على نطاق ضيق
قام بواجبه فطلب من رفيقه أن يلازم الصمت الذي أوصى به الأستاذ حرصاً على مصلحة الدرس، إلا أن عنفوانه بنفسه واستخفافه بالقيم الأخلاقية جعل منه تلميذاً عاصياً وشاتماً فيضرب رفيقه الذي لم يسئ إليه مطلقاً وإنما أساء إلى كبريائه الذي لا يريد التنازل عنه لاسيما إذا جاء هذا الإخضاع اتباعاً لطلب رفيقه بعدما شكا الأستاذ من فوضى الكلام.
هذا أمر يقع كثيراً بين الطلاب فمنهم من يقاوم العنف ويثأر لحقه فتقع المشكلة ومنهم من يترك العقوبة ينفذها المسؤول فيشكوه منتظراً الجزاء الذي يحل الخلاف. ليس الطالب صغيراً ليعاقبه الأستاذ بالضرب، وليس الأستاذ بقادر على حل المشكلة بذاتها ما دامت انتهت إلى هذا النوع من التصرف، وليس لنا أن نقول عن السبب الذي انتهى إليه الأمر بالأستاذ والطالب وزميله بعدما اتضح لنا الموقف جلياً وهذا الموقف هو الحاجة إلى الصمت من طرف المتكلم الثرثار، والصمت الذي فرض على التلميذ فرضاً لآداب الدرس هو الذي عظم تطبيقه وإلزامه فاضطر المحب له أن يتصدى للمبغض فيكلمه بلطف وتحل المشكلة مؤقتاً إلى انتهاء الدرس ليهجم الطالب المأمور بتنفيذ الوصية على رفيقه الذي نفذها من نفسه دون أن يحتاج إلى قول قائل بعدما سمعها من الأستاذ.
إننا إذا استقصينا الأمر وجدناه يحدث كثيراً بين الطلاب وحدوثه ناتج عن استعظام بعضهم على البعض الآخر غير أن الأمر خرج هنا من دائرة الطلاب ليتصل بالأستاذ ويهتم بالأمر باعتبار أن الطلب جاء أولاً من قبله وأخيراً جاء من التلميذ الذي تبرم برفيقه فما استطاع أن يحتمل عبثه بالنظام وأوعز إليه أن يصمت وقد رضي عنه الجميع إلا هذا الإنسان الذي اعتبر الكلام إهانة فاسترد كرامته بضربه لقد جاء الضرب بعد أن خرج الأستاذ من صفه وتفرّد الطالب برفيقه حادثة تكاد تكون مشكلة لو أن الطالبين تشاجرا وقاما بمشادة بعضهما أما أن الطرف الواحد كان مسالماً فعاد بالشكوى إلى أستاذه فقضى عليها بسهولة ولكن بقي علينا أن نعرف ما هو الحل الذي تدبر به الأستاذ بعدما رأى وسمع ما لم يسره ولم يرض عنه. لقد ترك الأمر للمدير ليتصرف به ما يشاء ويجد من تطبيق النظام بحقه ما يريحه من إعادة مثل هذه الفوضى.
لقد رأيت بعيني الطالب المضروب وسمعت اهتمام الأستاذ بشكواه للمدير وتأثره للحادثة. وليس لي في مثل هذه القضية أن أنوه بالجزاء الذي عوقب به الطالب بعدما سردت حادثته إلا أنني تأثرت كثيراً أن يصل التسامح بالأستاذ مع الطلاب إلى هذا الحد فيصيح أحدهم ويقولها بصراحة للمشاغبين: "اسكت فإننا جئنا لنتعلم." كما أنني تأثرت كثيراً أن يكون الطالب الشاكي نصيراً للأستاذ لوحده فلا يتعاون معه رفاقه الطلاب على الحمية والغيرة لحب الدرس والعلم، تأثرت لهذا ولشيء آخر أحب أن أهمسه في أذن الأستاذ هو أن تصرف الطالب كان بينه وبين زميله فقط ولو بدا اتصاله بالأستاذ وليست مفاهيم الطلاب لتستوعب هذا القدر الواسع من المحاكمة والمناقشة فتعتبر القضية على نطاق واسع يمس جميع المدرسين.
حمص 5/4/1970م
Comments