« وارتفع صوت من أبناء الوطن | Main | الدعوة إلى امتحان جديد »

العمل للجهد والتنظيم هو الحماية للعامل من السأم

الشعور بالواجب خلق عظيم والقدرة على القيام به همة كبرى عالية. وإذ يشعر الإنسان بواجبه نحو العمل فلا بد أن يصل به هذا الشعور إلى شيء ما في حركاته وأقواله ونظراته، وإن عجزه عن الإتيان بشيء ما متحرك لمما يضاعف ألمه فسرعان ما ينقلب هذا الألم إلى سرور في نفسه لمعرفته بالواجب وجهل بعضهم به. ومن الملاحظ أن كثيرين ممن يعرفونه ولا تصل معرفتهم به إلى الإحساس ليتقدمون بخطوات إلى الأمام دون أن يصيبهم الارتباك والذهول.
ـ دعني أعمل لوحدي فإني لا أريد مساعدتك، وتكثر عليه الطلبات فيضطر إلى طلب المعونة في عمله من صديقه الذي لا يتأخر عن مساعدته.
ـ إنني أكلفك بكتابة قوائم بالأسماء تنسخ منفردة من سجل كبير وفي كتابتها دقة وضبط لأنها ستسلم إلى من يهمه الأمر. ويبدأ الصديق بالاشتراك في العمل أو بقيامه بمفرده فتثور ثائرة الصديق حيناً ويبش ويهش حيناً آخر وهو إذ يغضب لعدم القيام بها كما يريد وهو إذ يفرح لتخفيف العبء عنه وإبداء المساعدة العملية فإن انقطاع فترة العمل وتجددها لعمل آخر لهي لحظات ينسى نفسه أنه كان يثور وما عليه إلا أن يهدأ وما عليه إلا أن يجدد الثورة لا علي العمل بل عدم تنظيمه إذ أن في ذلك التنظيم توفير للوقت والجهد.
رأيته في عمله فآلمني أن يكون عدم التنظيم هو الداعي لمتاعبه. رأيته في خلال توقفه عن العمل فآلمني أيضاً أن يكون الوقت المصروف لما هو في دعابة وهزل يذهبان به كل البعد عن التنظيم وإراحة النفس. وعندما يكون في عمله فإن مظهره دال على احتماله عبأً فوق قدرته. وعندما يكون في فراغه فمظهره دال على أن سوف لا يعود إلى عمله لأنه ليس هناك أي جديد يتعلق في العمل الماضي وأن الجديد هو ما يواصله من العمل. غير أنه عندما يضطر إلى مراجعة الماضي من عمله لحاجته إليه يتحقق لنفسه أنه كان ينبغي أن يقوم بهذا النوع من التنظيم ولو أنه كان يثور حقاً في وقتها لما كانت ثورته المسبقة إلا طبعاً أصيلاً في نفسه، على حين أن يكون كل شيء في موضعه وكل موضوع في وضع النفس مكانها من الراحة والعمل والهدوء والقلق.
أحببت أن أجد لارتكابه داعياً آخر غير فقدان التنظيم فوجدت أنه بينما يقرأ الموضوع لينتهي منه إلى نهايته يفاجأ بتركه وتسجيل ملاحظات أخرى لا تتعلق بموضوع ما يقرأ وبينما يبدأ في التسجيل لينتهي إلى آخره يتوقف فجأة ليسمع ما يقال له ويجيب على ما يطلب منه. وبينما هو في زحمة هذه الأعمال يقف لينطلق من مكانه وإذ هو يعد العدة للسير يتراجع فيجلس ثانية وإذا هو يريد أن يعود إلى الكتابة يرى نفسه أمام البلاغ ليقرأه وأمام السائل ليجيبه وأمام الهاتف ليخابر المتكلم وأمام الآتي والعائد وليس بينهما أي ارتباط فلا هو يتعرف على المقبل ليذهب ولا على العائد لماذا أتى.
رأيته في أكثر أوقاته على هذه الحال وبينما أمني النفس بالرجوع به إلى ما يحبه وبالصبر على ما يضايقه وجدتني أحمل أمانتين لأمانة واحدة: هل أريد متابعة الكتابة أو الغاءها؟ وفي هذا الجديد مالا يغني عن القديم وفي هذا القديم ما بالإمكان الاستغناء به عن الجديد.
وبينما العمل في زحمة من فوضى التنسيق رأيت القلم يخط كلمة غير موجودة ويمر على كلمة موجودة ورأيتني أقف لأشكر الطالب على إهدائه الكتاب الذي وعد بتقديمه ولم يرغب في الإعلان عن اسمه. وأخيراً رأيتني أسلم الكتاب الذي يرغبه الطالب للمطالعة والكتاب الذي يشتري للدرس والتعليم. وإذا أعود إلى مساعدته من جديد فإني تذكرت الفرصة المناسبة لاستلام ما عهد إلى استلامه وما كان تسليمه عن إهمال وإنما التريث في الأمر وتأجيله لوقت آخر.
لقد انقضت فترة انصرف المراجعون بعدها لانتهاء الوقت ولما رآني صديقي نسي ما بي وذكر ما به وعندها صرخت في وجهه قائلاً:
لم أستطع أن أكتب وبي شعور بالتوقف عن الكتابة لانتظار وقت آخر تكون الكتابة به أفضل وصالحه للكاتب ومفيده للقارئ.
12/2/1972

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In