« كيف ... وأنَّ | Main | المنطق التقليدي »

كفالة موظف

لقد كانت التحية تصله قبل أن يدنو من المكان الذي هو فيه جالس بخطوات بعيدة فيردها بأصدق منها وأنبل، وكان استقباله حاراً معطراً بجميل الكلمات فيخجل من كثرة الترحاب ويرغب أن يكون بعضها من خالص قلبه وصفو وداده وفي مرة احتاج الشاب إلى مسألة لا يكلف تنفيذها صعوبة ولا تضييعاً للوقت، افتكر بصديقه الذي يلح عليه بالزيارة والمشاهدة ويعرض عليه خدمته فيما يطلب ويحتاج. عليه أن يتقدم بكفالة حسبما تقتضيه وظيفته وصديقه الذي لا ينفك يعرض نفسه في الخدمة ويزيد في الترحاب هو اليوم رجاؤه الذي ينشده لأنه تاجر ومسجل في غرفة التجارة.
ارتفعت التحية من بعيد من تاجرنا كالمعتاد فأقبل الموظف نحوه وفي يقينه أن هذه من بعض الخدمات التي لا تساوي شيئاً وقد عرض خدمة أكبر منها. ولما دنا من التاجر ابتدأه هذا الأخير كما ألفه من جميل الكلمات وحلو الابتسامات ولما علم بغرضه وحاجته إليه تغير وجهه فبدا عليه التقطيب والانشغال وانصرف عن حديثه معه إلى صديق آخر لم ينخدع به من قبل وانطلى عليه زخرفة القول وطلاوة اللسان واعتذر من صديقنا أن ليس بالأمر حيلة وهو يأسف لذلك.
إن صديقنا الموظف لم ير في حياته قط مثل هذا الإنسان يعطي من لسانه الكثير الكثير ولا يعطي من قلبه ذرة من التقدير والوفاء بالإضافة إلى حق المعرفة والجوار. ولذا لم يتوقع ما جرى له ولم يرتقب فشلاً كان النجاح في مسعاه أكيداً. إن هذا الموظف يعرف الكثير من الناس فجاء إلى أكثرهم ترحاباً واستقبالاً وعرض المشكلة عليهم وهو واثق أنه لا يعود خائب الظن.
وبينما هو يفكر في أمره إذ خطرت له خاطرة إن فلاناً من الناس يبتسم له لدى رؤيته له ويتواضع في سلام ويقلل من الكلام فليتقدم إليه لعل ابتسامة عن مودة عميقة في قلبه واحترام ولعل العمل والخدمة والوفاء ليست بالمظاهر الخادعة من صاحبها وإنما بالمهمة الموفورة والإنسانية الكريمة فلما أصبح على مقربة منه نظر الرجل إليه نظرة لم يرها من قبل فقد وقعت عينه على صديقه ورأى الحيرة والارتباك باديين في محياه فلم يتوان عن مناداته وسبقه في الكلام وأحس أن بقلبه حاجة فليعرضها بشجاعة فإن الرجال لا يقاسون بما يغمرون أو بما يظهرون بل بما يفعلون ويخلصون. كل ذلك وصديقنا مرتقب للحظات أخرى يعود فيها من لهفته وحاجته وانخداعه وما بدت منه كلمة كفالة حتى أدرك الإنسان المتواضع قيمتها بالنسبة لطالبها وعجز اللسان عن الشكر في أداء المعروف وإغاثة الملهوف أمسك يده وأخذه وجعل يمشي معه ويدور من موظف إلى آخر حتى حل مشكلته وودعه وعاد إلى بيته وبعد أن أظهر بطولة مجهولة والبطولة التي يدعيها صاحبها ويجري امتحانه بها ثم يفشل لهي بطولة كاذبة وفشلها ليس بمستغرب إنما المستغرب أن تكون البطولة صادقة وهي تصدر من مظهر لا يوحي بأي شيء من أسبابها.
وفي اليوم الثاني، مّر الموظف بقرب التاجر المدعي فلما رآه هذا وقد بدت على وجهه علائم الضحك والسرور عرف أن مطلبه قد تيسر وأن لقاءه وإلقاء السلام عليه لا يكلفان شيئاً من الخدمة والعمل ولذا عاد إلى أسلوبه الأول مع الموظف ولكنه في هذه المرة بدا له دهشة عجيبة إذ كان صديقنا في السابق ينظر إليه ولا يمعن النظر به أما الآن فقد كانت نظراته متواصلة واهتمامه يبدو في نفسه أكثر من اهتمامه بزخرف القول وبهرجته ولذا لم يقف عنده لحظة ولم يلتفت إلى مناداته وأيقن أن صناعة الكلام لمثل هذه الأشخاص هي اجتلاب الزبائن لا أكثر ولا أقل.
وفي اليوم الثالث مر بقرب الصديق المتواضع فقد كان قلبه يطير إليه فرحاً محبة أما صديقه لم يتغير بل بقي كعادته يبتسم ويسلم يتواضع ويتكلم بإيجاز مرت الأيام وافتقر التاجر واحتاج في مراجعة له مع الموظف فذكره في مساعدته بعدما نسي إحجامه عن تقديم ما سلف من القساوة أما الموظف فلما رآه في لهفته لم يقس عليه بما كان يجب أن يقسو بل عرف الضعف الموجود في نفسه وإن المادة التي كانت سبب قساوته هي بنفس الوقت سبب شقائه وحرمانه عن الصفات الإنسانية فاكتفى بما أعطته الأيام من دروس ولم يذكره بالماضي البعيد بل أخذ بيده برفق وحنان وقال له: لقد كنت دائماً تشتري البضائع بالمال فاشتر القلوب يوماً بالإحسان ثم ساعده في مهمته وعلى وجهه ابتسامة الرضا بسعادة قلبه وغناه وأشفق على التاجر من فقر يده وقلبه.
حمص في 18/1/1970

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In