رفقاً بالعقول اللينة والقلوب المطمئنة والآذان الصاغية
قالت إحدى المعلمات بعد أن ضل عليها الطريق فيما وجدته من تناقض في التوجيه من المسؤولين. كلٌ على حسب معلوماته ومعتقداته وآرائه، إن ما يقوله البعض منكم حول غرض من أغراض التربية وهدف من أهدافها الخاصة والعامة لفي اختلاف وعدم تأييد للبعض الآخر ولو اجتمعوا كلهم على الإصلاح ورفع مستوى الطفل وإننا في أي منكم نتبع ونسير مادمنا مجبرين على الانصياع لوجهة نظر المفتش المسؤول عن حسن سير عملنا في الوظيفة.
إن مجال المناقشة محدود جداً في الموضوع المعطى لنا للتطبيق والعمل به وإن تمسك البعض بآرائه تمسكاً شديداً لا يسمح لنا بإفساح المجال أمام الكلام وترك الحكمة والخبرة لأنفسنا نظراً لتمرسنا بالمهنة والاستفادة من الخبرات التجريبية التي مرت علينا طوال عهدنا بالتعليم ووقوعنا أمام ناظر الطفل في حركاته وتصرفاته بحيث لا يخفى علينا طريقة استعداده وقابليته للفهم والنمو.
كان حظي كبيراً لأني حضرت مثل هذا التبادل بالأفكار والصراحة التامة. غير أني ما كدت أسمع الكلام المعبر عن آلام وأحزان قائله حتى رجعت بنفسي إلى حقيقة ثابتة واقعة وهي أن العلم لا في التعلم بل في القدرة على استيعابه وقوة فهمه فهماً صحيحاً وإن بعض هذه العلوم يحتاج إلى قوة في المحاكمة وتفهم للواقع أكثر منه إلى ذاكرة لا تنسى ما حفظت.
إن اختلاف الآراء شيء وحكمة المعلم في حسن تصرفاته وملاءمته لواقع التلميذ شيء آخر. فليس من الضروري أن يكون الصحيح السالم هو بنفسه واحداً في جميع الحالات فما يصح ويسلم في مجموعة معينة لا يصح ولا يسلم في مجموعة أخرى وإن النظر الثاقب والعين الملاحظة هي الحاجة الكبرى إلى المعلم قبل معرفته بدروس التربية وتوجيهات المربي.
فمن لم يكن عنده مثل نفاذ هذه العين فما تنفعه المنفعة الحقيقية التي اكتسبها من تجربته وخبرته ودروسه. وإن الحصول على مثل هذه القدرة يحتاج إلى الشعور بالواجب وإحساسه العميق بمؤثرات نفسه وتأثيراتها. لذلك كان من الضروري أن تكون المعلمة أو المعلم ابن واقعه ووطنه حقاً فلا يتعالى عليهم فيما يعلم بل يجب أن يحنو حنو الأب والأم على طفله. وما قيل في المعلم يقال في الموجه والمربي الذي أسندت له مثل هذه الوظيفة أن يرفق على أصحاب العقول اللينة والقلوب المطمئنة.
Comments