« المشاركة والبطولة | Main | القبلة المحولة »

الاستماع لحق ما يجب استماعه ورفض ما ينبغي الرد عليه

أتناول بالتفصيل موضوع الموظف الصغير لأنه يشكل الأكثرية الساحقة من مجموع الوظائف التي تشغلها الدولة من الاختصاصات بفروعها وأعمالها، لنأخذ مثلاً موظفاً في دائرة التربية ولي بالاطلاع على أوضاعه أكثر من أي موظف آخر. لنذكر ولا ننسى أن إمكاناته جداً محدودة ولو اختلفت باختلاف أفراده في مواهبهم ونشاطاتهم، ولولا ضيق المجال أمامه لأخذ جانباً آخر من العمل يتسع فيه عمله وتقوى إرادته ويزيد في سعة حيلته.
ولنذكر أيضاً ولا ننسى أنه قبل أن يباشر عمله الموكول إليه كان قد اضطر إليه اضطراراً ومن ثم أخذ يدور في حوامته على حسب ما يقتضيه من سلوك ونظام وواجب فهو متعلق مباشرة برئيسه واتصاله الدائم بزملائه يجعله معهم في تناسق وملائمة لأنه وإياهم مشتركون في الإنتاج يتقاسمونه فيما بينهم وترتبط المصلحة بالتعاون الكامل بين تتمة عمل كل منهم، إن سعة الحيلة لهذا الموظف إذن قد تحددت وإن أوقاته قد شغلت وإن حركاته واتجاهاته تعينت فلا يستطيع تجاوزها.
بقي علينا أن نسأل هل هؤلاء الزملاء جميعاً يستهدفون في مصلحتهم الخاصة لذات الهدف وهم يعيشون عيشاً يختلف واحد عن زميله فمن أعزب إلى متزوج ومن متزوج ذي عائلة صغيرة إلى آخر ذي عائلة كبيرة بالإضافة إلى ما يضمه بيته من أفراد أهله إذا كانوا قاصرين وهم بحاجة إلى عطفه وحنانه ورعايته. كما أن الاختلاف يكون بين الأعزب وزميله الأعزب في مسكنه وجواره وميدان انطلاقه بعد انتهاء عمله والاختلاف يكون أكثر بين الموظف المتزوج وله أولاد صغارٌ وكبارٌ وبين زميله الآخر المتزوج والذي يقوم في البيت مقامه من خدمة وتأمين لجميع الطلبات التي تقتضيها شروط البيت والأسرة.
إن رئيسه المباشر المسؤول عن دوامه وتطبيق نظام عمله هو أيضاً موظف صغير يقوم بمثابة الأخ الأكبر لهذه الأسرة من الموظفين الذين يشتغلون معه في الدائرة ولا شك أن حيلته بمقتضى عمله تتسع لأكثر ما تتسع له إمكانات الآخرين الذين هم في انتظار شهادته الحقه بإخلاصهم للعمل وغيرتهم على تسيير الأمور بكل نظام وإتقان.
بقي علينا أن نعرف ما الذي وسع قدرته وجعلها تضم جميع القدرات التي لا تستطيع أن تخرج من إحاطته وعلمه. إن هذا الموظف الرئيس هو أيضاً موظف صغير اضطر إلى عمله اضطراراً وواتته الظروف مواتاة لم تسمح للبقية الباقية من جنوده وأتباعه. إنه مزق بعض الحجب التي كانت تغطي إرادة الآخرين الذين عجزوا عن تمزيقها. لأن كابوس الشدة الذي كان واحداً للجميع في البداية أصبح مختلفاً في النهاية فاختلفت معه القدرات باختلاف المهارات التي اكتسبها من العمل الجديد فصار يتمتع بمؤهلات بقي الموظف الآخر محروماً منها، حرمة تضيق نفسه في بادئ الأمر قبل أن تحرمه طبيعة التزامه.
إن على الموظف الصغير الذي يدير الرئاسة لشؤون مكتبه أن يساعده فقهه الاجتماعي في معرفة كل واحد من إخوانه معرفة لا تحوجهم إلى أن يتكلموا ويصرخوا بل تحوجه بالذات إلى جديتهم في القول وسداد رأيه في النصيحة وعليهم أن يطيعوا ويحترموا بحق ليتمكن من القيام بواجب آخر هو الاستفادة من خبراته في توجيهها إلى أخطاء وغباوات من يعملون معه. إن الموظف الصغير ينتظر الرضا والسرور من الموظف الرئيس الذي هو أعلى منه كما أن ذاك ينتظر بدوره أيضاً الرضا من الأعلى وهكذا تتقيد أعماله وترتبط بما يضمن للجميع الاستحسان.
إن جرأة الرئيس تعود بالفائدة أولاً وأخيراً إلى تسيير عمله وعمل موظفيه فيستطيع أن يشرح ويفسر كل ما يغمض عليهم شرحه ، وليس الشرح بالتكرار وإنما هو بالمراقبة والتفقد من حين إلى حين. لقد طلب من أحد الموظفين أن يقدم بياناً إحصائياً عن الكتب الموجودة في مكتبته ولقد نفذ عمله بكل دقة وإتقان وتقدم بهذا الإحصاء إلى الطباعة والنسخ وقد مر على هذا البيان أكثر من شهر كان من نتيجة إهماله الضياع والفقدان. فاضطر بعدها إلى تقديم بيان ثان وهكذا دون أن يعلم به المدير أو المسؤول عن مصير هذا البيان في طبعه ونسخه.
إن الموظف الصغير لا يستطيع أن يقوم بعمل أكثر من هذا، وإن المدير أيضاً لا يستطيع أن يعلم بشيء لم يجئ خبر علمه إليه، إلا أن إدارة الأمور تتطلب التفقد والاطلاع والاستفسار وأخيراً الاستماع بحق ما يجب استماعه ورفض ما ينبغي الرد عليه.
حمص 31/3/70

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In