« بمناسبة توقيع برقية الشكر | Main | صحافة بلا صحفي ومادة بلا صحيفة »

كما لو كنت شاهد عيان

فتح الباب ودخل منه شاب طويل القامة وعلى وجهه إمارات الحزم والجد يحمل بيده محفظة وقد أخرج منها كتاباً وقال بصوت فيه لهجة الآمر: إن البلاغ قد تعمم على جميع المدارس وإن مدرستكم تتمم مكتبتها باقتناء هذا الكتاب وأمسك بالوصل الذي يعني قيمة الكتاب واسم المؤلف وناوله للموظف الذي كان يجلس أمام طاولته ليستلم المبلغ ويغادر المكان.
قال الموظف في نفسه من أين تدفع مثل هذه المبالغ وإلى أين يعود حسابها لعله مرسل من دائرة رسمية تحمل صفة الوجوب للدفع ووضع المبلغ من حسابات المدرسة.؟ ثم ترك غرفته واستوضح الأمر فيما عسى أن يصنع الرفض أم القبول؟ وإذا كان الرفض فهل يكون من طرفه أو من الجهة الأخرى التي هي أعلى منه؟ وإذا كان القبول فهل تجب الموافقة ليتم الاعتراف بشرعية التصرف حتى لا تكون هناك مسؤولية، إن العجيب في الأمر هو كيفية الدخول بهذا الشكل الرسمي وهو غير منتدب من دائرة رسمية، والعجيب في الأمر أيضاً هو أنه لم يترك لإرادة الموظف فرصة قبل أن يقطع الوصل ويسلمه؟ وعندما عرض الموضوع على الجهة المسؤولة استغربت كثيراً ذلك التصرف الخاص ونفت أن يكون لصاحب الطلب حق في طلبه وأسلوب حسن ولائق في عرضه. رجع الموظف ثانية إلى مكتبه وقد استزاد بالمعلومات من رئيسه وتشجع على مجابهة الحقيقة والواقع وقال للقادم عفواً إن المدرسة لا يمكنها أن تنفق من صندوقها وتشتري الكتاب بالثمن المعروض.
وهنا قال الموفد إن خسارة المدرسة كبيرة بعدم اقتنائها الكتاب لهذا المؤلف فإن النسخ معدودة وكادت تنفذ وإذا لم يقدر لكم شراءه مني فإن وجوده في المكاتب معدوم وانصرف بمثل ما دخل بدون استئذان ولا تحية، إن الفرصة جميلة للتلهي عن هذه الصورة الأليمة الواقعية بمشهد آخر أجمل منه يكون فيه الوقت أكثر نفعاً وحرصاً. أمسك الموظف بالسماعة وكلم رئيس المستودع قائلاً سآتي إليكم واستلم منكم المجموعة من الكتب الجديدة وسماها باسمها واستعد للحضور. استدعى أحداً يساعده في نقل الكتب من مركزها إلى السيارة ومنها إلى المدرسة حتى تكون جاهزة بالسرعة الكلية وحتى لا يوجد تعسر في انتقالها إلى حيث يجب أن تحفظ ريثما ينتهي توزيعها على الراغبين والمحتاجين إليها.
نادى لأحدهم فاعتذر بسبب انشغاله في عمل آخر ونادى للثاني فلم يجده ولعله كان غائباً عن المدرسة بسبب تكليف رسمي، كلف الثالث حتى جاء الدور إلى الرابع فأجاب إن وقت الدوام قد انتهى ولا يمكنني مرافقتك دع الموضوع لليوم الثاني، حينئذ اضطر الموظف إلى الجلوس على الكرسي منتظراً حضور الغائب وفراغ المشغول وحزم المتردد في القول وليعمل شيئاً كل ذلك وهو في زحمة الأفكار بين الإنسان الموعود المنتظر ساعة القدوم وبين الإنسان الواحد أو المجموعة التي أصيبت في غفلة منها بريئة بكسر ساق بعضها وموت البعض الآخر وجرح من نجا من الموت أو الكسر كل ذلك بسبب التنظيم الجديد للمرور إذ أن السيارة التي تريد أن تلف إلى اليسار وتذهب جنوباً ليس لها المتسع الكافي من الفسحة الذي كان لها من قبل فاصطدمت بأحد الأعمدة فرمت به جانباً وعورت من قدر له ذلك وهو لا يدري من أمره إلا أنه واقف بأمان واطمئنان على الرصيف وبعيد عن الخطر.
اشتد القلق بالموظف، فنفسه تحدثه وأذنه تصغي إلى الكلام، فالانتظار صعب وأصعب منه الخلف بالوعد والمجيء متأخر عنه أو عدم المجيء. قالت له نفسه: إن الدوام طبيعي في المستودع حضرت أو لم أحضر، غير أن هناك نفوساً ترى لزاماً عليها المحافظة بالوعد فتنتظر استجابة لوعدك ولو كان الوقت متأخراً، وإن أمراً عظيماً هو أن تبدو لمن لا يعرفك جيداً أنك تخل في مواعيدك وأنت أحرص الناس عليها إذا لم يدع داع مفاجئ إلى الخلل، كما أن نفسه حدثته أن يضع الرجل الموعود في ميزان الاهتمام بالموعد. وعده بأن المقابلة له في اليوم الثاني بعد أن خرج عن ضبط القول وصدق الكلام. إن الاعتذار لا يجدي كثيراً بعد أن عمد صاحبه إلى الوقوع في الخطأ أو كاد الوقوع في الصحيح. ثم إن أجمل ما في الاعتذار هو قبوله غير أن هذا القبول يعرضك إلى الموقف المخجل الذي أنت فيه من تقصيرك وعدم وفائك.
وفي اليوم الثاني تلاقيا وعين المتخلف لا تقدر على النظر إلى صاحبها بقوة كأنها تعترف أن عمله غير لائق به. إن الإحساس بالشيء يعبر عن عدم الوقوع به ثانية عن طيب خاطر وإن الوعد هو حق من الحقوق التي توجب خلفه و خلله وشيء من اللوم والتعذير، وإذا زاد الإحساس بهذا الموضوع فإن المتخلف بوعده يفرض على نفسه العقاب وإذا اشترك هذا الإحساس بعامة الناس كانت هناك عقوبة للمتخلف وكان الوفاء بالوعد هو ميزان للرجولة الكاملة. قال الموظف مريحاً ضميره: لهوت عن تنفيذ الوعد بما أهمني وآلمني حيث طلب إليّ التثبت من وجود الموعود في عمله ليصار إلى مقابلته ولم يطلب إليّ تحقيق ما أنا أدعوه من تلبية للنداء للشخص الأول والثاني فالثالث ثم الرابع الذي حمل معه الأخبار الأليمة ليزعجني كما لو كنت شاهد عيان للحادث المؤلم.
حمص / 1/ 12/69 م

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In