« اللجوء إلى القسوة في مجال الكلام | Main | حاجة النقل إلى العقل »

وأخذ منه المبادرة

قال لي أستاذ عائد من باريس جواباً بالسؤال عما لفت نظره واستدعى انتباهه وترك في نفسه طابعاً قوياً حبّذا لو ضحينا و أعملنا التفكير لكان بإمكاننا أن نتدبر ما يراه كل منا وما يشعره في سبيل مصلحة عامة و تخفيفاً للعبء الذي يحمله بعضهم دون وجود التعاون والمساواة.
إن أي إنجاز عظيم لمشروع مقام هو من صنع محلي درسه وخطط لتنفيذه أيادٍ بناءة من ذات النفوس التي آلمها حاجتها للتنظيم فأقاموها بجهد عمالهم ومهرة فنانيهم وعطاء أغنيائهم وما عليهم إلا أن يتعهدوا للإدارة المحلية بالتعويض عن الضرر الذي يحدث للأفراد والذوق العام الذي لا يتناسب مع الحس السليم والجمال المنشود.
قلت ثم ماذا قال لو ارتكب أحدهم خطأ بحق غيرهم ذنباً صغيراً لأسرع إليه وتقدم بالاعتذار ألف مرة وتمنى لو لم يغادر المكان إلا ويسمع كلمة الصفح والعفو تخرج من القلب والفم ولو أدى به إلى الوقف والانتظار.
قلت إني في العام الماضي وفي كل عام أرى ازدحاماً لا مبرر له على مستودع الكتب ولقد علقت على الواجهة "الأمر الوزاري" القاضي بعدم البيع الإفرادي وإن التوزيع يكون عن طريق المدارس وإن إتاحة الفرص لشراء الكتب للطلاب الأحرار هي معطاة بعد شهر ونصف أي بعد استكمال المدارس حاجتها.
قلت إنه لا مبرر له إن العبء على مستودع الكتب يتحمله موظف مسؤول يعاونه اثنان ولا يستطيع مهما كان قادراً وقوياً أن يرد الجواب وهو يحسب ويعد ويصفف لمجموعة الأسئلة والطلبات. ولقد يجد المراجع جوابه في الإعلان الملصق ولقد يجد الموظف صبره على المضايقات التي مبعثها فقط اختراق النظام وتلبية الحاجة للأفراد الذين جاءوا آخراً وكان قد سبقهم من هو أولى بالطلب.
ولقد يجد المراجع عدم تحقيق حاجته خروجاً عن إرادة الموظف لامتناعه واستمساكه بالقول مما يحدو بالمستعظم لكرامتة أن يجدها تحدياً لشخصيته فما على الموظف فوق عمله وأهمية مسئوليته إلا أن يخرج عن النظام ويرضي الطلبات التي يمكن تأجيلها أو ردها لأنها لا تتعلق بنظام التوزيع وقرار الوزارة قلت لو أعملنا الفكر قليلاً والتضحية لسهل الأمر من قبل ومن بعد.
إن من بين المراجعين من يكون قادراً فيستغني عن غرفة في بيته وداره ومنهم من يكون فارغاً فيوظف نفسه لهذا العمل وما على الإدارة المحلية بعد أن وجدت المكان المناسب والشخص المناسب إلا أن تتعهد بتأمين الكتب المطلوبة ليصار إلى تخفيف الازدحام وتوزيع العمل فلا يحدث اصطدام واهتزاز في القلوب والعقول والنفوس وأخيراً في المصلحة.
قال لي لك ما ترتأي ولقد أجري التنقل والتوزيع إلى مكان آخر خصص لجانب من العمل وبذلك يسود الهدوء والطمأنينة قلت إنه جميل وأجمل منه لو بدا ما كان مضايقاً لأحدهم ممن وجد في نفسه التضحية والمحبة وحسن التفكير أن يصنع ذلك فيكون من عمل شعبي وسواعد شابة قادرة على العطاء حينما يكون العطاء مستعصياً.
أما إذا جاء متأخراً ومن الإدارة المحلية فهذا ما يعوزنا التنبيه عنه وبذلك يكون الأستاذ العائد من باريس غير متأثر مما انطبع بذاكرته بأن ذلك أمر طبيعي يجده في مجتمعه الذي يعيش فيه ولا يرى نفسه محروماً من تلك الميزات وهي اللجوء إلى توسيع الفكر وبذل التضحية والمعونة والشعور بالإخاء العام.
أما الطلب الثاني فهو الاعتراف بالذنب وطلب السماح والعفو من المتضرر فهو يبدأ من نفس المخطأ وينتهي إليها، فإذا كان الشعور قوياً فإن الألم الصادر عن الوقوع في الخطأ يدفع صاحبه إلى لوم نفسه على السرعة وعدم التأني على النقلة، وعدم اليقظة على الاستهتار وعدم الحرص، وبذلك لا تقر نفس الخاطئ والمذنب وتطيب نفسه بعد الصفح والعفو الذي يكون بملء إرادته وقلبه الذي يجد الاعتذار أوقع من الذنب فإن العفو والصفح عنه هو في إعطاء الحق له ومنع الاعتراض على كل ما سبب له من سوء أو حرج.

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In