« خذ طلبك وأعطني طلبي | Main | الحمد لله »

إجازة ولكن بدون حقوق

ما عرفته يحمل شهادة الحقوق إلا من بعدما أظهر الوثيقة التي فيها التصديق بنجاحه. إنه حقوقي يتلهى بأخذ الحقوق لا ليردها إلى أصحابها بل ليسلبها منهم على سبيل أنها حق عليهم وليست لهم. كل ذلك كان من أجل فشله في ممارسة الحقوق القانونية إلى ممارستها بشكل مضحك ومن أجل أن يثير دون أن يدري أنه مستثار. إنه حقوقي درس الحقوق في الكتب فوجدها طعماً لذيذاً لا ليأكل منها بل ليطعم غيره مما كان لها أحوج.
علمت من حديثه عن المرأة أنه كان يريد أن تبقى قابعة في بيتها دون أن تتعلم أو تحصل على التعليم العالي، وحجته في ذلك أن المرأة يجب ألا تشارك الرجل في ميدان العمل بل يقتصر عملها على نظافة البيت وشؤون الأولاد. إن موضوع حديثه كان من جهة واحدة وهو حرصه على محافظة شرفها من الاشتراك مع الرجل إذا ما أفسح لها المجال أن تسابقه وتتفوق عليه وفي النهاية بحسب طبيعتها النسوية تخضع للحب والاستسلام لعاطفتها.
إنه حقوقي لأنه كان يتكلم بلغة قانونية سليمة ولكنه كان يغلب عليه طبيعة بيئته وظروفه فينسى أن المرأة ستصبح أماً وتدفع بطفلها إلى اكتساب الثقافة العالية وإن زوجها بحاجة إلى امرأة تفرق بين كلمتين إحداهما في الماضي وأخرى في الحاضر استعملت للمعلوم أو المجهول وفي معناها الحقيقي والمجازي وفي موضعها الصحيح أو الخاطئ من الكلام.
علمت من حديثه عن الرجال أنه كان يصف بعضهم بالكسل لأنه كان يقرأ ويدرس ويكتب وليس يعاند ويصول ويخاصم كما أنه يصف البعض الآخر بالجبن والعجز لكونه لا يقتحم الموت الذي ليس من ورائه الاستشهاد والشرف بل من ورائه الحماس والطيش والغرور.
كان يتكلم ويناقش بلغة عربية سليمة ولكنه كان لا يفرق بين الحقيقة والواقع وبين النظام ومراعاته وبين الإمكانيات والمواهب فيقول مثلاً: لماذا تتكلم بموضوع يحسن السكوت به لأن المستمع كان جاهلاً للحديث ولأن الحديث كان فوق قدرة المحدث. صحيح أنه كان يحمل إجازة ولكنه ليس صحيحاً إن هذه الإجازة لصاحبها فإجازته تحمل اسمه وكنيته ولكنها لا تحمل قدرته على إعطاء الحق لصاحبه ولو بكلمة صادقة بغض النظر عن أنه عاجز عن تغيير الشيء الأصيل عجزه عن الفهم الصحيح له إذا كان للأمر وجهان.
كان ينبغي له أن يحترم الشهادة فيقدس معلوماته بوضعها في نطاق الإفادة أو الاستفادة لا أن يطويها في قلبه أو يرميها بمناقشات لا طائل فيها. أكبرت منه نجاحه وفوزه في الحقوق رغم أنه موظف وعندما راجعت صفحة من حياة أهله وأقاربه لم أعتب عليه لفشله في قدرة حمل الأمانة وإنما عتبت على الزمن الذي يعطي الشهادة لمن لا يوفيها حقها ويحرمها من حملة لواء الحق والمناداة بالإنسانية.
حمص 3/1/69

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In