بطولة ووفاء
متحابان اجتمعا في مكان لم يعدّ للقائهما فماذا كانت النتيجة؟! قال لها في شوق وتلهف إني حذر ولست بحاجة إلى البقاء معك مدة أطول. قالت له إنني قلقة وأخاف عليك من المفاجآت. ثم هبت من مكانها لتمارس نشاطها كمدرسة تقوم بواجبها في إعداد الدرس وتنظيم سير العمل أما هو فبقي في مكانه مسمراً لا يدري ماذا يفعل؟!.
وبعد مضي ساعة من الزمن عادت إلى غرفتها تمعن التفكير في براءة الأطفال وشغفهم بها. وبينما هي مستغرقة في إحساسها أقبلت عليها إحدى الطالبات لتسلمها رسالة، وبسرعة كبيرة تركت الغرفة منتقلة إلى المكان الذي كان يجلس فيه صديقها في غرفة أخرى مجاورة. نظرت إليه فوجدته يقلب صفحات الكتاب الذي بين يديه، لم يحس بوجودها إلا عندما ضربت الطاولة في يدها قائلة: "إلى اللقاء غداً في أرض البطولة". هب نشيطاً من مكانه وراح يعد العدة إلى اللقاء الثاني بعد أن سمع كلمة "البطولة" أما هي فقد ودعت زميلاتها وتلامذتها بنظرة عميقة وهي لا تدري أنها ستراهن بعد هذا اليوم.
إن الرسالة كانت تحمل خبر استشهاد أبيها في ساحة المعركة وإن القلق الذي كان يساورها هو من وحي ضميرها كأن عزيزاً ستفقده وأما صديقها فقد كان يخشى على حبه من الأعداء ولذا فقد أراد أن يطهر أرضه منهم ليعود بعد ذلك إلى اطمئنان حبه وصداقته. وإن هذه الأرض التي يعيش عليها ليست في حمى لحبهما مادام ظلم الأعداء يعكر صفوها.
إن المكان المقرر للقائهما قد سمي بهذا الاسم لأنه المكان الذي يتعاهد فيه المحبان على الوفاء فيقاتل كل منهما ليقتل عدداً كبيراً من جنود الأعداء ثم يعودان بعد ذلك إلى وطنهما ليقضيا فترة أخرى من الاستعداد للهجوم الثاني. وهكذا يتمتعان بحبهما في ظل الجهاد أو الاستشهاد في سبيل الوطن. غادرا البلد تضرب أقدامهما الأرض بشجاعة فائقة متجهين إلى القيام بالواجب وتنفيذ ما اتفقا عليه وتواعدا: "حملا السلاح ودخلا المعركة وأبليا بلاءً حسناً في التقتيل".
ولما كان اليوم المحدد لفترة راحتهما ولقائهما معاً والعودة إلى الوطن كان كل منهما يبتسم ابتسامة الرضى والسرور فقد خفّ من نفسه الحذر الذي كان يلازمه وقد خفّت من نفسها حسابها للمفاجآت، وفي المكان الذي وجدا فيه من قبل بذات الغرفة كانت نظراته أكثر اطمئنانا و كانت نظراتها أكثر حباً و صدقاً.
إن البطولة محبوبة جداً فهي في عين الرجل هدفه الأسمى وهي في عين المرأة تقديرها العظيم للرجل. فقد أصبحت خليقة له ومكافئه وقد أصبح خليقاً لها ومكافئاً ولكن بقي عليها شيء واحد هو أن لا ينسيا بعد تمتعها بالحب ما كانا قد تعهدا به من قبل وهو الرجوع إلى القتال ثانية وثالثة بعد فترة استراحة واستعداد لكل منهما. "حملا السلاح وجدّدا النشاط وأبليا بلاءً حسناً في التقتيل." إنهما وجدا الآن أن العودة إلى الوطن لقضاء الفترة المحدودة هي ليست ضرورية وأن تلذذهما بالقتال والجهاد جعلهما لا يشعران بالاغتراب والابتعاد.
إن البريد جاء يحمل رسالة إلى مديرتها في المدرسة إنها تقول لقد اخترت مكان عملي في صف القتال وإن العاطفة التي كانت موزعة بين حبها للتعليم وحبها للتلامذة والزميلات قد احتفظت به دون قلق ولا حذر وإن مدرستها الآن وواجبها هو في إسعاف الجرحى والسهر على حياتهم وإن زميلاتها هن جميع الأبطال من حمل السلاح ودافع عن الوطن وخدم كل فرد من أبناء الوطن.
لم يمض وقت طويل على ورود الرسالة حتى وردتها رسالة أخرى تحمل استشهاده بعد أن جاهدت وكافحت دون أن تستسلم أو يدخل اليأس إلى قلبها. أما صديقها فقد وردت رسالة من أخته تقول فيها إن مكان حبك أصبح فارغاً ولا بد لنا أن نوجده في مكان آخر من قلبك ولذا فإن زميلتها المديرة قدرت البطولة الموجودة عندكما ولما تذكرت أن البطل يحتاج إلى مثله تكون له كفئاً فقد قررت اللحاق بك لتملأ هذا الفراغ فاستقبلها بأعصاب قوية وهي لا تقل شجاعة عن حبيبتك الأولى.
وما كادت تبحث عنه بين صفوف المقاتلين حتى عثرت على مكان يحمل اسم رفاة الشهيد وهو مسجل في قبره.
حمص 23/7/69
Comments