« الدعوة إلى امتحان جديد | Main | ليل وعين »

إحالة على المعاش

أخي المتقاعد: يبدو أنك انتهيت إلى بداية جديدة، فكيف كانت بدايتك الأولى التي آلت إليها هذه النهاية والتي منها بدء جديد لحياة تختلف كل الاختلاف عن الحياة التي انطلقت منها إلى عملك في أول عمرك، فهل بين البدايتين صلة من التشابه وهل بينهما إلا تاريخ لحياة الإنسان في عهده وهو مقبل وفي مصيره وهو مدبر مودع. قد تجد أمامك سجل كبير من الذكريات والأحداث التي ملأتها وأنت في الوظيفة وقد تسرك هذه الذكريات وتعيشها في مخيلتك ولكنك حتماً ستحاسب نفسك على ما قسوت وما كان ينبغي لك أن تقسو، فهل نجد في نتيجة الحساب أنك بما رحمت أكثر منك بما قسوت وأنك نادم لهذه القسوة التي كانت تمتعك بها صلاحيتك بالوظيفة، ندمك لهذه الرحمة التي تكرمت بها على من تقدر عليه أن تقسو.
إنك تعيش اليوم في جو الذكريات لانقطاع عهدك الماضي بحاضرك فهل فراعك المستحدث جعلك تربط بين وظيفتك وإعفائك منها بقدر ما يربطه انقطاع عهدك من الشباب وقدرتك على العمل قد يكون الماضي الجميل لعملك مؤهل لحاضرك ومستقبلك في الحياة والعيش ولكن تلك المجموعة من التصرفات التي كنت تقوم بها وأنت على رأس عملك من الطلب والنهي ومن العقوبة والمكافأة تعادل تلك المجموعة من الأحاسيس التي كنت تشعر بها نتيجة الطاعة والانصياع لهذه المتطلبات من الواجبات، فيسترحمك من يشعر بنفسه الضعف والعجز فيبادرك إلى الملاطفة والملاينة دون تمرد ولا مقاومة فتعفو من نفسك وأنت قادر على الغضب وتقسو من نفسك وأنت قادر على الرحمة.
إنك إن رجعت بهذه الذكريات إلى نفسك تجد أنك لابد وقد أسرفت في العقوبة في الوقت الذي يمكنك فيه أن تحصل على نظام العمل دون هذا النوع من التصرف وكذلك لابد أنك قد أسرفت في العفو في الوقت الذي ينبغي لك فيه أن تعفو دون أن تجعل لهذا العفو طريقاً إلى التساهل والفوضى في العمل. إنك تريد أن ترجع بهذه الذكريات لتسر على ما كسبت يداك من مآثر وأعمال عظيمة مفيدة قمت بها وأنت اليوم بعيد عنها غير أن الماضي قطع بينك وبين القدرة على تجديدها فتستزيد منها في ذاكرتك دون الواقع وتتمنى لو كان جميع سلوكك في العمل على أتم الرضا من الموافقة والقبول من نفسك ومن أصحاب العلاقة.
قضيت عهد الشباب في العمل فأنشأت جيلاً يعرف الواجب وهو على أتم الاستعداد للقيام به في أي وقت يطلب منه، قضيت عهد الشباب في التنظيم والإصلاح فأنشأت جيلا يمشي إلى الخير والإنسانية ويزعجك كل الإزعاج إذا علمت أن هذه الدروس كانت مفيدة وناجحة لبعضهم وغير محققة الهدف لبعضهم الآخر. سلمت هذه الأمانة لحملها بصدق وإخلاص فكان من تلاميذك وأكثرهم البررة قد استعصى عليه حملها فناء بها وتركها أو سلمها لغيره ليقوم بها، أو أساء استعمالها فكان مثال التلميذ العاق لأستاذه.
يبدو أن الحياة تستقبل لتودع فكما استقبلت في الماضي كثيرون ثم ودعتهم أخيراً فإنها تودعك لتستقبل وهكذا نحن في وداع واستقبال. ترى ماذا يقول الجيل الجديد السابق وماذا يقول الجيل اللاحق للجيل الحاضر؛ كل منها يأخذ من المحاسن ليزيدها ويجدد فيها وقد يترك المساوئ ليأخذها من بعد على أنها محاسن وهكذا في تبديل وتغيير بحسب ما يتطلب الوضع من الإصلاح والتنظيم والتقدم. ترى نبكيك لانتهاء عهدك أم تبكينا لبداية عهدنا أم إننا جميعاً نبكي دون أن نذرف الدموع.
إن البكاء والحزن ليبقى أثره في القلب وإن القلب ليتجدد نبضاته كلما رأى تلميذاً حفظ الدرس وعلمه فلنكثر من حفظة الدروس لأننا في انتظار تعليمهم لغيرهم ممن هم في جهل عنه فبالا مكان الاستفادة من كل الطاقات للحصول على جيل قوي متماسك. لا يزال انطباعات أعمالك أيها المتقاعد في سجل التاريخ وهي ضوء يهتدي به الموظف الجديد. فيوم كنت في الوظيفة كنت تقول ما ترك الأوائل للأواخر شيئاً ليتعلموه واليوم نقول ونحن على رأس العمل إننا نريد أن ننجح ولذلك يجب علينا أن نجد ونجتهد في المزيد من الجديد للحصول على المزيد من التوفيق.
حمص17/5/68

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In