« الكسب المادي وضرورات الحياة | Main | المهارة »

تهنئة مزدوجة

بين الأساتذة الذين درسوا التاريخ واختصوا به أستاذ أُبعد عن منصبه كمدرس ليتولى منصباً آخر من ذات اختصاصه لا ليدرّس هذه المادة بل ليُشرف على تدريسها وقد أُنيط به عمل آخر وهو الإشراف العام على تدريس جميع المواد ومنها اللغة العربية وقد أمضى في هذه المهمة زمناً وضع خلالها قواعد عامة وملاحظات خاصة بقيت تتدارس للاستغناء عنها ليست في كليتها فحسب بل في العلم الذي وضع البرنامج فيه ليكون مادة للنجاح والترسيب بالنسبة للطالب واقتداراً للتفوق بالنسبة للمعلم مدرس هذه المادة.
ولقد حز في نفسي بعده عن منصبه قبل أن أستفيد من اختصاصه إذ أنني أرى في أستاذ التاريخ صلة بأحداث الزمن ومصائر الأيام إذ أن له نظراً عميقاً في التفحص بمستقبل الحوادث بالقياس إلى ما درسه من ماضيها، غير أنني وجدت أن دراسته للتاريخ مبنية على حوادث ووقائع حفظت فقط في الذاكرة دون الاستنتاج منها في شيء عملي من مشاهدات الواقع ولذلك تمنيت له كل التوفيق بعد أن خط نهجاً جديداً في عمله للاستفادة من اختصاصه الذي يتطلب انشغالاً وليس فراغاً للتعليق بما لم يستند على واقع تجريبي أو ملاحظة بعيدة.
ولا أدري هل اختير بعد ذلك للسفر خارج البلاد السورية في مهمة ثقافية بناء على طلبه أو رغبة في توجيهه الوجهة التي أحبتها وزارته لإسنادها له المنصب الحساس الذي شغله في ديار الغرب.
لقد كان كأستاذ للتاريخ يقول لتلاميذه لقد قُتل في المعركة كذا وكذا ولقد كان الانهزام كبيراً وليس البطل من يترك قيادة جنوده دون حزم أو شدة ولقد أرى في صفوفكم مثل الانهزامي في الدرس حيث لا يحزم أمره ولا يشتد في بناء شخصيته، فيعاقبه ليلقنه درساً في الشجاعة وهكذا يبقى القصاص على أكمله لجميع الطلاب مبتدئاً من الأضعف فالضعيف ثم التلميذ الذي لا يأتي ذوقه على ذوق أستاذه.
ولا أستطيع أن أعبر عن فرحتي بلقائه لأول مرة بعد غياب دام سنتين كنت أذكره دائماً كلما عادت المناسبة إلى الذاكرة فأقول كانت الفائدة من الأساتذ كبيرة ولو أنها في نطاق معين ولو أنها حزّتني لما كان لا يرحمني من ذكر العدد الضخم الذي يورده دائماً في قتلى المعارك وجرحاها.
تخلى الأستاذ بعدها عن منصبه ليستلم منصباً آخر يحتاج بالإضافة إلى التاريخ خبرة فنية وأدبية لما لهما من طابع يطبع الحوادث والمناسبات بالطابع الذي يجعلنا نشتد ونقوى ويُعاد فينا الأمل بالنصر العظيم وذلك بأسلوب متنوع جذاب ننساق إليه ويحّجنا فيقضي بعد ذلك على الجدل السقيم والأوهام.
واليوم من جديد وجد الأستاذ منصبه ووجدت الحوادث والمناسبات طابعها الحقيقي فلقد نُسقت وأُدعمت بالتاريخ واليوم تُفَنّدُ وتُضبط بالأدب، فالتاريخ فن قبل أن يكون سرد معلومات والمؤرخ الحقيقي أديب يحتاج في تأريخ الحوادث إلى مهارة فنية ليرتبها في السنين تبعاً للعصور فالتهنئة مزدوجة لأننا رجعنا إلى الأدب في صنع التاريخ ولكن علينا ألا ننسى العبر منها حتى نعتبر.

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In