طال واستعظم حتى استخف
كنت في مجتمع لبعض الأسر الغنية وكان الحوار يدور بين أفرادها حول موضوع جليل الشأن كثيراً ما يستهين به القوي المقتدر معتمداً على ماله حيناً وعلى نفوذه حيناً آخر مستفيداً من ضعف بعض النفوس لاستمالتها إلى المال والأخذ بأسباب التهيب لدى الغني المسيطر.
قال الشاب الغني الذي ضايقه عدم الانتفاع من التعرفة المخفضة للطالب وآسفه أن لا يحصل على الهوية التي تجيز له هذا الوفر القليل من المال: تراني أحمل الهوية بأي ثمن كان ولقد حملتها فيما مضى بأسباب متنوعة فقد أتمكن من اقتنائها لأن الأمر عندي لا يتعلق بالنظام والقاعدة وإنما يتعلق بسعة حيلتي في تدبير الأمور، قلت له الأمر صعب جداً وما حاجتك إلى الهوية وأنت تتكلم بالكماليات وتستمتع إلى المطلوب من فائض الحاجات وفي كل ذلك تعيش حياة لا تعرف الجهد إلا في الإنفاق والاستمتاع بالشهوات.
قال الحياة عندي هي أن نأكل من لذيذ الطعام وتنام بعدها نوماً هنيئاً ممتعاً بالمسرات، قلت إن ما تكسبه في اليوم لا يساعدك على هذه الحياة وإن سعة الرزق في أسرتك هي التي تجعل منك إنساناً يتكلم بالفصاحة وإن الاستماع إليها نوع من التعرف على أمثال هذه العقول التي تبيح لصاحبها أن يزداد شحماً على شحم متذرعة بما تملك وتسود غافلة عن آداب الحديث وصفات المحدث.
هكذا اعتادت وسوف تعتمد على نفسها في المستقبل، فما خيل إليها بالقدرة تجد الحقيقة ماثلة أمام عينها أن الخط سيتوارى يوماً عنها فتخضع لنظام الحياة وواجب الأحياء.
قالت أخته محدثة زائرتها في مثل سنها ولكن ليس في مثل عقلها: اشتريت ثلاث بدلات بما يزيد ثمنها عن ثلاثين بدلة يمكن أن تشتريها رفيقتها بما يقابلها في الأناقة وليس يقابلها في الزخرفة المعروفة من عارض أزيائها المشتهر بالبضاعة الأجنبية.
ما هذا الجمال للثوب الأنيق الذي يشف عما تحته فيرى الناظر بريقاً جذاباً؟!! مبروك وألف مبروك وكنت أنظر بدهشة إلى كلامها عن ارتفاع سعره وسهولة مشتراه من قبل والديها لوفرة المال الذي بين أيديهم.
جلس الأب يشاهد التلفزيون وكأنه لا يسمع ما يدور من حديث الفتاة المماثلة لجليستها في السن وغير مماثلة لها في نوع الحياة والعقلية، وكانت الوالدة تضحك مغتبطة بفرح ابنتها ومتباهية بما أمكنها شراؤه ومستخفة بما لم يتمكن من شراءه مدعية أنه بالإمكان أن يحصل أي إنسان على هذا الثوب الجذاب ولا يكلفه إلا أن يفتح كيسه وينفق.
عاد الشاب الفتى إلى حديثه عن متعه بين ركوب السيارة وحديث النساء واستعراض الأزياء حتى انتهى القول به إلى المهارة التي جعلت منه إنساناً ليعيش عيشاً صحيحاً وجعلت من فاقدها إنساناً لا يعرف كيف يعيش وإنما يستحق الموت، قلت له: ماذا تعمل في اليوم قال أبيع إطارات السيارات وأتعاطى التجارة وقد عرضت علي وظيفة براتب شهري قدره ثلاثمائة ليرة سورية فرفضتها، قلت إنك تاجر وينبغي لك أن تتحدث عن تجارتك وأرباحك، قال إني أخسر في كل مرة أبيع فيها إطاراً قلت إنك جديد في هذه الصنعة ولا بد لك أن تخسر قبل أن تتعلم.
إن والديه على مقربة منه يسمعانه ما يقول فيبشان له وتدوي ضحكاتهما في جو الغرفـة، لقد فرحا كثيراً بشباب ابنهما ونشأته على كثرة الكلام وادعاء المهارة واستعظام نفسه والاستهانة بحقوق الآخرين وفرض المشيئة والإرادة عليهم فرضاً.
لقد هاله الأمر أن لا يكون بين يديه هوية يدخل بها السينما بسعر مخفض ويركب بالباص بسعر مخفض أيضاً، لقد أحب أن يكون طالباً للاستفادة من ميزاته وقد عجز أن يحمل كتابه ويذهب إلى المدرسة ويفوز بالتحصيل.
لقد طال واستعظم حتى توهم أن كل شيء طيع له، فهل كانت الهوية كما يدعي تشترى بالنفوذ والجاه!! وهل كان التوقيع عليها شكلاً كما يؤكد دون أن يجري التحقيق به قبل أن يأخذها ويضعها في جيبه؟
لقد ودعت المجلس وأسفت على الأب لفقد سيطرته على ابنه وعلى الأم لفرحتها بغرور ابنها وعلى البنت التي تركب مركب العظمة وهي بعد طالبة فيزين لها جمال ثوبها أنها أصبحت جميلة فوق ما يزينها علمها وأدبها، وأثناء عودتي إلى البيت وجدت إنساناً فقيراً يركب رجله في السير إلى بيته البعيد وهو لا يمكنه من استئجار سيارة ووجدته فوق ذلك يحمل كيساً مملوءاً يكاد ثقله ينوء بحمله، تقدمت منه وقلت: أعطاك الله العافية ووسع رزقك.
Comments