« لقاء مع جامعية | Main | الخيبة »

لها معنيان

لقد اندفع بعضهم إلى الترشيح اندفاعاً فماذا كانت النتيجة، ولقد أحب بعضهم أن يحظى بما حظي به الآخر فماذا كانت النتيجة أيضاً، إن فشل المرشح أمر عظيم إذا قيس بنجاحه وإن نجاحه أمر أعظم إذا قيس بعزم كفاءته وإن فشله ونجاحه أمران لا يتطلبان الغرور والكبرياء. أعلنت أسماء الناجحين فمن الذي جعلهم في المقدمة وتراجع المغرورون أو المتحمسون أو المنافسون، من الذي جعلهم يقفون عند حدودهم في الغرور أو الحماس أو المنافسة.
إني أعرف مرشحاً كان يطوف بين الناجحين، وقد رأيته بعد إعلان النتائج لم أعجب لفشله مثلما عجبت لترشيحه لم أحب أن أتحدث إليه بعد ترشيحه كما أحببت أن أتحدث بعد فشله، ولقد عرفت مرشحاً آخر أحببت أن أقابله وقد مضى عهد طويل على عدم الاستمتاع بحديثه فلما أعلن نجاحه عرفت عندئذ لماذا كنت أستمتع بحديثه.
لقد شاهدته يعبر سريعاً في مركز الانتخاب ولقد كنت أرغب في استيقافه فلما أعلن نجاحه عرفت عندئذ لماذا كان سريع الخطى وإن الوقت الذي يقضيه في الكلام هو تأخير لنجاح آخر يصرفه في العمل لقد قال لي أحد المرشحين الذين لم ينجحوا: إنه حصل على نحو ثلاثة مائة صوت وإن الأصوات الباقية التي لم يفز بها كان من عدم معرفته للمعلمات ومعرفة المعلمات به.
قلت له مداعباً لماذا لم تطف على مدارسهن لتطلب أن يمنحنك الثقة فتكون الحصيلة جيدة؟! وقلت له أيضاً مداعباً: تعرف إلى المعلمات فهن يستطعن أن يعملن شيئاً. وأخيراً قلت له عرفت موضوع الخطأ والنقص فاجتهد أن تملأه بالتسوية التي لا تترك منخفضاً أو صعوداً، ولقد سُئلت لماذا لم ترشح نفسك فأجبت وهل الممثل هو مظهر من مظاهر العظمة الإكبار أم هو دلالة على العمل الجبار الذي لا ينفك يظهر من بطولة صاحبه في العمل وصدق عزيمة في الإرادة.
ولقد سُئلت من آخر كنا ننتظر ترشيحك فلماذا..؟ ولقد مكث طويلاً بجواري كأنه لا يعرفني وقد حدقت النظر به طويلاً عله أصيب بغشاوة في عينه فجعلته لا يميز عارفه أو أصيب بفقدان الذاكرة فلم يعد يرجع إلى الوراء ما قبل اليوم. فلما سألني عرفت أنني على خطأ من استنتاجي وإنه كان يحدث نفسه بالترشيح وينتظرني أن أسأله ولما لم يكن كذلك بادرني بالسؤال غير أني أجبته بالتحديق وطول الاستغراب لم يكن كذلك ولقد سمعت أحدهم يقول لمرشح لم يفز بالنجاح إنك محدود التعريف وإنك كفء للتمثيل ولكن إحراز النجاح لا يكفي أن تعرف نفسك إنما ينبغي أن يعرفك الآخرون فيدعونك لتمثيلهم ويؤيدونك في دعوتك. ولقد سمعت أخيراً أن أحد المرشحين الذين تقدموا للتمثيل، إنما تقدم وهو على يقين من ربحه الأصوات الكافية لنجاحه.
لقد خدع نفسه ولم يستطع أن يخدع الفئة المثقفة الواعية وبالنتيجة فإن "أصواته في الانتخاب لم تصل إلى أكثر من ثلاثين صوتاً" لقد تكلمت عن أحد المرشحين قبل أن يتقدم وقد ألمحت عن أعماله دون أن أوضح اسمه، ولقد عرفه أحدهم من خلال قراءته للموضوع الذي جاء بمناسبة أخرى غير مناسبة الانتخابات وما كنت أتحدث عن شخص كما تحدثت عن عمله، وما كان عمله ليخفى على قارئ الموضوع بعد أن يكون له صلة وثيقة به. لم يستطع القارئ رغم منافسته له أن يتنكر للأقوال التي جاءت بل أيدها وقال إنها قليلة بحقه. إن من بين الناجحين أشخاصاً بحثت عنهم كثيراً بيني وبين نفسي فلم أستطع أن أهتدي إليهم ولعلي أعرفهم ويعرفوني فأين فقدت الذاكرة.
إن من بين الناجحات من عرفتها ومن لم أعرفها ولعل العارف يطلع الجاهل ولست وحدي جاهلاً بمعرفتها وليس أسفي لعدم التعرف إليها وإنما أسفي أني أضعت صوتها فلم أعطها صوتي وليس الذنب ذنبها وليس الذنب ذنبي إنما الذنب يعود إلى عدم وجود الدليل الذي يرشد والمسترشد الذي أضاع الدليل. إن من الناجحين أيضاً مرشحاً نظرت إليه من بعيد وقت خوض المعركة ونظر إلي من قريب يوم الانتخاب ولما أعلنت النتيجة عرفت لماذا كانت نظرتنا لا تتلاقى وليس ذلك عن جفاء أو إهمال.
إنه كان يستعظم نفسه أن تكون نظرته لها معنى الالتماس، وكنت أقدر هذه العظمة فأعتبرها دليلاً على نجاحه. أما سببها فيعود لانشغالي يوم فرغ وانشغاله يوم فرغت وهما أمران متناقضان. وفي اليوم الثاني لإعلان النتائج شاهدت صديقي يذهب لزيارة أحد الناجحين مهنئاً وقد دعاني لزيارته، قلت في نفسي إن هذه الزيارة جميلة لأنها جاءت في وقتها وأجمل منها أن تكون الزيارة له يوم آت لتهنئته فلها معنيان: معنى نجاحه ومعنى معرفته بنفسه معرفة حقيقية فلا يضعها فوق قدرتها ولا يجعل غيره يضعها في غير ما تستحق له.
حمص 2/5/67

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In