى تاركاً مكانه لشخص آخر عرفته وما أحببت أن أعرفه بنفسي ويقيني أنه لا يتمتع بصفة الموظف الذي يحمل الهوية لقد استلم البطاقة ودفع الثمن المخفض ثم ذهب إلى الصالة.
لا أقول إني ارتاد السينما كثيراً ولا يمكنك القول إني مقاطع لها. لا أقول إن موظف قاطع التذاكر جديد لأول مرة يتعرف إلى رواد السينما، ولا يمكنك القول إنه نظامي يتقيد بالنظام ويتبع أصوله. لأن كلا القولين مدعاة للسؤال: هل موظف السينما القديم في معرفته للأشخاص لا يختلف عن الموظف الجديد وقد شاهدهم أو قرأ عنهم أو سمع بهم. وهل الموظف النظامي الذي يتقيد بالهوية تخدعه الهوية المزورة التي جاءه بها مرة أحدهم ثم نجح في حيلته فأصبح في كل مرة لا يحتاج إلى السؤال عن هويته.
لقد تقدمت من شباك التذاكر مرة أخرى لأعرف سره في جهله بالأشخاص وجهله في النظام فما وجدت شيئاً يلام عليه لومي على نفسي وعلى نقابتي وليست نقابته بمضطلعة على الأمر لتعطيه درساً في النظام ومراعاة المهنة أما نقابتي فهي عليمة بموظفيها الذين حملوا بطاقاتهم أو لم يحملوها فيفرضون نظام الهوية فرضاً حتى لا يتعرض عضوهم لمثل هذا الاستهتار والاستخفاف. ليست الهوية النقابية هي فقط للاستفادة من تخفيض السعر في السينما أو غيرها من الأماكن وإنما هي لتعريف الجاهل بجهله بالأشخاص وتوضيح العارف بميزة مهنته عن باقي المهن.
ليست السينما بحاجة إلى مثل هذا التعريف ولكن شرف المهنة يقتضي أن يكون هناك قائمة بأسماء الأشخاص يرجع إليها بعد المعارضة والإلحاح. وليس كذب الادعاء بنافع صاحبه إذا لم يعثر له على اسم ولم يكسب من ادعائه إلا صفة الكذب والانتحال لشخصية نقابية ليس فيها عضواً.
تقدمت من قاطع التذاكر مرة ثالثة ونقدته الدراهم التي يطلبها وفي يقيني أن خسارته لا تعادل خسارتي فإنما خسرت نقوداً أما هو فقد خسر كثيراً وستظل نقابته تدفع تعويض الخسارة مبالغ متضاعفة لأنها لم تتوفق باختياره موظفاً لها؛ فهي تعمل جادة في الربح والاستفادة ولذلك ينبغي أن لا تهمل أمر موظف من شأنه أن يسيء إليها ليدعي أنه نظامي ومتقيد بالنظام.
مرحى لنظام إذا كان الادعاء به من سبل النجاح. ومرحى للنظاميين إذا كانت الهويات المزورة تخدعهم. أما الهويات الصحيحة فهي بحاجة إلى السؤال والجواب وحملها في الجيب وإبرازها عند لُبْس الأمر واشتباهه.
حمص28/4/1970م

