من يحمل نتائجها
أعطاك الله نظراً ولم يعطك سمعاً فهل كان من المستحيل الجمع بينهما. أعطاك الله نظراً لترى الأشياء جلية واضحة كما هي لا لتراها معكوسة مقلوبة كما أنت. إن لك أذناً ويا ليتها لم توجد لأنك تخدع الناس بها وفي الحقيقة لا تخدع إلا نفسك.
قصة زميلي هي الأولى من نوعها ولكنها الكثيرة من الغرائب التي شاهدت عيني وسمعت أذني مما يدور حولها أو يدورها الزملاء ليجعلوها دائماً في دائرة لا تليق بمركزهم ووظيفتهم وثقافتهم. دفعني إلى الكتابة ما أنا فيه من حب لزملائي وليس لكراهيتهم، أكبرت فيهم حبهم للعمل وتضحيتهم في سبيل الواجب ولنني آسف كل الأسف لأنهم أصبحوا متأثرين أكثر مما هم مؤثرون إن طبيعة العمل تدفع إلى الاندماج كلياً بجوه ومجاله فهل كان من المستحيل أن ننزل لنصعد وأن نُنْزِل لنٌصْعِد.
كثيراً ما يعرض الإنسان نظره عما يراه خاطئاً دون قصد ولكن تعداد الحوادث بهذا الخطأ والحد من الإصلاح والتوجيه يجعل المخطئ في تشجيع من عمله ويجعل الناظر إليه لا يستطيع أن يتركها دون أن يهمس همسة بريئة في أذن المسؤول الأول عنها ليقول: أنتم بعيدون جداً عن الواقعية فانتقوا الأشخاص من ذات الفئة والزمرة ليقدموا بعمل بذات النتيجة فإما حسن على الجميع وإما سيئ.
لا يزال الموضوع معقداً لفهمه فهماً جيداً وليس بإمكاني جلاؤه كلياً لا لأنه سر ولكن لأن السر فيه الحفاظ على سمعة زميلي من التشهير، إني أحببت أن يفهم من خلال كلماتي من أقصد ولماذا أقصد؟
الحق أنه يجب علينا أن نبدأ بتعليم أنفسنا قبل تعليم غيرنا كما أنه يجب علينا أن نستفيد من الخطأ كما نستفيد من الصواب، وما كنت في حياتي قط إلا مسامحاً لخطيئات وهفوات زملائي ولكن يظهر أن النفس قد امتلأت حتى لم تتسع لخطيئة وإن النفس قد ضاقت حتى أصبحت تضيق بذات صاحبها وأخيراً إن النفس الممتلئة والتي توقفت عن الاستيعاب هي كانت تتسع بعد أن كانت توجد لها متسعاً يوسعها ويزيد في سعة امتلائها أما الآن فقد ضاقت حقاً عن هذا الاتساع لأنها امتلأت ولم توجد من يفرغ محتواها ولا من يعينها على إفراغه ولذلك ترى الصبر والإرادة والتسامح والنسيان في دائرة ضيقة. إن حادثة واحدة قد ضيقت صدري ولم يتسع إلا بعد زوالها واليوم حادثة أخرى قد ضيقته من جديد ولن يتسع إلا بعد أن توجد أسباب لزوالها. إن الحادثة الأولى السابقة التي زالت واتسع لها صدري من بعد هي إعادة الحق لصاحبه فقد ظل هذا الحق يصرخ في وجه العدالة حتى عاد.
أما الحادثة الأخرى الجديدة التي لا تزال آثارها باقية من ضيق وعدم تسامح هي في حق جديد مسلوب إن هذا الحق بدء من جديد يصرخ في أعماق النفس ليقول كلمته وإن هضمه هو الذي ضيق النفس بعد اتساع وعكر صفوها بعد هناء وجعل التسامح و السكوت عن الأخطاء أمراً لا يمكن الصبر عليه. اللهم يارب أعط كل ذي حق حقه: كلمتان تنتهي بهما فلسفة الحياة، معرفة الواجب والقيام به.
حمص 8/11/67
Comments