الكسب المادي وضرورات الحياة
مفهوم قديم استحوذ على الأغلبية الساحقة من الجمهور حتى الصغار منهم ولا غرو أن يبقى هذا المفهوم سائداً في الأفكار ما دام كل شيء يقاس بالمادة ويوزن بوزنها ويصار إلى صحيحها وخطئها وارتفاعها وهبوطها بما يكون للعمل من تقدير ونتيجة تقدر بالثمن الموضوع أجراً له.
فاحتياجنا لضرورات الحياة وصيرورتها بالاكتساب المادي وجعل هذا الاكتساب أمراً مرهوناً بالقدرة على توفيره أدى إلى الانشغال إلى ما وجب بما كان يجب أن نجده مهيئاً ومعداً لنا، ولقد أعددت لنفسي فراغاً للقراءة والكتابة والملاحظة والتأمل غير أني رأيت أن الفراغ الموجود قد تهيأ لي في هدأة من الليل أثناء السكون التام وفي جو من الاكتفاء الذاتي للقيام بهذه القراءة والكتابة.
فالطبيب الذي أتيح له من العلم والمعرفة ما يجعله يطالع في كتب الطب وهو على مزيد من الشوق لها لا يمكنه الاستمرار في هذه المطالعة وهو على نوع من القلق يهدد اطمئنانه فتراه وهو في جو البحث والعلم يفتقر إلى صدق المريض في وصف دائه وإلى صدق نفسه في وصف الداء فلا يطلب من المريض إعطاءه للدواء ألا بمقدار ما تسمح له نفس الطبيب من القناعة بوجود المرض أو عدمه وقدرة المريض على استحصاله ثمن العلاج بالشكل الذي يستغني عنه لينتقي له نفس العلاج بالشكل المتوفر له بثمن بسيط.
والمحامي رجل القانون قد أتيح له أيضاً من المعرفة والعلم ما يحقق الإنصاف والعدالة لموكله في الدفاع عن قضيته وذلك بعد الاقتناع شخصياً بالظلم اللاحق به ليقف أمام القانون ويطلب البراءة والتبرئة لمن جعله مدافعاً عنه حتى يربح الدعوى المقامة له أو عليه وبعد الانتهاء والحصول على النتيجة المرضية يرى أن أتعابه لا تعادل الأجرة التي يعينها له موكله بالاتفاق فيرغب بالزيادة لعلمه بقدرة موكله على الدفع أو ولا يرغب بالنقص لعلمه بعجز موكله عن جمع هذا الاستحقاق.
لذلك كان لا بد لي من الكذب على الصغار لأقول لهم إني أتناول أجرة أتعابي عما أكتب ومعللاً بذلك فائدة انصرافي إلى هذه المهمة الشاقة. وكذبت على الكبار أيضاً لأقول إني أتناول أجرة عن كتاباتي معللاً بذلك قيمة هذه الكلمة من الأهمية لأنهم يقيسون كل عظيم ومفيد لي يتقاضاه الإنسان من أتعابه. وإني في كذبي أفتح صفحة من مفاهيم لأسد صفحة أخرى من المفاهيم الجديدة التي تقوم على الواجب والرضا ولو كانت بدون مقابل أو ثمن.
فيا أخي الإنسان ما أحوجك إلى الاكتفاء بضرورات الحياة حتى لا تشغلك المادة عن الواجب وحتى لا تفكر مرة أخرى بقبض الثمن لقاء القيام به وأخيراً حتى لا تدعوني إلى مسايرة عقلك ومفهومك وبذلك قد حملت نفسي فوق طاقتها لتقول لي قبضت الثمن فأدى حق العمل ولو كان لا يرعى ضميراً وإخلاصاً وأمان.
Comments