هيهات
كان أهله يصفونه بالغريب لأنه حقاً يختلف عنهم وقد أطلقوا عليه هذا الوصف بعد أن عجزوا عن وضع تعريف له ثابت. فكانوا كلما جروا عليه اسماً تبين لهم فيما بعد أن هذا الاسم لا ينطبق عليه وقد كانوا يضعون له أحياناً اسمين ليحكم الوصف له ويضبط المعنى معهم ومع ذلك فإن شيئاً من هذه الألقاب بعيدة عنه كل البعد وأخيراً أجمعوا أنه غريب كأنه ليس منهم وكأنهم ليسوا منه.
ما الذي كانوا يرون فيه ما لا يرونه فيهم وما الذي أسخطهم منه وما رضي أن يقلدهم فيه وما الذي يريدونه أن يعمل ولا يمتثل لقولهم. كان لا يشاركهم في سخرياتهم المستمرة التي تجيء بغير مناسبة ولا جمال فإذا ما سخروا فإنه يرفض التجاوب معهم والاشتراك في السخرية وكثيراً ما يضحكون لهذه السخريات التي تزعج سماعها غير أنه لا يضحك فإذا ما طلبوا منه رأيه في الموضوع نهض واقفاً وترك المكان حتى يتفرق الجميع ويلتئم في غير أسلوب.
ما الذي كان يرضيه ولا يتفق معهم وما الذي كان يتفق معه ولا يوافقونه عليه. كان إذا جلس ليأكل ترك المائدة قبل أن يشبع وكان إذا أراد الشبع عليه أن ينفرد بالأكل دون أهله وإخوته وكان ثاني ولد أبيه وكان إذا جلس للقراءة ترك أهله وإخوته في صياحهم للفرح وندائهم للطلب وصراخهم للمقت.
إن وجوده مع أهله على المائدة يدعو هؤلاء إلى النظر والمراقبة كما يدعوه إلى أن يضيق ذرعاً من احتمالهم يتكلمون عنه ويطيلون الكلام. إن وجود أهله معه مدعاة للوم على ما أفرط في الأكل أو ما أنقص منه وفي كلا الحالتين كان الكلام منهم والاستماع منه فلا يجيب بل يثور ويغضب في نفسه ولا يقدر أن يدافع عن نفسه شيئاً ولا يتركونه في مجال إلى ما بعد الطعام. إن تحدث أهله فيما لا يفيده بشيء إن كان في مصلحة المدرسة أو في مصلحة حاجاته ومتطلباته فإذا كان الحديث في المأكل فقد انتقى كل منهم أكلة يرغب بها ولو لم يرغب بها غيره وإن كان الحديث في الملبس فقد خص كل منهم بما سيلبسه ويروقه وكان الذوق للباسه ومأكله بما يفرضونه فرضاً.
مرت الأيام وتفرق الأهل جميعاً وأصبح كل منهم مستقلاً عن الآخر فإذا شهدت الأيام بصديقنا الذي أراده أهله غريباً وارتضى لنفسه نوع الغرابة التي جاءت من إزعاجهم له ومضايقتهم لأعماله وتصنيعه بما شاءوا له من الصنعة فما أمكن ولا استجاب زاره يوماً أخ له أكبر وقد أخذ منه التعب مأخذه بحيث نسي ما أنكره على نفسه من قبل وذكر ما أوهنه وأضربه وبعد استراحة قليلة رؤي أنه يصدق ما كان يكذبه ويؤيد ما كان يعارضه وينفي ما أدعي عليه إذ قال إنه صديقاً للأدب والفضيلة وعدو للرذيلة وللشر.
وقعت هذه الكلمات في نفسه موقع الدهشة لأنه لم يسمع هذا الحق من قبل وهذه الحقيقة من قبل ومن بعد هل هو في حلم أم هو في يقظة ولما أيقن واقعية الأمر قال له وهو يضحك! لقد ذهلت لتصرفاتي منذ أن كنت طفلاً ولزمت الاستغراب والدهشة والعجب بعد أن كبرت ولا تزال في دهشتك وعجبك.
وتجد في الغرابة فطالما رأيتني ولم تنكر دهشتك وتعجبك والآن يحق لي أن أدهش لا كما كنت في تفكيرك وسلوكك بل لأن الأيام والزمن جعلت منك إنساناً بالرغم منك فتؤمن بالصحة والقدرة وإتاحة الفرصة والمساعدة والعطف ولكن هيهات.
Comments