« الكلمة وحجم الإنسان | Main | لا ترقى الابتسامة إلى الضحكة »

ضائقة الحاجات المعيشية

ضائقة الحاجات المعيشية هل تأتي من توافر الهجرة إلى المدينة للتعليم والعمل والحياة الهينة أم من عدم مشاركة أهل المدينة لسكان الريف في مشاعرهم وحبهم للمساواة في الحقوق والواجبات أم من ازدياد عدد السكان فلم تعد تكفي الأرض في استغلالها لملء الأفواه التي تتقن الكلام وليس لها من العمل في جهد اليد العاملة أو الفكر المبدع الخلاق.
فإذا كان سكان المدينة قد انشغلوا بالترهات من الحياة فإن سكان القرية الذين عرفوا الاستفادة من الطبيعة في تقوية أجسامهم ومن العمل في قسوة أطباعهم ومن الفردية في الاعتماد على أنفسهم في الحماية من ظلم الليالي فإن ذلك كله جعلهم يعرفون قيمة العلم كما عرفوا قيمة العمل وقيمة الاستغناء ما أمكن عن هوى النفس والانصراف إلى الضروريات.
فهل المدينة فتحت لهم أبوابها وأعطتهم من المدارس ما يستحقون ومن المصانع ما يدر عليهم أبواب الرزق، وأمتعتهم بالماء النقي والكهرباء حتى لا يجدوا فرقاً بين موطنهم الأصلي والمدينة، إذن لاستظرفت ذكاءهم واستجذبتهم أشعرتهم انه ليس من الضرورة أن يقيموا البنيان في المدينة مسكنا لهم لسد حاجة أطفالهم للتعليم ولسد الثغرات التي تنقصهم في العيش عن إخوانهم أهل المدينة.
إذا تساوى اثنان واحد من القرية وآخر من المدينة في نفس العطاءات وكان للأول ذات المكتسبات التي للثاني فلا تشك أن الطبيعة الجميلة قد منحت ما لم تمنح ابن المدينة للشعور بجمالها إن كان في الزراعة للإنتاج أو في الجهد العضلي للحصول على الغذاء بما يتطلبه من الوقت والصبر على المشاق.
لم تعد القرية كما كانت سابقاً لا يوجد فيها من يعلم أو يتعلم، ولم تعد القرية كما كانت سابقاً يخيم عليها الجهل فلا تفهم بحقها في الحرية والحياة والظلم كل الظلم قد وقع على الأرض التي تتطلب المزيد من الجهد لازدياد العطاء وتوفير الغذاء للعدد المتكاثر من السكان، والأرض إذا ظلمت فقد تعد لظلم أكبر! فظلم الأرض هو تركها لا تحيا وتعيش وبالتالي يشعر صاحبها بنقص في الموارد والإنتاج.
فإذا كانت الكثرة المتكاثرة قد نهجت نفس النهج حباً بالتعلم والإقبال على العمل في المدينة فإن الجهود المبذولة في العمل تعطي موفوراً كاملاً قد أنفذته هوى المدينة ومشاركة أبنائها في الخلود للراحة فإن المتضرر في ذلك هي تلك البطون التي كانت شبعت ولم تتعلم أن تحد من شبعها، وإن المتضرر من ذلك احتياج الأفراد إلى إيجاد مجموعة عمال جدد لأجور مضاعفة يسددون النقص الذي سببه انصراف العمال الأصليين عن تعاطيهم الزارعة.
وإذا كان أهل المدينة يرون في حضارتهم ما يزينون من لباس فلقد قام أهل القرية بالحد الأدنى من هذه الحضارة وبذلك يجب أن يستوفوا حقهم من الثمن في تقديم الغذاء نتيجة جهد الإنسان وإنتاج الأرض. أما الخسارة فهي تقع على الذي يعوزه المال لعدم العمل أو الذي يعوزه العمل لاقتناء المال ففي المال وفي العمل تغلب على الحاجات الضرورية للحصول على العيش الأفضل.

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In