« ما تحفظه الذاكرة | Main | الانسجام في العمل مع وجود معارضة »

من زائر لإحدى الجمعيات التعاونية

ما أقسى الحياة على من لم تتوفر له إمكانات الحياة وحاجاتها ومتطلباتها. فالضرورة تقضي أن يسرع المرء إلى تأمين مثل هذه الحاجات التي لا يمكن الاستغناء عنها كالمواد التموينية ولقد زرت إحدى الجمعيات الاستهلاكية لعلي أجد فيها ما أحتاجه من مثل المواد الغذائية. غير أني لترددي عليها مرة بعد أخرى ومشاهدة الجمهور الذي يقف تباعاً واحداً بعد آخر بانتظار ما يصلها من المواد تبين ما يلي:

أن المتطوعين من أقسام البيع لا يبلغ واحداً فقط إذا ما كثر الازدحام على مقسم منها وبالتالي فإذا استحضر صنف من الأصناف فإن الاختناق يزاول الموظف الموجود إن كان في الاستلام أو في فرز السلعة أو في الفهم لما يسأل عنه الزبون وذلك من جراء الإجابات المتكررة لنفس السؤال ولذات الطلب والجميع يريد أن يوجه السؤال إلى الشخص الواحد الذي يريد القيام بأعباء التصنيف والفرز والإحصاء.

فإذا كانت الكلمة الواحدة لا توضح الجواب فإن مئات الكلمات لا يستفيد منها صاحب الحاجة الذي جاء وانتظر ولم يعد بشيء منها ثم جاء ثانية وثالثة وبنفس الطريقة لم يفز بمطلوبه الذي أمضى الساعات للحصول عليه أو بعضه. لم تكن مهمة الموظف بسهلة وهو يخيب آمال الحاضرين وقد تلاقت عيونهم على الفراغ الذي وجدوه في مكان البضاعة وأين له هذا التوسع والسماح لأن يحتمل ما يتكرر القول فيه فيرفع صوته ليكون الصراخ شافعاً له عن الكلام الذي لا يجرح النفس ولا يهين الكرامة.

وكم من مرة خرجت لأنتظر الزيارة الثانية والثالثة وكلي أمل ألا يتكرر المشهد المؤلم: إن كان في الازدحام أو في الصراخ المتعالي أو في المشاجرة ربما وكم مرة سمعت صراخهم ليقولوا: إننا في إجازة ساعات فهل نقضي اليوم كله دون جدوى، وكم مرة سمعت صراخهم ليعبروا عن ألمهم بفقدان السلعة بعد تواجد قسم منها وقد نفذ، وكم مرة سمعت صراخهم ليأخذ معرفة الوقت الذي تتواجد فيها البضاعة ليهبوا مندفعين حتى ينالوا حظهم من الاقتناء ولا يفوتهم التأخير.

إن الموظف الرجل أقدر على احتمال المشاق والمتاعب من الموظف المرأة التي إن زادت عليها المتاعب فلم تجد وسيلة للتخلص منها إلا أن تقذف بالقارورة أو العبوة التي فيها اللبن أو الحليب بوجه المتقدم للحصول عليها؛ غير أن النتيجة بالطبع لم تكن مرضية فإما أن يصبب اللبن الخارج من وعائه على أثر التمزق الذي أحدثه الضغط الواقع على الإناء من شدة الصدمة التي ارتطمت بالطاولة لتكون متنفساً لها وكذلك متنفس لرامي القارورة من الغضب الذي ألم به فما أسعفه الحلم ليكون متأنياً في تناوله وتسليمه وما أسعفه الصبر ليكون أكثر إيماناً بحبه للعمل والشعور بواجبه.

شاهدت الأمر كذلك بأم عيني فقد رضيت بنفسها عن نفسها ولم ترضى أن يقابل ذلك بالضحك الذي ملكني لا مبتهجاً وإنما بسبب ما اعتراني من الألم فما ملكني الدمع كما يكون في غالب الأحيان وإنما ملكني أن أقع في شر البلية وهو ما يضحك. فآمل أن يسعف الضحك الموظف أو الموظفة المغلوب على أمره فإذا ما تذرع بالصبر والأناة فهو يستجيب لضحك البعض ولا يغضب لصراخ أو إعطاء الجواب للبعض الآخر.

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In