اللقاح صحة
يمنع القيد أن نقوم فهل تاج فبالتاج للأفراد قيام. المرض قيد فبالصحة رفع لهذا القيد الذي جاء من النفس وإلى النفس ومن الجسم وإلى فناء الجسم. والجهل قيد فبالعلم كسر لهذا القيد الذي أخذ بزمام الأمر فلم يعد للعقل سلطان ولا للأهواء حد ولا للسلوك انضباط؛ والفقر قيد فبالمال ذل لهذا القيد الذي جعل الحياة على نحو ضيقة لا يستطيع معها المرء أن يجر ثوب العز والكرامة.
فإذا ما اجتمع لفرد هذه الثلاث كان التحطيم له أمراً محققاً وهذا يتأكد لسير هذه الخطوات سيراً بطيئاً منذ الطفولة فهي تشب معه رويداً رويداً حتى إذا كانت الطفولة فالإنسان لا يدركها، وإذا كان الشباب فالإنسان لا يعانيها وإذا كانت الكهولة فالإنسان يقاومها أما إذا صارت الشيخوخة والهرم فلابد له من تحصين يحميه من براثنها وهذا التحصين لا يأتي إلا من المحبة التي قامت عليها طفولته والأخلاق الحميدة التي نشأت عليها رجولته والإيمان القوي الذي امتدت بها كهولته أو شيخوخته.
حدا بي إلى كتابة هذا الموضوع الصلة التي تربط الفرد بإمكانياته منذ الولادة وحتى آخر نفس من حياته. فإذا كانت العناية تامة فلابد لجسمه أن يحمى من المرض الذي يفتك به وإذا كانت التربية سليمة فلابد لذوقه وفهمه أن يسلم من الخطأ والانحراف.
بقي علينا أن نتوجه إلى الآباء و الأمهات الذين يقومون بالدور في هذه العناية لأبنائهم الصغار الذين لا يدركون للخير والصحة أي معنى وإرادة. ولذلك جاءت وظيفتهم أساسية في هذا السبيل، أما التعليم فقد أعدت المدارس لهذا الطفل أن يتعلم ويستفيد ويصلح من اعوجاجه. وما عليه وبإشراف معلميه وبيته إلا أن يكون منظماً لنفسه ومنتظماً مع رفاقه وجاداً في سلوكه.
ولندرك أن لنمو جسمه وقدرته على احتمال المتاعب والمشاق أمر ضروري وهذا يتوفر بحبه للرياضة وميله إلى اقتحام الصعوبات فلا يخاف من الخطر اللاحق به وخاصة إذا كان هذا الخطر آتياً من الإقدام والشجاعة وحب الوطن والأهل ونكران الذات وحب التضحية.
إن المشاعر التي تدفع إلى كل ذلك هي وجود المنظمات التي تشجعه وتعطيه من الإمكانات فوق إمكانية الأفراد. فأصبح الطفل لا يعيش منفرداً فهو في الرعاية دائماً وليس عليه إلا أن يكون اجتماعياً بعيداً عن العزلة والخوف.
إن الثمن الذي يدفع من الإهمال في معرفة حقوقه وواجباته يؤدي به فيما بعد إلى فقدان القدرات شيئاً فشيئاً حتى تصبح قدراته نهباً مقسماً يتوزعه الأهل فيما بينهم فيغدو المرء طريقاً للانقياد إلى الموت لا للنجاة منه. وهل موت أعظم من فقدان الشخصية التي لا تعرف للرأي السديد موضعاً وهل نجاة أفضل من المحافظة على تملك هذه الشخصية إذا عصفت بها الرياح فبقيت كالطود لا تتزعزع!!
حمص 25/ 10/ 1986م
Comments