لا أدري
ذهبت إلى دمشق أستطلع بهجتها وزينتها يدفعني إليها حاجة ملحة استعصت تيسيرها وأنا مقيم. كان الوقت صباحاً وكان وصولي في زحمة الناس من الحركة والعمل، وأول ما أشرقت على ربوعها، استجبت لنداء الزمن الذي يلاحقني لأخذ مكاني في السيارة تقودني إلى حيث أريد النزول والاستراحة. وفي المساء خرجت في طلبي أبحث عنه فما وجدته إلا بعد لأي. ولما وجدته داهمتني غيبوبة استفقت بعدها على الخطاب الذي يؤكد لي الموت لو أني أعطيته تمام الزرقة.
ومع أني لم آخذ منها سوى جزء من عشره فقد صدعت في جبيني وعدت إلى البيت مضمد الجرح ورحت أقص إلى أهلي ما حل بي من الدأب والركض إلى الموت الذي ابتعد عني دون أن أدري أني جاد إليه وأنه لم يصلني ولو بدا في الأفق ما يشير إليه. قضيت اليوم الثاني والثالث أمشي وأنا في مكاني لا أخطو وأثبت مع أن المكان يتحرك بي فإني في فترة دوار من شدة الصدمة التي جعلت بيني وبين الحركة الحقيقية حائل. فتأجل اتصالي بإخواني من الزملاء إلى أن وجدت أني أستطيع مقابلتهم والتحدث إليهم بموضوعي.
دخلت البناية الكبيرة التي تضم مؤسستهم وناديهم وصعدت إلى الطابق الثاني: فما أن وقع نظري على أخ زميل وصديق حبيب حتى انصرف تفكيري عن حاجتي التي قصدتها ورحت أجيل النظر في الأشخاص من حوله ولحسن الحظ اهتديت إلى ما كنت أرغب به وهو التعرف على صاحب الاسم الذي كان يدوي إعجاباً وثقة حينما كان يعرض اسمه بين المرشحين ولا يهمني في ذلك مرشح أو مرشحة بل يهمني أني أريد انتخابه وانتخابها على ثقة إخواني وزملائي بها.
إن رغبتي عظمت بهذا التعرف يوم أن فاز أو فازت بهذه الثقة وقد مد أجل هذه المعرفة إلى أن جاءت بدون قصد. قال زميلي مخاطباً: "هل سمعتِ بالأستاذ: {م . ح} إنها الآنسة {ل . ا} وتم التعارف وكانت فرحتي هي السبب في نسيان كل شيء جئت من أجله. غير أن زميلي بادرني من نفسه قائلاً: لقد تم التصديق والموافقة على المعاملة في جلسة الأمس وهي في طريقها إلى حمص.
ظاهرتان تجلتا في هذا الموضوع: الأولى أني فتشت في أكثر الصيدليات عن الدواء الذي لم يوجد ورحت أبحث عنه في غيرها من الصيدليات حتى وجدته، ولما عثرت عليه وجدت نفسي مستفيضة من فرحتها بالدواء إلى فرحتها بالزرق الذي كان يعطى في ذات المكان وخلال ثوان معدودة. إن الدواء الذي كان مفقوداً كانت له أهمية العمل والفائدة وإن تأخيره ليوم ثان حتى يتم في إرشادات الطبيب بوجه كامل كان أمراً صعباً ولو كان التأجيل كان لأكثر من يوم لم يحن الوقت بعد على اقتناء الدواء بسبب الانتظار الطويل الذي سيفرج عن شيء.
أما الظاهرة الثانية فهي إني وجدت شيئاً كنت قد شغلت عنه، ونسيت شيئاً أليماً بذكره، فالذي وجدته بعد الانشغال هو الذي أضاع لي المعرفة وأنا في ذكرها أسعى وأحضر. ففرحتي بالتعارف الذي كنت أنشده ولا أجتهد له قد ظهر جلياً في مكان من النفس التي أعادت الذاكرة إلي ذلك الزمن الذي سبق الانتخاب وظل بعده مكملاً له.
أما فرحتي بالتصديق والموافقة على المعاملة فقد ظلت بدون أثر حيث أني اكتفيت بما أعلمني به الصديق الزميل ولم أطلب رقم التسجيل للوارد والصادر والجهة المرسلة للمراجعة. لا أدري إن كنت حضرت إلى دمشق للحياة أو الموت، للفرحة أو الكآبة، للنجاح أو الإخفاق. وكل ما أعلم أني تقدمت بطلبي لشراء الدواء فآثرت ثمنه على ثمن الخبز والطعام ريثما تنتهي المعاملة والتصديق عليها والموافقة وليس العجيب هو تلك المؤاثرة بل العجيب أن المعاملة أرسلت ولم تصل، وإن المسؤول عن استلامها لما تصله بعد، وإن الناطق لموافقة عليها والتصديق هو من المتكلمين عن الجماعة وليس منفرداً بالقول.
حمص 13/9/70
Comments