« بحر المحبة | Main

نظرة

إذا كنت ذا عزيمة صادقة ونظرة ثاقبة فإنك ولا شك مستمسك بمبادئ إنسانية عالية أخذتها من رجال الفكر والتاريخ والفن والأدب وقد امتزجت أرواحهم بروحك فتمثلت المعلومات تمثيلاً صحيحاً بعد أن استحوذت على جميع ملكاتك بعد قبولها في نفسك وإتقانها في ذاكرتك وإعادة التجربة لها بنفسك من المجتمع الذي يحيط بك إلى الإمكانيات التي أوجدتها والتي هي في مواهبك بعد أن فتح أمامها الطريق لتنطلق.

وأول ما يلفت النظر هو وضع قواعد صحيحة لتسهيل التعلم والاكتساب أكبر قدرة ممكنة من المعارف غير أنك ولا شك تخضع للمناهج الموضوعة في دائرة تعلمك ثم للحياة الخاصة التي تحياها في أسرتك بين أهلك ومحيطك وأخيراً للقدرات الكامنة في نفسك وقد ورثتها عن أبيك وأمك.

إن أهم ما يعترضك من الصعوبات هو التحلل والإنعتاق (من مشاغل نفسك بما يعيقها من الحسد والكبرياء) فلا يكون للخوف من السير قدماً إلا طريق إلى نفسك ولا يكون للعجز عن تحقيق السلام إليها أي سبيل تدخل منه فما حدد لك القهر إلا الحدود المحددة للفهم والاستيعاب وللطمأنينة والنضج.

أما القهر الآتي من غالب فهو قهر الطبيعة من الحاجة إلى الطعام وليس الغذاء بمنفك عنك، ثم الحاجة إلى النوم وليس النوم آت لك من الدراسة ما قد بدأتها ولم تستكملها وما وجب عليك إنجازها وأنت بحاجة إلى دراسة أخرى لم يكن الوقت ليساعدك على التأجيل والاستمهال.

إن انعتاق النفس من مخاوفها يعني إزاحة الستار عن المضايقات للذهن والفكر حتى تتسع دائرة الحفظ والاستيعاب، إن النظرة الصحيحة للحياة يعني ترك مقاومتك للأشخاص إلى العطف عليهم في حال وقوعهم في الأخطاء وفرضها على الآخرين نصيحة وتجربة دون عظة.

إن استبدادهم إذا كان يمسك فهو يأتي من الحد لحريتك في فتح المجال أمام تقدمك ونشاطك وهذا يعني أنهم أخصام لك دون أن ينتبهوا أنك صديق لهم، إن المنافسة لا تحد من قدراتك إذا كانت إرادتك حرة طليقة.

إن إجبارك على نوع معين من القراءة وعلى نوع معين من السلوك وعلى نوع معين من التفكير آخذ لك باتساع الفكر في هذه المعلومات وتضييقه في الأخرى التي خلقت لها لتكون أهلاً في حمل أمانتها ورسالتها

إن النظرة الثاقبة تدخل في نطاق تحطيم ظلم الإنسان لأخيه الإنسان الذي خلقه الله لينعم بما أعطت له الطبيعة صفاء ليكون الظالم هادراً لها لكي لا تتم المنافسة وليبقى العرش أسيراً لصاحب الاستبداد والحكيم الواعظ.

إن العزيمة الصادقة تدخل في التفرغ التام لما تريد ولما تقاوم فليست المقاومة إلا جزءاً من إرادتك وليست إرادتك إلا جزءاً من إيمانك العميق بإحساساتك لمصلحة وطنك وبني قومك.

18/5/69

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In