« الاستماع لحق ما يجب استماعه ورفض ما ينبغي الرد عليه | Main | أنا في طلبك لا بين يديك »

القبلة المحولة

اذهب من هنا يا "ملعون" وأحضر علبة الشوكولاه، قالت له بلهجتها التي اعتادت مخاطبته بها والتي اعتاد قبولها راضياً أو مكرهاً، فكان عمله إطاعة أوامر سيدته التي تكلفه بإحضار ما يلزمها إلى حين الطلب. وكان عليه أن يتقبل قساوتها ولغتها لأنه على يقين من ملازمته لها لقاء ما ينتفع من أجور وما كان يشغل باله بما يستقبل الذين يجدون في اللهو معه والتسلي بمداعبته ما كان يغنيهم عن منظر ربة البيت التي تحب الزوار وهم يحملون الكلمات الطنانة التي تمجد عظمتها بغناها وتشجيعها على إكرام العامل المأجور عندها بإعداد كل ما يلزم لراحة الضيوف الذين وجدوا في شخصها وسيطاً للهو والتحدث مع العامل المكلف بالإضافة إلى خدمة السيدة خدمة الزوار وتهيئة جميع وسائل الراحة لهم.
فهو المكلف بفتح الباب للزائر وهو المكلف بتقديم الواجبات بما يتعسر على المسن منهم أن يمشي فيتكأ عليه، وقد يلذ للصبية أن تستمتع بخلع حذائها لينفذ الهواء من بين أصابع قدمها ويتجدد هذا الاستمتاع بإدخال الحذاء في رجلها ومس اليد الناعمة على سطح الجلد الذي يجد في حرارة اليد وبرودة القدم عودة جديدة إلى النسيان عما كان حديث السيدة يثقل سمعهم، ولكنهم كانوا مضطرين إلى زيارتها لما كانت تقدم لهم من الحلوى التي كان طعمها في لسانهم لا يقل لذة عن طعم الحلوى التي ينعمون بها في مرور النسيم على ملمس أصابع أرجلهم وهو نسيم يحمل معه انتعاش الجسم من خلع الحذاء من قبل العامل وتكليفه بلبسه من جديد لتمس اليد البيضاء الناعمة أصابع القدم لتتمكن من التثبت في وضعها داخل الحذاء الذي كان يستبدل بما يناسب الرجل بصورة أحسن لأن وظيفته بالإضافة إلى عمله إعطاء القالب الجديد للرجل بعد أخذ قياسها وبعد أن تلاحظ ملاحظة العين لحاجة الساق إلى نوع الحذاء الذي يزين قدمه.
ادخل إلى هنا "يا ملعون" فإن الحذاء الذي صنعته لإحدى قريباتي كان ضيقاً وإن صاحبته موجودة فبإمكانك أن تتخذ القياس الكامل وتحذق بفن الصنعة فيكون الرضا كاملاً. كان عاملاً ومستخدماً ومستقبلاً وصانع أحذية بآن واحد. يجدد الحذاء للزائر لتكون زيارته لسيدته له معنى أكثر في رضا صاحبة البيت، أما استعدادها لاستبدال الحذاء الذي يشكو منه صاحبه لضيقه أو سعته فهو تضحية منها في جلب الزبائن لا لخدمة عاملها بل للتحدث عن مفاخرها وذم العامل الذي لا ترضى عنه لأنها كانت مضطرة إلى الإقامة معه في بيتها لقاء ماينتفع منه من خدمة كاملة ولو أنه لم يرضى ذوقها، أما كلمة ملعون فهذا يعني أن اليد التي تصنع الحذاء مكلفة مرة ثانية بإدخال القدم فيه وانتعاله بما يضطر معه إلى مس الرجل وربما تعدى ذلك إلى الساق والفخذ.
اذهب "يا ملعون" واستقبل الزائرة ألم تسمع صوت الباب وهو يطرق معلناً بقدوم إنسان، لقد اعتاد أن يسمع هذه الكلمة من صاحبة البيت وعرف تماماً أن عمله كان فيه شيء مما لا يتناسب مع قداسة المرأة المسنة التي وصفته بما هو مضطر إليه. فتح الباب وكانت الزائرة امرأة تشكو بالظاهر من رداءة الحذاء ولكنها في الحقيقة كانت تشكو من إغفال اليد الناعمة التي صنعته، دون حاجة إلى مس الساق والرجل والتمتع بالكشف عن جمال الجسم بما يستهوي الناظر لتقبيله مع مسه الخفيف لمشاعر صاحبته الحساسة. تذكر عندئذ ما كانت تقوله صاحبة البيت معلنة أنه لا يقوم بوظيفته إلا إذا امتدت أصابع يده إلى ما فوق الركبة وتحت الساق، فلم يستطع أن يقف أمام الاتهام البريء إلا موقفاً تناديه جوارحه أنه.
"ملعون" لأنه يصنع الحذاء ويجعل الرجل فيه مرتاحة وأن راحتها تستوفى أيضاً براحته، فما شعر إلا وقبلة حارة طبعها على صاحبة الحذاء التي بدورها استزادت في السرور وتمكنت أن تدخل إلى قلبه وتلقنه درساً جديداً لا في الملعنة التي كانت تعنيها صاحبة البيت بل في الملعنة الجديدة التي انقلبت إلى مهارة استطاعت أن تنسي المرأة المسنة خطابها القديم بخطاب جديد، أما كيف حدث ذلك فقد استدعته صاحبة الدار لإصلاح حذائها الذي استعصى عليها لبسه، فلما نادته كعادتها "احضر يا ملعون" فقد لبى الطلب وأمسك بالقدم ولما امتدت يده إلى ما فوق شعرت برعشة جميلة لم تعهدها من قبل، فكلفته ثانية بالقياس من جديد فخلعت رداءها وطبع على جسمها قبلة أشعرتها أنها كانت بحاجة إليها من قديم ولو فطن إلى السبب لأعطاها درساً كبيراً في العمل وتشجيع العامل لأن كبرياءها كان بسبب انعدام العاطفة التي لم تجدها عند الرجال فوجدتها عند النساء التي كانت تخادعها لا حباً بها بل في مالها. ومنذ ذلك اليوم عادت السيدة إلى مخاطبته وندائه بصورة جميلة يعتز بها كعامل ومستخدم وصانع أحذية.
حمص 22/6/70

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In