أسلم طريق
ركضت مسرعة إلى مدرستها لتتعرف إلى نتيجة امتحانها باستلامها الجلاء الذي يساوي عندها كل شيء في النجاح والرسوب، وما أن وصلت إلى باب المدرسة حتى فوجئت بالأمر الشفوي من الإنسان الذي يمتلك هذه الفرحة ليقول "ارجعي وعودي محملة بالدراهم".
إنها لا تعرف كيف تهتدي إلى طريق العودة مرة ثانية لتحمل معها ما استعصى عليها حمله قبل أن يداهمها هذا الإنذار الذي سمعته لأول مرة مرعباً ومؤملاً بالبشائر السارة أو المحزنة.
وصلت متخاذلة إلى منزلها كأنها تريد مفرجاً لضائقتها التي أكدت لها أن فرقاً كبيراً بين من يحمل معه دراهم ليشتري النجاح بهذا الجلاء وبين من لا يحمل معه ليبيع الفرحة إلى من يحملها بامتلاكه هذا الجلاء. أسرعت تقول لأول من تلقاه من معارفها: اعطني مالاً لأجلب لك ثمرة أتعابي ومقياس اجتهادي وذكائي.
لم يكن والدها في البيت ليسمع قولها ويرى دمع عينيها، ولم تكن والدتها في البيت أيضاً لتأخذ الموضوع في الحكمة وتعيد الفرحة إلى البنت، إنما كان الجميع مغادرين المنزل للانصراف إلى أعمالهم ما عدا طفلة صغيرة كانت واقفة في الباب من أطفال الجيران بينها وبين التلميذة منافسة ومزاح فهمت كل شيء وذهبت إلى أمها وأخذت قطعة نقود ودستها في جيب الفتاة قائلة خذي هذه وادفعيها له فإني سأستردها من أهلك حالما يحضرون.
ركضت مسرعة مرة ثانية في الطريق الذي يحمل البشائر والمسرات وعادت تحمل معها ورقة الجلاء التي تعلن نجاحها وتؤكده غير أنها في هذه المرة وجدت والدها ووالدتها وهما يتشاجران لقطع الماء والكهرباء عن المنزل بعدما أنذرهما الجابي بالدفع ولم يتمكنا من الوفاء له والتسديد.
إن فرحة النجاح كانت بالنسبة للبنت عظيمة جداً أما فرحته بالنسبة للأهل لم يكن شيئاً مذكوراً إلا بتسديد المبلغ الذي استحصلت عليه طفلتهما من الجيران بعدما أعلمتهما أن المدرسة رفضت إعطاء الجلاء إلا من بعد إبراز الدراهم وقبضتها باليد وتسليم الجلاء.
مساءً شاهدت في طريقي موزع الجلاء يفيض وجهه فرحاً وسروراً؛ نظرت إليه متأملاً هذه الفرحة التي جاءت من أعقاب نجاح الطلاب، فاستطعت أن أتناول هذه الفرحة بالعجز الذي أصاب أهل البيت وبالتأكيد للطفلة أن المال يدعو إلى الفرح والحزن وأخيراً رفع الكلفة بقبض الثمن من الجيران ليصار إلى القبول مرة ثانية عندما تشتد الحاجة.
رأيت الفرح يعم الجميع ولكنه بعد جهد وعناء. أما موزع الجلاءات فقد تعرض إلى المخاصمة والشتيمة واللوم والعقاب، وأما الفتاة فقد أصابها التعب الشديد لكثرة ما جاءت وعادت وركضت وفرحت وحزنت.
ذكرتني هذه الحادثة بشاهدة جميلة استحسنت فيها تدبير الأمر ـ لأنها تعطي وتعطي أولاً ولكنها في الأخير تأخذ وتأخذ بأكثر مما أعطت.
رأيت صندوقاً في إحدى المدارس الخاصة تضع فيه الفتاة ثمن الذي تأخذه ـ من قلم وممحاة ودفتر ـ من تلقاء نفسها دون مراقبة ولا انتباه. أكد لي مدير المدرسة أن كل شيء يجري على ما يرام وإن الفتاة التي تخدع وتغش لعدم وجود من يراقبها لا بد وأن تحاسب نفسها فتعود عن المخالفة أو تقع في الحساب الشديد لما جنته يداها.
إن صندوقاً من هذا النوع يجرى به الدفع لاستلام الجلاء بحيث يبقى مجهولاً قيمة المبلغ المدفوع فلا يتعرض الفقير لمثل هذه الهزات ولا يصاب الغني بالإعجاب والغرور هو أضمن وأسلم طريق يقتصر على المراجعين شكاواهم وعلى مطالبة أصحاب الحقوق استحقاقهم.
Comments