صحافة بلا صحفي ومادة بلا صحيفة

تعرفت إلى إنسان يهوى الكتابة وقد جعل منها تعبيراً لإحساسه ومشاعره نحو قومه ووطنه. فقد استغنى عن الكلام الفارغ وأغنى أذنه عن دويها بما لا يفيد قائله ولا سامعه إلا بما يعود بالبكاء والحزن عليهما وليس ثمة طائل تحته. فهذا الكلام يرجع إلى الماضي البعيد البعيد وليس هو من عبر التاريخ؛ أو يعود إلى المستقبل البعيد البعيد وليس ثمة حاضر يربطه. أما أن له صلة بالحاضر واهتمام على ضوء البناء للمستقبل فهذا قد وضع بينه وبين الاستماع إليه سد حائل لفقدان المجموعة من المتكلمين والمستمعين حوله في دائرته.
اهتديت إلى اكتشاف الرغبة الجميلة عنده في الكتابة بالانتباه إلى ما يسمعه من جليل الكلمة وعظيم الموضوع. فإذا ما انتهى من ملاحظته وتقديره لما ينتج عنه من النتائج خلا بنفسه وأهمل باقي المواضيع التافهة وجعل يسطر مشاهداته ويسجل احساساته وينظمها بأسلوب تصلح لكل قارئ وخاصة إذا كان يهتم بالمجتمع ويعمل على النهوض به وينصفه في كتاباته فلا يلومه في ضعفه ولا يعذره في إهماله ولا يتجنى عليه في ادعاءاته بل يصور الداء ويجد له الدواء بدون أن يشعر القارئ أنه في واقع مرير وأن الكتابة وصف لواقعه وعلاج له.
إن حياة هذا الإنسان بسيطة للغاية فإذا ما فرغ من عمله فإن انهماكه بإعداد تنظيم معاشه يكاد يملأ فراغه الذي يتهيأ له للكتابة أو القراءة ومع ذلك فإن اجتماعه بالناس لا يخلو من فائدة لهم وله وفائدتهم هو تسجيل ندبهم وتحويله إلى عمل وفائدته هو وجود مادة له للكتابة وإملاء ما تبقى من فراغه بدون عمل بالحديث إلى اخوته وأخواته وأصدقائه وبني وطنه لا بالكلام وإنما بالتأليف والنظم وإخراج ما عمق في الباطن يحز ويقتل دون جدوى إلى صوت دوي يسمعه القارئ ويستفيد منه فائدة كانت له عفوية لأنها لم تأت عن قصد وإنما جاءت وهو يريد أن يقضي ساعة من فراغه بالقراءة.
نظرت إليه وأخذت أفكر به وبعد الانتهاء من التفكير وجدتني أكتب فأقول: كم من إنسان يمكننا أن نستفيد من اتجاهاته وميوله في البحث والتدقيق فنحوله من آلة تعمل مستقلة في الخفاء إلى محرك يعمل في العلن، ومن طاقته وقدرته على الدوران والتنظيم ما يكفل حركته ويجدي عمله.
إن إنساناً من هذا النوع بإمكاننا أن نستفيد من ملاحظاته فنرفده بالمواد لتوسيع أفقه. كم من صحفي يستطيع الكتابة في صحيفته ومع ذلك تعوزه مادة الموضوع لتكون أساساً للكتابة. فهو في اليوم يسمع مئات الأخبار فهلا وجد منها خبراً يكتب لا لذاته وإنما لجوهره كما أنه في ذات اليوم يشاهد مئات الأنواع من المشاهدات المثيرة التي تستحق الذكر فهلا وجد منها حادثة صاغها بنزاهة وإنصاف وترك التحيز والانتماء الشخصي لتعليل أسبابها ومسبباتها.
كم من صحافة تنتظر بفارغ الصبر مثل هذا الإنسان لتضمه إلى أسرتها فإن الجهل به لا يوقف قدرته على قوة الملاحظة وربط الحوادث واستنتاج الأمور واكتشاف الباطن والحكم على الصدق والصواب وبيان أسباب العلة والمعلول، كما أن الحد من الاهتمام به لا يؤخره وضعه في قائمة الصحفيين، لا لإملاء الشواغر بل في فتح دائرة جديدة لها.
إن صحيفة هذا الإنسان هو دفتره الخاص به الذي لم ينتفع به أحد فكم تكون مادة الكتابة عنده أجمل إذا وسعناها لدائرة أخرى أكبر من الدفتر ولقراء أوسع انتشاراً.
حمص 9 / 11/70م

