« أسلوب جديد | Main | إن الذي جعلك محبوباً »

إنصاف الفئة التعليمية ضروري للشعور بعزتها وكرامتها

قالت والألم يهزها هزاً عنيفاً: إنني منذ أكثر من عشر سنوات وأنا معلمة الصف الأول فما رسمت خريطة ولا صورت مخططاً، وقالت أيضاً إنني أقوم بواجباتي كأم في البيت وكزوجة في تلبية طلباته فما أرفع رأسي على حديث قلبي الذي يذكرني بضرورة معرفة هذه المعلومات كمواطنة تحيا في قلب وطنها العربي وكمعلمة تخجل من نفسها أن يكون طالباتها في المدرسة يرسمن بإتقان وهي لا تعرف من هذا الرسم إلا اسمه على المخطط وترديده من الأفواه.
وأخيراً قالت من المسؤول عن ذلك وأنا أردد كل يوم صوت الحرف أقرأه وأكتبه وأرسمه على السبورة وفي دفاتر الطلاب فلا يأتي وقت الغذاء إلا وأنا مدعوة إلى تحضير الطعام للأطفال الجائعة لكي يهدأوا بعد القلق والاضطراب والغليان. فإذا ما انتهوا وأكلوا وشبعوا تتابعت على وجبات أخرى تملأ الفراغ كله بحيث أضطر بعدها إلى الارتماء على الفراش والغطيط في النوم... وهكذا ينتهي اليوم لأستقبل في الصباح الباكر ما وجب في تحضير الدروس ليوم المدرسة.
قلت يا سيدتي إن المسؤولية هي في الدرجة الأولى والأخيرة تقع على عاتقك فأنت معلمة والأطفال جميعاً تلاميذ والنسيان يعود إلى ترك الممارسة والنشاط والرغبة والاهتمام ولست معفية من اللوم العنيف والعتاب الشديد على التأخر الذي أوصلك إلى هذا الحد من الجهل وعدم التذكر.
قالت إنني ما أكاد أضع الخارطة أمامي حتى يتبادر إلى مخيلتي واجباتي في ترك المهم على الأهم فأنهض من مقعدي لألبي حاجة طفل أو طفلة يبكيان فما أنتهي من ذلك حتى أسمع صراخ الطفل الكبير الذي هو الأب لأهيئ له فرصة الراحة ليتمتع بأحاديثه الخيالية أو أحاديثه المشحونة بالمجادلة والخصام، فإذا ما عدت بعدها إلى الرسم وجدت الدفتر قد أخذ من مكانه على الطاولة فأثور وأغضب وأقسم اليمين أن يكون للطاولة درج مغلق بمرتاج يمنع الأطفال من فتحه واللهو بمحتوياته.
قلت يا سيدتي حظك من التعليم مثل حظك من الحياة الزوجية المتعبة وحظ تلاميذك من التعليم والاستفادة حظك من الاطلاع والمعرفة والمراجعة فالفراغ مملوء عندك بجميع الأشكال غير أنه مفقود للاعتناء بالرسم وتصوير الخرائط وإن أعذارك بالنسبة لحدود قدرتك وإرادتك هي معقولة غير أنها ولا شك لا تبشر بنهوضك ونهوض مثلك في التقدم والرفعة والعلاء، فأنت اقتنعت بما عندك وتوقف الزمن معك عن المطالعة والدرس لا يوقف معه تحديد معلوماتك بل هي إلى النقص صائرة وإلى التلاشي آيلة.
قالت أنا معلمة بمرتب بسيط ولي سبعة أولاد لا يتجاوز الكبير منهم العاشرة وزوجي قد أصيب بعجز جسماني لا يساعده على الأخذ باستكمال اللوازم وأنا كلما أحطت الموضوع علماً وذاكرة رأيت أن القفل الذي يحمي درجي هو مقابل ثمن دفتر أو قلم أو رغيف أو كرسي أو فراش أو حذاء.. و إن الحاجة إلى رسم الخريطة يتطلب قلماً ودفتر وطاولة وكرسي وأذناً صاغية ويقظة نشيطة. وإن عدد الأولاد وعدم تأمين الحياة النظامية لهم على قدر الإمكان ليغضبني فلا أستطيع المتابعة بالواجب المطلوب في إتقان الرسم.
