« له.. لا عليه | Main | نظرة »

بحر المحبة

لئن تغترف من بحر المحبة والعاطفة فتتيه في أجوائهما وتسير ذات اليمين وذات اليسار خير من أن تجرد قلبك منهما فلا يكون لك حنو ورأفة ولا تأخذك في الحق لومة لائم. قال الشاعر: إن الشجاعة في الرجال غلاظة ما لم تزنها رأفة وسخاء.

لي صديق يحافظ على ضبط المواعيد كما يحافظ على النظام في مخالفتها وقد سرني منه ما اتخذ من إجراءات شديدة للحؤول دون الفوضى التي يتعرض لها مخالفوا النظام والعابثين به فجاءت تصرفاته تدبيراً حسناً لكونه ضرب المثل بنفسه فلم يتأخر عن الموعد ولم يهزأ بتطبيق القاعدة.

أحببت منه تقيده بالنظام ومراعاته فلم يترك لأحداً أن يهمس في أذنيه معترضاً لأنه أحب مثلي النظام ولم يغفل عن تطبيقه، إنه المسؤول عن العقوبة للمخالف ولكن من المسؤول عن تعميمها بالنيابة عنه بحيث تجد عنده الجرأة ليقول أتذكرون غيركم وتنسون أنفسكم.

ولي صديق آخر يكره الكذب أشد الكره وإني لمعجب به أشد الإعجاب لحبه للصدق والجرأة في القول ولكن ما يسميه كذباً ليس هو إلا الصدق كما يحبه وكما لم يعلم تفرعاته، فما كل ما يعلم يقال وليس لك أن تلح في الطلب لتعرف وليس لي أن أخيفك وأزعجك لأكتمك ما ليس سراً وقد جاء سؤاله (ما أنت لست بحاجة إلى معرفته) عن وسوسة شيطانه لا عن ثقته بنفسه ليعرف ما يقول الناس عنه وما يكتبون وقد جاء تصريحي له ووعده بالكتمان عن حرصي على مودته وحرصه على كشف الغامض المجهول غير أن هذا الغامض ليس إلا واضحاً والمجهول ليس إلا معلوماً وقد جعل كذلك خوفاً من سوء التأويل وبلبلة التفسير ليصار إلى التعكير وفي الجو صفاء ومودة.

وبينهما صديق آخر أساء إلى صديقه من حيث يريد الإحسان وأحسن إلى صديقه الآخر من حيث لم يقصد الإحسان بذاته لأنه لم يكن يدري ما وراء قوله من نتيجة ولم يعرف الأشخاص في طريقة الكلام والسمع فأنبأ بالخبر لصاحبه ليقول:

(لقد بحت بالسر) فكان الرد عليه قوياً وحازماً ليس بما يكتب من صدق العاطفة والتجرد عن الفرص وليس الموضوع خاصاً بالشخص كما علمت بل هو موضوع عام ولكن من وحيه.

دارت دورة الزمن ليعيد الصديق الأول كلامه ولكنه في هذه المرة أمام مجتمع من الأصدقاء ليحدد موقف صديقه من الخطأ لا ليبرر موقفه من هذا الخطأ المزعوم وليُلبسَ الكلام صيغة أخرى يجعل من ورائها استعداده لكراهية صديقه بابتعاده عنه. غير أن قدرة الاحتمال على الصبر الذي ليس من وراءه إلا التعرف على الغباوة والشعور بها انفجرت لتضع النقط على الحروف فيخاطب صاحب العلاقة بما لم يكن ينتظر وتدوي في قاعة المجلس شهادة المحبة والوئام ويقرأ الموضوع ليتبين مصداق هذه المحبة والوئام وليس من الضروري أن نخفيها في جو ساكن بل يجب أن نعلنها ولو كانت في جو صاخب والويل ثم الويل لمن يدس عليها ويعرضها للتزييف والدوران.

18/11/68

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In