عيد لا كباقي الأعياد
الجميع في خطر ومع ذلك فهم لاهون أو يتلهون بما ينسيهم هذا الخطر إلى حين مداهمته. قالت الزوجة لزوجها: غداً يصادف العيد ولا جديد عندي من اللباس يبهجني ويساويني بغيري من المرتدين للأزياء والموضات، وكانت قبل قليل سمعت انفجار البارود وصوت المدفع ودوي الطائرة ونداءات الاستغاثة. فأجابها الزوج قائلاً وغداً أيضاً مودعكم إلى حيث نلتقي أو لا نلتقي ولكن بعد أن أقوم بواجبي في خدمة وطني. كان هذا الكلام يجري وهو يهم بالخروج من منزله ليكون في الوقت المعين مع رفاقه الذين يتأهبون مثله للسفر.
فُتح الباب ودخل منه ابنه الأكبر الذي لا يتجاوز الرابع عشر من عمره وما أن رأى أباه يغادر المنزل حتى أنبأه بمشاجرة رفيقه مع الخياط لأنه سوف يؤجل خياطة بدلته إلى ما بعد العيد لكثرة الزبائن ولتأخره عن شرائها. ثم أردف قائلاً: لقد نسيتني من الجديد في هذا العام ولا أستطيع أن أزهو بلباسي كما يزهو أولاد الجيران. أما الأب فقد طال عليه الانتظار إلى الاستماع حتى ينهي الابن كلامه فقاطعه قائلاً وهو يخطو بخطواته السريعة: اسمع ما تقوله أمك في موضوعك فكما أحسنت اختيار الوقت للتذكير بطلبها فإنك لم تأل جهداً في تقليدها وتقليد أولاد الحارة.
كان الناس على طول الطريق بين مسرع ومبطئ ينتظر الفرحة لنفسه ويغتنمها كأنها كل شيء في الثوب الجديد وبعده فليأت الطوفان. لقد عاد من المقر الذي تواجد مع رفاقه وقرروا ترك أولادهم وزوجاتهم يتدبرون أمر أنفسهم فيتسلحون بالصبر على ما يحبون مخافة أن يصير بهم الصبر إلى ما يكرهون.
ما الذي دفع بهم إلى ظلم أهلهم وذويهم فيغادرون بيوتهم ولا يمتعون سكانه بما يمتع به غيرهم؟! كان الأب فريد وهو صغير في المدرسة يسمع معلمه دائماً يقول: هنا تنتهي المعركة فإما الشباب الذي يواصل الجهاد وإما الصحة التي تقاوم المرض والجهد فأدركهما لتنال مطلبك، فالصراع قائم والمتصارعون هم أبناء الحياة والغنيمة هي السيادة واستقلال الرأي. ولما كبر فريد أراد أن يزرع في نفس أولاده مقاومة الاستسلام لأهوائهم فيتحررون أولاً من عبودية الهوى وسلطان النفس فلا يكون لها عليهم غلبة إلا غلبة الحق على الباطل وانتصار الشرف على المهانة. أما رفاقه فكانوا إلى حد بعيد ينصاعون لهوىالنفس فيسرفون بلذائذهم، ولما كبروا أصبح اعتمادهم على أنفسهم عاجزاً عن نوال مطلبهم فاستحكمت بهم ميولهم إلى الكسل الذي صار جزءاً منهم.
قال واحد منهم إلى زعيمهم "فريد" ما بالك تضحك كأنك اليوم في عيد جديد وأفراح جديدة فأجابه إن عيدي يوم يتخلص الرجل من عبودية التقاليد فلا ينظر الرجل الفقير إلى لباسه المتواضع بعين الحقارة ولا تنظر المرأة إلى جارتها لتقلدها فترهق زوجها أن يستدين ليأتيها بالجديد، أما الأولاد فيجب أن يكون حاجز بينهم وبين أولاد جيرانهم وهذا الحاجز هو لدرء فساد غناهم عن قلوبهم واعتصامهم من بطر المال وتحكم الهوى.
إن الكآبة في رفاقه بادية على وجوههم فهي في فراق البيت الذي ملهم قبل أن يرحلوا عنه فلم يعد لهم شأن ولا سلطان فيه لأنهم اتخذوا منه وسيلة يحتمون به (فالزوجة والأولاد يا صديقي بحاجة إلى من يحميهم لا من يحتمي بهم) ذهب فريد إلى حيث يدعوه الواجب فلم يأسف على مغادرة بيته وأهله في وقفة العيد، أما هم فبعد أن أصبحت الدار خالية منه تأكدوا أن العيد ليس هو في لباس الجديد من الثوب وإنما هو في عودته يسألونه ولا يلحون بالسؤال ويأكلون من تعب يده وجهده فلا يجدون لذة في الطعام الذي تتجاذبه الأعين وحظ آكله منه إشباع البطن وجوع الكرامة.
أما رفاقه فقد ذهبوا ورقص أهل البيت لمغادرتهم لأنهم كانوا سقيمين في إقامتهم فكما يجلبون الداء فإنهم يرفعون الدواء وداؤهم في الكسل مثل دواء غيرهم في حمايتهم من الوقوع به.
حمص 29/ 1 / 1970م
Comments