الامتحان
خرج من قاعة الامتحان فرحاً مسروراً وما إن سار بضعة خطوات حتى صادف رفيقه في المدرسة ولم يكن على وجهه علائم الفرح التي تبشر بتوفيقه في الإجابات عن الأسئلة التي أعطيت له، فابتدأه بالسلام ولم يتكلم معه في موضوع الامتحان بل عاد يجمع أفكاره ليستعد للفحص الثاني بالمادة الأخرى لمتابعة الامتحان في اليوم الثاني في بقية المواد، وما هي إلا دقائق حتى ناداه رفيق له آخر يسأله عن فحصه وإجاباته ويظهر من علائم وجهه أنه لم يجرِ فحصاً بسبب مرضه فالمرض المفاجئ حال بينه وبين الحضور إلى قاعة الامتحان وما وجوده الآن إلا ليشتري علاجاً حسبما وصف له الطبيب.
لقد ودع الرفيقان بعضهما متمنياً له الشفاء وآسفاً على ضياع الفرصة الجميلة له لصب معلوماته على ورقة الامتحان، إن البيت لم يعد بعيداً منه حتى يدخله ويهيأ نفسه لجو القراءة وما كاد يفتح الباب حتى انهالت الأسئلة عليه من جيرانه عن تأخيره في الوصول حيث كان في انتظاره جميع أفراد الأسرة فلم يبق لهم من الصبر حتى ينتظروا دقائق أخرى بل قلقوا لعدم عودته في الساعة المعينة وأصبح الجيران في حيرة من قلقهم. إن الطمأنينة عادت إلى الوالدين بعدما أخبرهم الممتحن عن إجاباته الصحيحة في كل مواد الفحص، وهكذا دخل الغرفة وأغلق بابها ليكون منسجماً مع القراءة لا يلهو ولا يقبل أحداً أن يتلهى معه.
وفي اليوم الثاني وهو يعاود الرجوع إلى المدرسة ليعطي امتحانه الثاني صادف في طريقه إنساناً لا يعرفه ولم يرَ وجهه من قبل واستوقفه وحاول أن يخوض معه في مجال خاص لا علاقة للفحص به إلا أن نشاطه وسرعة بداهته أحبطت محاولته فتركه مؤجلاً الحديث إلى ما بعد الفحص. لم تكن الإجابات في المادة الثانية من الفحص بأصعب عنده من المادة الأولى حيث أن ثقة النفس مضمونة لقدرته على تركيز أفكاره وهضم المادة في ذهنه.
مرت الأيام وأعلنت نتائج الامتحان فإذا لم يجد له اسماً ووجد لرفيقه المحزون اسمه البارز بين الناجحين بدرجة جيدة، فدهش كثيراً وأخذته الصدمة العنيفة حيث أنه لم يعرف الفشل من قبل ولكثرة ما اضطرب وحزن فقد بقي في الدار ملازماً لها مدة طويلة يخجل من نفسه ومن مقابلة رفاقه إذ كان يأمل أن يكون من أول الناجحين فقد حدث رفاقه عن نواياه المقبلة في اختصاصه وعما يضع في المشروعات في سبيل إنجازها فقد استبق الحوادث ولم يقدر لكفاءته ومعلوماته حدها المعين بل أخذه الغرور والاندفاع إلى ما وراء معرفته فإذا الإجابات خاطئة وإذا الفهم محدود.
وبعد مدة طويلة من نتائج الامتحان أصبح يحاول السير في طريقه بهدوء لا يظهر الفرح الذي يهش له بدون وثيقة نجاح ولا يخدع بمظاهر الوجه فيؤكد الفشل من الصمت والسخط بل عاد ليصحح الثقة بنفسه على وجه صحيح فلا يعتمد عليها إلا بما عندها من معلومات جد صحيحة وثابتة وواقعية.
وبعد أن سار في طريق الجد والاجتهاد مرة ثانية على غير ما كان يظنه ويعتقد به صادف رفيقه المحزون فإنه أصبح ينظر مرتين إلى هؤلاء المحزونين ليكشف باطنهم ويعلم السر في حزنهم وآلامهم وقد تبين له فيما بعد من ذلك الرفيق المحزون الذي لقيه في أيام الفحص أن حزنه لم يكن بسبب فشل فحصه وإنما حزنه كان بسبب الموت المفاجئ لوالده فقد جاءه خبر مقتله بسبب الواجب الذي كان يؤديه وهو على خط المعركة مع العدو.
وأما الرفيق المريض الذي لم يستطع أن يؤدي امتحانه فقد كانت معلوماته تؤهله إلى النجاح مرة أولى في الفحص الثاني فإذا هناء الصحة والعافية قد عادت فإن اليد والقلم تسطر معلوماته على ورقة الامتحان وهي تنبع من ذاكرته لا من غروره وعدم تأكد ثقته بنفسه.
طال الأمد على لقاء الرفاق الثلاثة فتلاقوا في ساحة العمل فإذا التلميذ المغرور والمدلل لم يقدر أن ينقذ نفسه من شوائب التربية فبقي يعمل ليكسب حياته بعد أن فقد أهله وثروته هدرت، وأما التلميذ المحزون فإنه بقي محزوناً لأنه لم يستطع أن يشتري السعادة لأهله ووطنه ورفاقه بعدما اشتراها لنفسه وهو يدأب في التخفيف عن جميع الآلام غير أنه كان ذا مركز عظيم بين رفاقه ومجتمعه وأخيراً فإن التلميذ المريض أصبح صحيحاً وقوياً وإن مرضه كان من كثرة جهده وقلة التعويض عن هذا الجهد بالغذاء الكافي، فبعد أن أنهى دراساته لم يكن له كبرياء وتعالي المدللين المبتهجين وإن له تواضع المحبين وإباء المكرمين.
23/12/1969
Comments