« محبة الإنسان | Main | اسأل نفسك هل أنت لطيف »

احتباس وانفراج

ما لسرورك اليوم يتزايد على غير عادة كما لو كنت حبيساً في سجنك ثم أفلت من عقاله وما لهذا السرور من مغزى إلا أنك اليوم طليق وبالأمس سجين، إنك على ما يبدو ليشملك السرور والطرب حتى في سجنك فمن أتى بك بهذا السجن ومن أين يحصل لك هذا السرور؟ يتحدث الإنسان إلى نفسه ويسألها كثيراً ولكل مناسبة حديث ولكل سؤال جواب غير أنه أبداً لا يجد إلا حديث الانفراج بعد الاحتباس ولا مسألة السائل إلا بعد احتباسها في صدره. وهناك تجد الجواب من ذات نفسك بعد أن تلقي عليها ضوءاً من اليقين يتصف بمعرفتك لنفسك فتقول لا شيء أثمن من الرضى، والرضا موجود في المنغصات، والمنغصات موجودة في أكبر ساعات الصفاء.
كم من دعابة جميلة تستلطفها عند قراءتك لها في اشتداد التضييق والخناق عليك ولكنك لم تجد لها هذا الطعم الحلو الجذاب في ساعة أخرى من النهار وعند بدء عملك واهتمامك ثم أيضاً لا تجدها بهذه الجاذبية لو سمعتها من أحد الناس لا يقولها كما ينبغي لها النطق وكما تسعفها المناسبة فلماذا لا يأتي سمعك مطابقاً لصوتك ولا صفاؤك مطابقاً لميلك وهواك.
فتحت عيني لأرى صورة قلبي التي تتمثل ببعض الأشخاص فأطبقت جفني على رؤيتهم لأصحح من جديد رسم الصورة لتبقى واضحة في انطباعاتها حتى تبقى العين مفتحة كما كانت والصورة موجودة دون أن تختفي أو تتجدد لأنه لا يرضيني هذا الفتح والإطباق فلست أهوى ما استوحيته من بهرج القول ولست أمقت ما خانني السمع من الانتباه لأجد الحقيقة ملقاة دون مراعاة ولا تقدير.
اليوم مجموعتي من الإخوان تغريد لا يحس بألم السجن إلا في ترديده لهذا التغريد إنه تغريد لصوت البلابل قذفت بها رياح الصحراء فجعلتها حرة طليقة وهي تغني لتعود إلى قفصها بعد أن نسيت مرارة الاحتباس والسجن ثم تستذكر نعيم الحرية فإذا هي صامتة متلهفة للعودة من جديد إلى سجنها الحبيب، وفي جو من العبرة والحكمة أجابت النفس على السؤال المتردد كثيراً: ما قيمة الإنسان بالابتعاد عن أهله ووطنه لو أعطي ما استطاع لتأمين سعادتهم وعزهم مع الاقتراب منهم.
أما الوطن فليس هو إلا إقامة المجموعة الكاملة من الإخوان على أرض تجود عليهم خيراتها وتكون في حصن حصين من أعدائها.
المحطة الثالثة 27/10/68

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In