ما أتعبه! وما أجملها!
لم يكن يحبه وإنما كان يطيل النظر إليه ولا يقوى على الابتعاد عنه والصبر على فراقه.لم يقلها من فمه كلمة صريحة وإنما قالتها كل جارحة من جوارحه يحس بتأثيرها ولا يحب أن يسمعها في أذنه. لم يكن بينهما حجاب ولا بعد وإنما كان بينهما كل الجفاء وعدم الامتزاج. كان يريد أن ينساه إذا ذكره وكان يريد ألا يذكره لكي لا يتذكر به. عاش معه في سقف واحد وعلى مائدة واحدة ويتمنى لو أن السقف كان عالياً جداً حتى يذهب بصوته ما يدوي في أنحاء الغرفة.
قالت إحدى أقاربه يوماً بعد أن سمعت منه ما أنكرته عليه وبعد أن طال عهد اللقاء بها: دعني والحديث عنه فإن الصوت لا يزال مدوياً في أذني وإن الجفوة لي كانت بسببه. عندئذ نظر إليها ملياً ولم يستطع الكلام لتأثره منه ومنها ولكنه وجد الجواب في أعماق نفسه ليقول لها: ما درجة الصلة بيني وبينه وما درجة القرابة بينك وبينه. أنت على حق فيما سمعته ولكنك على باطل فيما حفظته وتحفظينه سمعت كلاماً كان ينبغي فقط أن تفهمي ما وراءه وحفظت كلاماً كان ينبغي أن لا تعيديه.
إن حالة الاشمئزاز عندما تكون في نهايتها تدفع بالإنسان والمحب حتماً إلى الغضب ويستمر الغضب باستمرار الاشمئزاز أما أنت فداعية إلى زوال هذا الوضع الكريه لا بتثبيته. فذكرك للماضي إحياء له ومذاكرتك بالإنسان الكريه فيه معنى آخر: فافهمي جيداً أن العقاب الصارم للمحبوب الكبير وإنك تدركين ببساطتك العقوبة الظاهرية ولا تدركين بثقتك وكبير عقلك معنى الألفاظ التي تخرج من الشفاه والتي ليس لها إلا الدليل على تألم صاحبها من عذاب الضمير واحتراق القلب وتعقد المشاكل.
لم يكن المحبوب طفلاً كبيراً وإنما كان شاباً صغيراً. له قوة الشباب وليس له معرفتهم بالواجب وخوفهم من تحمل مسؤولية. لم يكن المحب قاسياً وإن كان رحيماً في مظهر القساوة لم تكن القريبة محبة على حق لأنها لم تحبه لأخلاقه وآدابه وتهذيبه ولكنها أحبته لجمال شكله وعذوبة مظهره.
رجعت إلى نفسي بعدها لأقول: ما أجملها من كلمة حق تقال أمام حاكم جائر! وما أجملها من صدق عزيمة فلا تتردد في الجواب ورد القول! وما أجملها من نفسي يبلغ بها التأثير فتصلب وتقوى! وأخيراً ما أتعبه من قلب يحمل آلام الناس ولا يحمل آلام نفسه!!
Comments