« التقدمية | Main | لها معنيان »

لقاء مع جامعية

لقائي مع جامعية يتم في آخر يوم من أيام عطلتها الانتصافية في بيت يضم أسرتها التي تكاملت لتنقص ونقصت لتتكامل من بعض صبر طويل وجهد أطول ليتحقق ما تعجز عن تحقيقه من قبل لو أنها بقيت على حالها لم يطرأ عليها مثل هذا النقص الذي هي فيه والذي أوجده ابتعاد الأم عن ابنتها واقتراب البنت من الشعور بواقعها الأليم ليدفعها ويحثها على الاجتهاد والأمل في التعويض عما فاتها ويفوت إخوتها من العطف والحنان عطف الأم الذي حل محله سهر الأب ورعايته، وحنان الأقرباء الذي حل محله الاعتماد على النفس والاستغناء عنهم بالتماس الرزق مما يصيبها من المعونة السنوية المقدمة للجامعي وللجامعية نتيجة تفوقه أو تفوقها طيلة أعوام الدراسة في جميع المراحل بعد إثبات حال فقر أبيه أو أبيها.
لم يكن هذا الابتعاد على الرضا منها ومن أبيها لأنه كان حداً ونهاية بين حياتين أحلاهما الابتعاد الذي حلله الله ولو كرهه. الوقت مساءً والمجلس يضم أباها وإخوتها في منزله. ما الذي تشاهدين في الجامعة مما يستحق الذكر!
كنت أسمع عن حياة الجامعة الكثير الكثير مما يسرني ولا يسر لغيري لا لشيء سوى لأنني أعرف كيف يثار الدخان من حيث لا توجد نار وكيف يتفنن الناس في الوصول إلى مثل هذه الجعجعة التي ليس من ورائها طحن من الطبيعي أن تتكلم هذه الفتاة أولاً عما يهمها في مصلحتها من الدراسة وعما تشعر به من المضايقات في سبيل ذلك وأخيراً عما حققته هذه الجامعة من الاستعداد لتنشئة أبنائها وبناتها تنشئة تؤهلهم فيما بعد لحمل كامل مسئوليتهم ففي حياة الجامعة امتحان معنوي لنجاح الفتى أو الفتاة من الأزمة النفسية الخانقة التي أصابتهما وتصيبهما من جراء القيود الاجتماعية وجعلت اللهفة كبيرة والارتباك موجوداً ولو كان كل منهما يقوم بواجبه في أداء تحصيله ومستقبله.
ما الذي شاهدته في الجامعة وفزت به ما لم تعرفيه من قبل ولم تتصوريه! الفتاة عندنا مراقبة في كل حركة ولدى كل كلمة وما أكثر تنقل الفتاة بين ساعة وأخرى في ساحة الجامعة بغية الالتحاق بمادة الدرس. عليها أن تصعد وتهبط، وأن تخطو خطوات واسعة وتقف بعدها منتظرة دورها في الدخول أو الخروج. عليها ألا تزاحم زميلاتها وزملائها في أي مقتحم تدخله. وما أحوجها إلى السرعة حيث تأخرها وبطؤها يدفع بالألسن إلى الثرثرة عنها فضلاً عن العيون الحادة التي ترمقها لو صدر منها ما يستوجب الإيضاح بالسؤال مرة أو أكثر لتفهم مادة الدرس لترفع صوتها عالياً ولتقسو بالنظر إلى كل من يحدق بها للاهتمام بشكلها دون الاهتمام بموضوع الدرس.
يا فتاتي إنك اليوم تنتقلين من حياة صغيرة محددة إلى حياة واسعة عامة فعليك أن تتعرفي من خلال دراستك كيف تكون الحياة أكثر تعقيداً لو توصلت إلى أهدافك دون أن تتعلمي اجتياز الصعوبات بقطعها حيناً وبحلها حيناً آخر وبترويض نفسك على فك عقدها حتى تحصل لديك المرونات الكافية فلا تباغتين مباغتة ينقطع لها قلبك فتصبحين بدون قلب تعيشين به أو ينخطف عقلك فتسيرين وراء المجهول وأنت به أجهل.
يا فتاتي لا تتعجبي من مثل هذه الحرية لمثل نضجك ووعيك فالحرية التي تنشدينها قد حققت لك ولكن بقي أن تتحقق لك القدرة على السير في حدودها لكي لا تتيهين في متاهاتها لأن هذه الحرية هي محدودة لك فقط دون أن يتحمل أحد مسئوليتها وأنت في دائرتك الصغيرة من الحرية سوف تنتقلين إلى دائرة أوسع ليكون لك الحرية في مشاركة الرجل بجميع أعماله مشاركة تامة فيكون لك حق التمثيل من بعد كما حق لك الانتخاب من قبل وفي هذا المجال تتعرفين لمناقشات ونظرات حادة فاستعدي لها من الآن ليكون النجاح لك في هذا المجال في المستقبل القريب سهلاً لأننا نخوض غمار معركة كبيرة فيها النصر للفتاة التي تتلقى العلم وفي عينيها براءة التلميذة وتعطي الدرس وفي يدها الإسعاف لمن يحتاج إلى الدواء.
يا فتاتي إن حريتك في الجامعة محدودة ولو كنت لا تقدرين هذه الحرية من قبل. ففي آخر العام سوف يكون الامتحان لنهاتين نهاية للسنة في بدء فحص عام ونهاية للمضايقات في وضع حدٍ لها من نفسك لنفسك ومن نفسك لغيرك. والسلام.
حمص 15/3/68

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In