« إحالة على المعاش | Main | بمناسبة توقيع برقية الشكر »

ليل وعين

هنيئاً لك يا ليل ومسكينة أنت يا عين. لم يكن الليل بطوله من ساعات ودقائق ولم يكن بطوله من أفراح وتهاني، ولم يكن بزمن ينقضي ليذكر. لم يكن كل هذا بل هو مجموعة أحاسيس هزتها حرية الإنسان في مصداق قوله وعمله فاستمع لهزاتها محبو هذه الحرية فأيدوها وضمنوا لها الحماية بعد انتكاسة كادت تختنق لولا حذاقة ومهارة واحدة ممن تعرف كيف تجمع الشمل بعد تفرق وتلين النفس بعد قساوة وتهز الأريحية بعد تصلبها.
هنيئاً لك يا ليل أعطيت لرفاقك درساً لا ينسى في الشهامة والمروءة. علمتهم حب المساواة في المعاملة وحب الاعتدال في الطلب وحب الإنصاف في الحق. لم يكن حبهم في المساواة والاعتدال والإنصاف من قبل إلا تقليداً ولم يكن حبهم لها من بعد إلا غلبة وقهر.
هنيئاً لك يا ليل تمردت على الباطل بعد ما اتضح لك الحق بوضوحه واقتنعت بالعدالة بعد ما جاء الباطل مخرشاً للناس جميعاً، فالباطل الذي جاء به غيرك هو الحق لما رفضت قبوله والحق الذي جئت به هو الباطل لما يراد الإرغام على قبوله فتنازع الحق والباطل وكان المنتصر بالنهاية هو الحق الذي لم تدعمه قوتك وإنما دعمته قوة من السماء فسخر لهٍ من سخر وأراد له النجاح فاتبع أسلوباً يرضيك بالنهاية ونسيت هذه الهزة التي أصابتك قليلاً ولحقت بالعين التي ظلت مرضى من جراء الهزة. العين التي أصابتها الهزة هي ليست عضواً للنظر في الوجه ولكنها عضو في المجتمع ترعى أطفالاً وترعى زوجاً وترعى عملاً.
إنها كانت الضحية فلنفتش عن المسبب لها لجراحها وآلامها ومرضها. لنأخذ الفاعل بجريمته أما أن نأخذ قريبه ونسيبه تشفياً وانتقاماً من المسبب ليكون جزاءً له بما أخطأ أو بدا للرائي أنه مخطئ فهذا نوع جديد من الخطأ يذهب بصواب الرأي ليقوم مقام العمل الارتجالي والسريع التنفيذ.
علمت أن موظفاً قد استلم عمله في الصباح في مركز وإذا به في المساء موقف عنه ليقوم به في الصباح التالي موظف آخر، وعلمتُ أن موظفاً قد أخذ إجازته لتنتهي بعد شهرين فيحل محله موظف آخر بالوكالة ثم يقوم عنه ثان ولما يمضي على مباشرة الأول أكثر من أسبوع.
وأخيراً علمت أن موظفاً استدعي للقيام بعمله الجديد وقد سلم له لما عرف عنه من كفاءة مسلكية ونجاح، وقد باشر الموظف عمله الجديد ودُعي له بالتوفيق وإطراء العمل وإذا بي أسمع اليوم أنه أفرغ منه ليملأ بآخر مما يظن أن الثاني هو أهل له أما الأول فكان أهلاً في الماضي وليس أهلاً له في الحاضر، دمعة عليك يا عين يا موجدة الصحة بعد المرض والأمل بعد اليأس والقوة بعد الضعف. وفرحة لك يا ليل يا موجد الهمم والقوة والنشاط والحماس في بعض النفوس لانعدامها في البعض الآخر.
حمص /10/11/1967م

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In