إساءة فهم
لكل امرئ من عاداته ما يجعله يضحك دون أن يدري الآخرون لماذا هو ضاحك فتبدأ التفاسير المتنوعة تعطى لصاحب الضحك بحيث تكون خاطئة في أكثرها على نحو ما اعتادت عليه الجماهير من الاستنتاج الشخصي وعلى نحو ما يكون للشيء وجه ضاحك فيبش له الإنسان بكثره أو قله مع مراعاة استعداده للضحك والسرور.
لكل امرئ من عاداته أيضاً ما يجعله يقطب وجهه دون أن يدري الآخرون لماذا هو عابس فتبدأ التفاسير تعطى لصاحبه ولكن بصور أكثر تشويهاً مما أعطيت لصاحب الضحك وإن هذه الشروح على أنواعها تجعله بعيداً عن رفاقه وتجعل رفاقه في مهابة له وحذر من الاقتراب نحوه.
إن القاعدة العامة للضحك والعبوس هي معروفة ومتآلفة بحيث تجعل الناس كلهم في ضحك أو عبوس حينما يدعو الداعي فينفجرون من الضحك وتتعالى صيحات ضحكهم ولو كانوا في جو غير مرح ولا مسر كما أنهم يجيلون النظر بدقة واهتمام إلى ما حولهم ويحدقون حينما لا يجدون مثل هذا المجال موجوداً عند أحدهم الذي لا ينبس ببنت شفة أو يفتح فاه على ملئه ليشارك الآخرين بإحساسهم وحركاتهم.
لي صديق من النوع الجديد الذي لا تنطبق عليه صفات الآخرين في ضحكهم وعبوسهم، وعندما رأيته لأول مرة قلت عنه ما قلت لدى استغرابي أمره ثم أخذت أتفهمه جيداً حيناً بعد حين لأعرف سر ضحكه وعبوسه فيما يمتنع الآخرون عنها، فوجدت أنه نسيج وحده بين رفاقه يسمع أحاديثهم فلا يتكلم ويرى أهازيجهم فلا يغني ويطرب وهو في كل هذا يشاركهم بالإحساس ولكنه لا يقوم بالحركات التي يقوم بها الآخرون.
عجبت من أمره واستولت علي الدهشة وأخذت معظم التفاسير تضيع دون الاهتداء إلى نوع معين من التفسير الصحيح فكلما وضعته في ميزان الصواب اختل هذا الميزان لترتفع كفته فأعود لأضعه في ميزان الخطأ فأرى أن هذا الميزان عاجز عن قياس نوع الخطأ لأضع له عباراته وقياساته فإذا ما تركت نفسي عن ميزانه أراها مضطرة مرة ثانية إلى الانشغال به لكي لا تفوتني الفرصة في ترك أحد من الناس لوضعه في الميزان ووزنه بالمقياس الذي يلائمه.
إن كثرة الناس على حبهم للتعرف بما هو جديد وإن كثرة الموازين على دقتها وضبطها لكي لا تخطئ في القياس جعلتهم في انشغال عن واجبهم ومصلحتهم فلا يقدرون للوقت قيمة ولا يعطون للكلام حقه من الحكمة والجدية وأخيراً لا يتركون للعمل المثمر أهميته وقيمته.
تركت صديقي حيناً من الزمن ورجعت إليه لأرى ما كان ينبغي ألا يتمسك به قد تخلى عنه نهائياً وما كان ينبغي له الاستمساك به قد أوثق به نفسه فإذا كل شيء به قد تغير لا لشيء إلا لأننا أنا ورفاقي قد تغيرنا فلم نعد نمارس الضحك الطويل كما اعتدنا ولا الأهازيج الفارغة كما كانت تتعالى ولكننا أخذنا في جدية الحياة وماهيتها فوجدناها بعد ذلك أصوب منا وأضبط.
إنه لم يتغير كما كان يبدو للبعض ولكن هؤلاء الناس أساءوا فهمه فرأوه غريباً عنهم وعندما مرت عليهم التجارب التي علمتهم بأنفسهم أن يعرفوها على حقيقتها أدركوا جلية هذه الغرابة الموجودة عندهم لا عنده فانضموا إليه بعد جفوه وانضم إليهم بعد دهشه.
إننا نسيء الفهم لكثير من الناس والأشياء فنتصورها جميلة أو قبيحة وهي على العكس، ذلك أننا نأخذ بتفاسيرها من أنفسنا قبل أن نتمثل بالعبرة والتاريخ وننضج بالحكمة والتجارب، ومن هنا تأتي العلة في ميزاننا الذي نزن به المقاييس فكيف يصح قياسها مع وجود الخطأ في نفس الميزان، وإذا اعتبرنا الميزان هو عين المشاهد والمقاييس هي الأحكام الواردة فلا بد لتلك العين من سلامة للرؤية الصحيحة في معرفتها وتجربتها لتعطي أحكاماً سليمة أيضاً.
29/1/69
Comments