خذ طلبك وأعطني طلبي
كنت أذهب صباح كل يوم إلى عملي فأقف قليلاً عند ورشة العمل التي تقوم بعمل جبار في حفر الأرض وتسوية التراب ريثما أصادف أحداً من معارفي ليسألني عن مصير هذه البقعة من الأرض وما نضمه من مساكن وأحياء ولأسأله عن نجاح هذا المشروع بعد الانتهاء منه بما يحقق من قضاء على الأقذار التي كانت يسببها الإهمال وعدم المراقبة.
وكنت في كل مرة أجد الجواب لطلبي وطلبه من هؤلاء المعارف وأغادر المكان لأعود إليه في المساء ممتعاً النظر بما تم من عمل طيلة غيابي. وفي يوم من الأيام كعادتي وجدت العمل متوقفاً ولم أجد من أسأله ويسألني وبقي الأمر على ذلك عدة أيام حتى عرفت بعدها السبب الذي جعل العمل منقطعاً والعابرين لا يتوقفون للمشاهدة والتأمل.
لقد ضربت الآلة الحافرة في الأرض تغرز أصابعها لتعمل شيئاً في الهدم من أجل البناء فما ارتفعت إلا ووقع العطل فيها فما تستطيع متابعة صوتها في الحركة الصاعدة أو النازلة لأن شيئاً فيها تكسر وأصبح بحاجة إلى تبديل وإصلاح. مرت على ذلك أيام كان فيها العمل يعاود ثم يتوقف والعاطلون عن العمل يرقبون ثم ينصرفون.
أما أنا قلت لا بد أن أقضي هذا الوقت القليل بين أكداس التراب وأكداس الخلائق البشرية تروح وتجيء لتستطلع هذا العمل الجبار وترى شيئاً لم تره من قبل غير أنها في كل مرة تسألني وأسألها وفي نفسها حيرة ودهشة وفي نفسي تأمل واستغراق. لقد قطع العمل شوطاً بعيداً حتى وصل إلى جواري فكنت أشاهده وأنا في البيت مطل من النافذة فما احتجت بعدها إلى الوقوف للسؤال والجواب وإنما كان السؤال يأتيني وأنا في عملي منهمك لأرد عليه بكل قلق واضطراب لأن الأمر لم يتضح لي عما سأفعله لأنه يحتاج إلى شيء من الراحة النفسية والجسمية التي أنشدها في لحظة فلا أجدها إلا في النسيان وهيهات لي ذلك.
كنت أريد ألا ينتهي العمل حتى لا أنتهي من التأمل والمراقبة وكنت أريد أن أكون مختفياً عن الأنظار أرى وأسمع دون أن يراني أحد وأسمع صوتي له. غير أن العمل أصبح عندي والتأمل والمشاهدة في موضعي فكان لا بد من العمل السريع الذي ليس فيه انتظار لأكون مرتاحاً نفسياً وجسمياً وهذا العمل هو الوفاء بوعد والأخذ بعهد والمباشرة بتيسير الأمور كما يحلو وكما يجب.
الوعد الذي قطعته على نفسي هو تسيير إرادة الناس لإرادتي لا لمصلحتي فحسب بل لمصلحتهم وللمصلحة العامة والعهد الذي أخذته على نفسي هو تحقيق هذه الإرادة بالذوق والملاحظة والوعي الشخصي التي حملت هذه الأمانة على عاتقي فكانت كل ساعة تمر وأنا لم أحقق شيئاً إنما مرت من حساب نقض القول وكذبه وقد كان ذلك حملاً ثقيلاً هد أركاني طيلة الدقائق التي تمر بالساعات والأيام لحين إنهاء أجل الوعد.
إن إرادتي واحدة من هذه الإرادات التي تجتمع لتقرر شيئاً وقد وقفت متشاغل عنها. إن الأمانة التي حملتها لوحدي كان ينبغي أن يحملها من يهمه الأمر معي فيساعدني على النهوض بها ففي الاتحاد قوة. لقد مرت الأيام وجاء الأجل المحدد وكان نصيبي من عهدي ووعدي شيئاً ملغياً. لقد قضيت عليه بترك الحقوق يطالبها أصحابها فهي لهم ذمة وعلى سالبها اللوم والخجل فإن كانت مادية فستوفى وإذا كانت معنوية فهي في سجل التاريخ.
جئت في اليوم الثاني أطلب الحقوق بعد إلغاء الوعد. لقد كنت خجلاً من عدم الوفاء بالوعد، أما الآن فكنت جريئاً في استرداد الحق، قضيت على نفسي بالحكم عليها بالتوكل والتراجع واليوم أطالبها بالجرأة والشجاعة الكافية في الحكم لها بالحق. لقد نجح المشروع وزالت الأقذار ولكن هناك قذراً لم يزل بعد لقد ابتعدت عن المنطقة.
إن السؤال اليوم لم يعد كما كان بل أصبح على الشكل الآتي: لقد نجح المشروع وزالت الأقذار، "أما جوابي فلم يتغير وبقي على حاله ". فهو السؤال عن الأحياء بعد زوال مساكنهم وعن الحقوق التي لن تضيع بعد زوالها.
6/8/69
Comments