زرت مكتب الصحافة

زرت مكتب الصحافة حاملاً معي رسالة في موضوع اليوم، وقد وقع نظري على مجموعة من الأخوان لا يمكنني أن أراهم مجتمعين إلا في المكتب، لم تكن الزيارة إلا بعد مرور وقت غير قصير على زيارتي الأخيرة التي جاءت أيضاً بمناسبة أخرى لا تقل عن المناسبة الجديدة أهمية.
كان لقائي معهم اليوم ولقائي معهم الأمس مختلفاً جداً بحيث يجعلني أصف الظاهرة التي اهتززت من أجلها فرحاً وسروراً، تلك الظاهرة هي المشاركة بين مجموعة كاملة في وحدة هدف تام انبثـقت من التعرف بطبيعة العمل والاطمئنان أن الزائر واحد من أسرتهم لا يسألونه ماذا يريد يتابعون عملهم لأنهم تعرفوا إليه ماذا يقصد، وما كنت أريد إلا أن أراهم يعملون وما كانوا يريدون إلا أن أطمئن في جلستي لينتهوا وأنتهي ونبدأ المذاكرة.
لقد استمرت المقابلة دقائق معدودة، ويستمر فرحي وطربي بلقائهم يدأبون ويعملون شيئاً طيلة أيام كثيرة لا أنساها ما دمت أقارن بينها وبين المقابلة الأخيرة التي مضى عليها أكثر من ثلاثة شهور وكانت صورة المقابلتين لشخص واحد في وقتين مختلفين تتبع ما كان بينها من انقطاع في الحضور واتصال في المراسلة وقراءة الرسائل.
وزرت أيضاً مكتب المحاماة حاملاً معي مشكلة اليوم وقد أثارني توزيع النظرات من بعضهم كما أثارني اعتراضهم ووجودهم فليسوا إلا مخصصين لحل المشكلة وما حلها عن طريق التعقيد من بعضهم الآخر بسبب توكلهم إلى المبطلين والدفاع عن باطلهم يحميهم القانون ولا يسيغ للمظلوم أن يعترض.
ثم زرت مكتب الطبيب حاملاً المرضية لموضوع اليوم فوجدت أن الأمراض موزعة وأشد هذه الأمراض مرض العقوق الوجداني للموظف **** المرض وليس بالمرض الحقيقي وللطبيب الذي يغالب المرض فيقول للمريض أنت متمارض.
وأخيراً زرت مكتب الرئيس حاملاً معي موضوع اليوم فوجدت المراجعين على كثرتهم قد أضاعوا حق دورهم فيسبقون الدور وهم متأخرون وهم في مراجعاتهم لا يقيمون وزناً لإنصاف حق القانون من طلبهم واعتبار الرئيس مسؤولاً عن تحدي القانون تجاه إلحاحهم وعجز المستند الشرعي عن تبرير الطلب.
كانت زياراتي المختلفة لموضوع اليوم هي التي أوحت الكتابة والتفسير ولقد رمقت بنظري كل الحاضرين في جميع المجالات وتحسست الآلام لما هم فيه يرتعون ثم بعدها تحضير الفكرة والبديهة فإذا هم قد تألموا ولكن أضاعوا الوقت بلهفة الطلب ونسيان القضية وهيهات ينفع ألمهم. أما موضوع اليوم فهي المشكلة التي تتعلق بتقرير الطبيب واستشارة المحامي وتوقيع الرئيس ثم صياغتها بالقالب الأدبي لتكون مادة للصحفي وحديثاً للقراء.
حمص 6/10/1969

في فلك الكاتب

يعيش الكاتب الحقيقي في جوه الذي يتلاءم مع إحساساته ليصور آمال وآلام أمته تصويراً واقعياً في كتاباته التي تتزايد في المناسبات والضرورات، فإذا كان الظلام يحيط به من كل جانب فإنه لا يرى بداً من الاكتفاء بإشعاع قلبه ليقضي ساعة جميلة في الصمت يخرج بعدها قلمه بكلمة يكتبها لمشهد تأثر به.
ينبغي أن يتحقق للكاتب ساعة صمت مطلق لا تنشغل حواسه بأي شيء خارجي فيما عدا الموضوع الذي أعده للكتابة، وينبغي له أيضاً أن يفوز برؤية الحوادث متعددة متناقضة متشابكة لتدفع به إلى إبراز معالمها مرتبة بفكره وعقله وما أكثر الحاجة إلى عرضها أمام ناظريه.
إن وجود جو خانق للكاتب يعني ابتعاده عن المشاهدات والمسامع فلا يتأثر ولا يؤثر. إن الجو الخانق للكاتب يعني حبس عينه عن النظر وأذنه عن السمع وقلبه عن الخفقان. إن ساعة الصمت والتفكير هي مطلوبة ليست فقط للكاتب ليستلهم منها ما كان قد ملأ ذاكرته بالعديد من المخالفات التي تقع طيلة يومه وإنما هي مطلوبة لكل فرد من أفراد الأمة ليحاسب بها نفسه ويد