الناجحون
الناجحون في امتحان الشهادة الثانوية الفرع العلمي والأدبي كما جاءت الإحصاءات بلغ عددهم ستون ألفاً، وهم على كثرة عددهم يختارون خمسة عشر رغبةً للالتحاق بالجامعة والمعهد لتتسع لهم في فروعها؛ كل على حسب رغبته وما تتيحه العلامات، والأولى لمن كانت علامته عالية في التفضيل على غيره من الطلاب والرغبات.
والسؤال المطروح هو هل يسعى الطلاب للعلم من أجل المعرفة واكتساب القدرات!! وما فيه مصلحة الوطن والأمة، أم أنهم يسعون إليه من أجل الوظيفة واكتساب الأموال للعيش برغد وهناء!! فالكل يسعى إلى علم الطب أو الهندسة لكونه أكثر عطاءً، ونرى أن الذي يسعى إلى العلوم الإنسانية أو الاقتصادية أقل بكثير من العدد المطلوب، كما نرى أن الحد الفاصل في الانتقاء لهذه الرغبات ليس كما تتطلبه الحاجة لهذا الوطن، وإنما كما تطلبته القدرة على حفظ المعلومات في الذاكرة لتكون العلامات العليا هي الفرصة المتاحة لانتقاء أفضل اختصاص في أغنى مورد.
لقد كان الدكتور المهندس المدني في ندوته التلفزيونية صريحاً في تبيانه وواضحاً للمشاعر التي ألمت به عندما أكد أن رغبة الطالب في الالتحاق بالجامعة بفرع من الفروع لن يعدمها، فإذا لم تتحقق له الرغبة الأولى فإنه سيجدها في الرغبة الثانية أو الثالثة وهكذا حتى الرغبة الخامسة عشرة.
كم من الاختصاصات التي تعلن في الرغبات لا يفيد منها إلا صاحبها فإذا ما تعاطى التدريس فإن العدد الضخم من الطلاب الذين يتلقون العلم على يد مدرسهم لا يفيدهم ما يتعلمونه إلا إذا تمثل ذلك العلم على مستوى الواقع وفي الشروط الصحيحة لأنفسهم وعقائدهم ونشاطاتهم. ومعنى ذلك أن الاجتهاد في العلم الذي لا يعقبه تجربة من أنفسهم ليثبتوا العلم بالتجربة وليجدوا في التجربة تحقيقاً لمعلوماتهم فإنه لا محالة لا يؤدي الغرض المطلوب، فإما أن يمحصوا العلم بالبرهان وإما أن يدللوا بالبرهان أن العلم يزيدهم وضوحاً في رؤية الأشياء والتدقيق بين دقائقها.
الوطن بحاجة إلى العمل في قليل أو كثير من المعرفة، والوطن بحاجة إلى شباب اتخذوا من العلم قاعدة لعملهم فلا يسترخصون العناء في سبيل إتقان المعرفة، لا يستغلون الجهد في سبيل فائدة لهم تكون أكثر ربحاً، ويكفي لذلك أنهم أعطوا وخلدوا، وأن الانتفاع بهذا العطاء عم الجميع.
حمص 13/8 /1986م
Comments