قلت إنك معلمة في القول والفعل وقد اتصفت بهذا الطابع الشخصي فإن من دروس الرسم للصف الأول رسم الخطوط فبإمكانك أن ترسمي الوطن العربي كخطوط ليستفيد منها طالباتك وبالتالي لكي لا تنقطعي عن حركة اليد في الرسم وحركة العين في المشاهدة وحركة القلب في الترديد.
قالت : إنني في الحقيقة لا أهوى الرسم وليست المخططات الجغرافية إلا اشتغال القلم برسم الخطوط والذاكرة بمعرفة المواقع الجغرافية للبلدان وتأشيرة الجبال والأنهار وتثبيتها في مواقعها المضبوطة.
قلت : هذه فرصة جميلة لإحضارك دفتر رسم وتجرين عليه بعض الخطوط فما عليك إلا أن تتقني رسمك أو أن يعيبك أحد على ما رسمت ولكن المهم أن لا تقولي قد فات الأوان وليست الفائدة المرجوة من التلقين إلا الاشتغال بتضييع الوقت والرجوع بك إلى الماضي القريب والبعيد لتحزني على ما فرطت وتأسفي على فوات الوقت.
قالت : إنه يمكنني أن أجد لذة وهواية في الرسم إذا وجدت الجميع أمامي يرسمون فأقلدهم في أعمالي كما أنني أجد أن أمر العمل لازم ومحتم إذا تيسر لي وجود الورق والقلم والممحاة والخارطة أمامي كما أن استمرار العملية بشكل آلي وتقليدي يجر بي إلى ترديد النغمة في البيت لأجد لذة بالرسم كما أجدها في الكلام والطعام ورتي الثياب وعندما يتم لي ذلك فإني أقول لطفلي إنك هنا في موضع كذا من أسماء المدن أو الجبال أو الأنهار أو الحدود وأقول لطفلي الثاني أنت هنا في مكانك وتعّين اسماً لبلد أو جبل أو نهر أو حدود أخرى وهكذا أجد لذة في منظر الأطفال في مكانهم كما لو كانوا خريطة وكنت مصوراً لها.
قلت هذا صحيح إنني تعلمت الرياضيات بسبب تعلمي للنظرية التي يقول فيها الفيلسوف ديكارت في مقدمته ما معناها إن تعلم الرياضيات حاجة ماسة إلى جعل نظريات الفلسفة صحيحة ومضبوطة لا تقبل الجدل وهي ثابتة نوعاً ما فهل تشك بمعادلة 1+1 =2 وواحد يحتاج إلى واحد ثاني ليكون الحاصل اثنين والاثنان هما عددان مجتمعان للرقم واحد والواحد هو عدد متفرق عن الاثنين.
قالت إنني بسبب حاجتي إلى الحياة الزوحية السعيدة فإني تعلمت الطاعة وما كنتها من قبل وبسبب حاجتي إلى تربية الأولاد تعلمت الصبر وما كنت أيضاً من قبل والآن بسبب حاجتي إلى رسم الخريطة فإنني أرى أن كل صفحة من صفحات الكتاب هي خريطة لكل بلد عربي وأن كل ورقة بيضاء يخط عليها قلمي هي مسودة لرسم جغرافي. قلت هذا جميل وآمل أن يحذو رفاقك حذوك في التمثيل والإرادة، وإنك بعد اليوم لن تقفي موقف المخجول لعدم ضبطك للرسم أو التصوير.
قالت شكراً فإني مستهدية وهادية وودعتها وانصرفت للعمل والواجب.

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In