يقين لا يقطعه الشك
عرفته صغيراً حتى كبر، وما أن شب وتعلم وأصبح ذا مسؤولية حتى استدعاه الموت ليكون شهيداً عزيزاً على أهله حبيباً إلى رفاقه، ترك فراغاً كبيراً لم يملؤه إلا حب الوطن له لأنه كان يعمل بصمت ويدعو إلى العمل بكل قوة لأخيه الذي لم يكن على نحوه من الجدية والالتزام فكان مثالاً للوفاء لأبيه الذي رحل من قبل أن ينهي دراسته ويستلم عمله.
كان مثالاً للرضا والطاعة لوالدته التي ما إن صدقت أنه صار طبيباً بفضل سهرها الدائم وجهدها المتواصل والمتواضع حتى كذبت نفسها أنها أم لكائن حي تعيش بفرحها وزهوها،وما التصديق بهذا الأمر الذي دام بضعة شهور إلا حلماً كذبه اليقين فيما بعد ليعلن عن موته وإذاعة النبأ بين أقرانه وزملائه وليفقد كرسيه في العمل ويبقى مستشفى المواساة بانتظار من يحل محله بعد أن خلا على غير رضا من رؤسائه وأهله.
ذكرياتي معه كثيرة قليلة، حزينة مسرة، فمن هذه الذكريات الحزينة أن وقته لا يتسع إلا للعمل فإذا فرغ منه فإن الدراسة تلح عليه أن يكون مشغولاً وإذا ما انتهت الدراسة فإن الواجب الوطني يدعوه للانضمام إلى الدورات المتتابعة التي تقام خلال العطلة الصيفية وهكذا ينتهي العام ويبدأ عام آخر لا يتسنى لأبنائه أن يروا النور إلا بعد الدأب والكفاح.
إن هذه الذكريات الحزينة ليست لصاحبها إلا دفعاً للتقدم إلى الأمام والنجاح في العمل أما بالنسبة لي فهي تعني شيئاً آخر، إني لم أستطع أن أقدم له العون كما يجب وإن معرفته بالحياة والعمل كانت تدعو لأن يكون ممتناً مشكوراً وهو في كل ذلك يبتسم ولا يجد للصعوبة مكاناً.
كانت كلماته قليلة وهو يعرف جيداً قيمة المال في تيسير أموره عندما كان طالباً وفي العيد الذي كان يعقبه الامتحان الآخير للتخرج أحببت أن يكون التشجيع له ليس بالحث والقول وإنما بما تتطلبه فترة الامتحان من تعويض من بذل الجهود وذلك بمضاعفة المبلغ الذي كان يخصص له في كل عيد.
كنت قريباً له ومع ذلك كان يجد أن الشكر عاجزاً عن الوفاء بالتقدير في مثل ظرف يحتاج به إلى مثل هذه المعونة المتواضعة فكان شكره قبلة يطبعها على الخد ثم يودعني ليلبي حاجة رفاقه من المشاهدة والمقابلة والاصطحاب، وفي كتابه المقدم لنيل شهادة التخرج كانت من الكلمات المهداة كلمة صغيرة لخاله الذي خصه بها وسماها وترك التعميم لباقي أقربائه، وإني إذ أكتب هذه الكلمة بمناسبة ذكرى الأربعين لوفاته التي لم يبق لمرورها إلا بضعة أيام فإنني أدعي لوالدته بمزيد من الصبر والمواساة والله الموفق.
لقد تخرج منذ سنتين بدرجة جيدة وتابع دراسته العليا في مستشفى المواساة ولقد استعد للامتحان في نهاية السنة الثانية لينتقل إلى السنة الأخيرة من دراسته غير أن المنية وافته قبل أن يدخل الامتحان بيومين وكانت وفاته غرقاً في البحر الهائج ولم أصدق الخبر إلا عندما قرأت ورقة النعي للانتقال به إلى مثواه الأخير. لقد كان منتسباً إلى صندوق النقابة ولا أدري ما ذا يترتب عليه من الحقوق لوالدته التي لا تملك شيئاً وتعوزها الحاجة.
كتبت هذه الخاطرة في حينها يوم أن تجلى بافتخار هذا الحدث العلمي الهائل، إلا أني قد توقفت عن تصديرها للقراءة أو النشر لسبب لا أعلمه حتى أنا بنفسي، غير أنني أحببت في هذه الذكرى السابعة عشر للتصحيح أن تكون دليلاً على الأذن الصاغية في كل أمر حتى ولو كان الكلام من الجو إلى الأرض وبالعكس، فكما الأذن كما القلب والعين في حرص تام ولهفة لا توصف لمعرفة مدى التقدم الذي طرأ، ومدى القدرة على الوصول بهذا التقدم إلى وطننا الحبيب.
Comments