ذكاء ولكنه مشكلة
أخذ طريقه في الحياة على وجه مستقيم يذهب صباحاً إلى عمله يمارسه بإتقان ويعود مساءاً دون أن يعرف شيئاً عن العالم الخارج عن دائرة بيته ومكتبه إلا ما يأتيه مصادفة وعن طريق المقابلة. احتاج مرة إلى إخراج قيد نفوسه من موظف ضابط الأحوال المدنية فسمح له بمغادرة مكان عمله لأن الوقت المحدد لانصرافه يتعارض مع طلب الموظف بوجوب حضوره في ساعة مبكرة قبل الساعة الواحدة صباحاً.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يأتي بها العامل إلى غرفة السجل المدني ويقوم بعملية استخراج قيد نفوسه، فبعد أن استدل إلى المكان المطلوب ودخل مع أصحاب العلاقة فوجئ بالازدحام الشديد والانتظار الطويل ليحين موعد دوره فلما تقدم بالطلب انتهره المسؤول قائلاً : "عد غداً ولكن في الصباح الباكر" فأحب العامل أن يهدأ من غضبه قبل أن يرد عليه ليفهمه أن أسلوب الحدة ليس أداة للتفاهم وان السرعة التي جاء بها إلى هنا هي من حساب تعطيل عمله وتوقيفه لحين مجيئه.
فأجابه المسؤول دون أن يستوعب الكلام ماذا أعمل؟ وهنا وقف صاحب العلاقة قليلاً يهدا نفسه من شدة الصدمة التي لم تكن متوقعة وما هي إلا لحظات حتى انتبه إلى أن الذين جاءوا بعده من مثل طلبه قد حققوا طلبهم بكل يسر وسهولة دون أن يسمعوا كما سمع أو أن يؤجلوا و ينتظروا.
وهنا سرت في نفس المتكلم انتفاضة الحلم والسماحة فبردتاها من الغليان الذي كان فيها فأحث الخطى وعاد إلى عمله وحينما شاهده المدير وعلى وجهه ابتسامة مريرة وفي عينيه بريق خافت لم يشأ أن يسأله وترك الكلام لمناسبة أخرى.
وفي اليوم الثاني قدم الجميع إخراجات القيود ماعداه لأنه كان ينتظر رضا الموظف وبشاشة وجهه والوقت المبكر للإسراع بتحضير قيد نفوسه والوقت المتأخر بلا مبالاة فيبرزه لمن كان أولى وأشفع، وهنا انتبه الرئيس إلى السر بهذه الضحكة المريرة التي لم يعهدها من قبل في موظفه النشيط فبادره بالرضا وعدم الحرج بمغادرة المكتب والإسراع بإتيان الورقة المطلوبة، وبأقل ما يمكن من الزمن لوصوله لأكثر ما يمكن منه لإحضار قيد نفوسه.
كان صديقنا العامل المجد يتلهف إلى معرفة السبب الذي تعذر عليه إدراكه كيف أن أناساً تفتح لهم الأبواب دون أن يحتاجوا إلى فتحها وأناساً آخرين تسد أمامهم البواب وهي مفتوحة دون أن يستطيعوا الولوج بها، وما إن عاد إلى عمله حتى قابله المدير بالاستغراب والدهشة وعلى وجهه إمارات الغضب والأسف فماذا يصنع؟ وقبل أن يبادره الكلام نظر إلى وجهه فرأى آثار التعب بادياً على جميع جسمه ومع ذلك فإن ابتسامته كانت لا تفارقه وهي من نوع جديد، تعرفه إلى ما يحيط به من صعوبات أولاً وأخيراً في سبيل المحافظة على ثقة معلمه به وثقته بوجود العدالة في المجتمع ومراعاة النظام.
حينئذ سأل المدير بقية المتقدمين ماذا صنعتم حتى وفقتم إلى طلبكم بسهولة فأجابوه : إن إخراج القيد هو الطلب وإن الغرض هو مراعاة شأن الموظف بما يبهج قلبه ويشرح صدره وتسر عيناه ويترنم سمعه وقد كنا أذكياء أما صديقنا المسكين فهو لا يعرف من أمور الحياة شيئاً إلا استقامته في عمله وصدقه في حديثه وجديته في طلبه.
وبعد أن سمع العامل كلام الزملاء قال : إن طريق الاستقامة ناجح ولكنه طويل أما طريق الالتواء فهو فاشل ولو بدا للعين انه نصر مبين وعندها قال المدير ينبغي مع الاستقامة أن يكون الإنسان مرناً وحتى يكون كذلك لا بد أن يراعي مفاهيم العقول فينظر إلى العين من وراء تحدقها وإلى الوجه من وراء غضبه وإلى الكلام من وراء مغزاه.
Comments