ما تحفظه الذاكرة
ما تحفظه الذاكرة وما يتأثر به القلب وتتبدل به الحركات لهو أمر من الأهمية بمكان فإذا ما سيطر الفكر على العمل وتغلب العقل على عدم النسيان فإن الانطباع يجري مجرى التقيد في الحركة وإن الحركة عاجزة عن الخضوع لهذه المعلومات في الذاكرة.
يسرني أن يتكلم القلب عن اللسان ويسرني أن تتحدث الحركة عما في القلب فإذا ترجمان العقل ينتقل إلى ترجمان الفؤاد فالترجمة تأتي طبقاً لما يعتمل في النفس من أثر للقلب أو العقل. كان لها هذا الوقع من الانفعال فبعدما علمت أن العيون التي تواظب على التطلع والتمحيص فإن لنظراتها محبة القلب ومحبة العقل، ولما كانت لا تريد أن يكون لهذا الدليل أثر على ذاتها ونفسها من الآخرين فإنها أطبقت أجفانها عند التطلع وأرادت أن تخفي ما لهذه النظرات من أثر لهذا المعنى الذي يتجسم في المحبة والعاطفة فبدا ذلك دليلاً على قوة المحبة لا ضعفها لأنها إن فعلت غير ذلك فقد اتهمت المحبة وكانت أرادت أن تكون جهاراً لا سراً.
تحدثت عن المحبة لهذه النظرات وكيف أنها دليل تأثير لا أثر فعندها استحيت وأعادت النظرة إلى سابق عهدها كأنها تقول أثر الشيء يمحى بعد زوال المؤثر. فالنقد الذي أحال النظرة إلى ما كانت من قبل غير ما كانت عليه سابقاً هو ذاته النقد الذي رأى في النظرة الحرة الخالصة دليل اطمئنان وصفاء وعنفوان.
جرت العادة ألا يكون للمألوف أي معنى للتفسير والتأويل وجرت العادة ألا يكون التكلم في المألوفات ذات طابع هام. غير أن الاختلاف في وجهات النظر بين شخص وآخر هو الذي غير من هذا المألوف وأحاله إلى صورة مضحكة لا يقبلها الجميع إذا ما شوهدت تستقبل وهي بوجه راضي لا أثر للتعقيد فيه ولا للانصياع. وكما أحبت فما كرهت وكيف يكون لهذه المحبة طابعها الذي لا تستطيع أن تتنكر له وهي لم ترد به إلا التقدير والاحترام، وكيف يكون لهذه الكراهية طابعها من المظاهر التي احتفلت به وهي لم تبغ من ورائها إلا إسكات الآخرين عما تعانيه مما لا تجد منه بد إذا ما أريد لها التحدي وهي في موقف لا تعلم منه شيئاً.
أخضعت سلطان العقل لسلطان القلب فما نجحت، ثم عادت فأخضعت سلطان القلب لسلطان العقل كذلك لم تنجح فإذا ما أرادت ألا يكون للقلب أو العقل أي سلطان فإنها إن فعلت ذلك فقد جعلت قلبها أو عقلها نهباً مقسماً للمؤثرات تلعب به الأشياء كما أحبت واستأثرت وللصواب بعد ذلك التمييز وضبط الأمور فتقف عند حد المعقول أو اللامعقول.
Comments