في الحياة صراع كبير
في الحياة صراع كبير يتبارى في بطولتها أبناؤها ليفوزوا بأكبر قسط من المجد والسعادة قبل أن يدركهم الموت الذي لم ينهب كبيرهم وصغيرهم، وبينما هم في هذا الصراع يأتيهم الأمل الطويل والحرص الشديد في عدم التفريط بشبابهم والجد والعمل قبل الهرم والمرض لأن أحداً من الناس لا يفقد هواه وهو قادر على التمسك به إلا إذا عجز وأثقله المرض ورأى الفرجة في الخلاص من بلائه ليرتقي درجة إلى ما كان يطمح به من قبل أن تلم به مثل كارثة زعزعته وهدت أركانه.
فالرياضة وهي قبل أن تكون ميلاً حاجة ماسة للأعضاء كي تقوى وتشتد وإذا بصاحبها يرى في الجهد والعمل قدره على تحملها لا تتيح لمن لا يزاولها. وتمر الأيام ويبقى مزاول الرياضة على شأنه من الجبروت والعنفوان دون أن يدري ماذا يكون من أمر نفسه حيث أنه يشغل عملاً يكسب منه معيشته ليأتي هواه في الدرجة الثانية بعد انتهائه من واجبه في مهمته التي ألصقت به وهو سعيد بها ولو لم يتبين أمرها من النتائج التي آل إليه أمرها.
قوة الشباب وأمل الحياة تدفعه إلى التقدم والثبات في متابعة الصراع حتى ينتهي به إلى الاستقرار مع زوجه التي أعدت له، غير أنه رفض هذا المشروع المبكر لكي يعيل أسرته المكونة من والدته واخوته الصغار الثلاثة بالإضافة إلى أن أخاه في جامعة دمشق على نفقته الخاصة.
كان يرى في الزوجة الصالحة التقية ملء السعادة له وقد كان على وشك الخطبة لولا أن عاجله المرض وأودى به إلى الموت من بعد أن استنفذ منه كل ما يملك وحقق على ذمته ديناً ليوفيه إذا ما استمهله القدر وبقي حياً ونجا من شر المرض وكان له ما لم يرد وأراد له الموت ما استعذبه وانتقاه لترفع روحه إلى بارئها لقد كان وهو حي نظامياً وشجاعاً يعطي العمل حقه من الإتقان والجودة ويتبع سبيل النظام في إرضاء مراجعيه وتسديد رواتبهم.
كان قوة ونشاطاً وإسعافاً ولكنها جميعاً تلاشت وأصبحت وديعة في يد خالقها مرحومة لأنها لم تفرط بإثم والإثم يأتيها من ارتكاب المعاصي والمعاصي بينها وبينه جفوة لأن الله قدر له ذلك.
للمرحوم نقابة تضم نحواً من ألف شخص وهؤلاء فقط من أهل بلدته وأبناؤها زملاء له أحبوه وأحبهم لأن ابتسامته لا تفارق محياه وكأنه بهذه الابتسامة يقول:
كل محمول على النعش لك أخ === لك صاف وده كدر
إن تكن سلماً له لم ينتفع === أو تكن حرباً له فقد فات
ليس له بعد موته إلا هم أهله الذي حمله طويلاً وأراد أن لا ينزل عن محمله وهو باق في قوته وشبابه إلا بعد أن يكبر صغيرهم ويتخرج من جامعته شأنه شأن بقية أخوته من قبله وأحدهم لا يزال يتلقى دروسه في الجامعة ولا أدري إذا كانت هذه المصيبة قد عطلت أو قد تعطل مستقبله من بعد. إن زملاءه تنادوا لنجدة اخوته من بعده ليسهموا في دفع المعونة باقتطاع شيء يسير من راتبهم ليصبح هذا اليسير قوة بفضل المجموعة الكبيرة من هؤلاء الذين أحبوه حياً ولم ينسوه ميتاً.
بقي علي أن أذكر حقه على النقابة في يوم الأربعين فتذرف دمعات حارة على شبابه لتبكيه وتبكي اخوته وأصحابه في كلمات تخرج من القلب لتحل في القلب وتجيء هذه الكلمة من بعد إتمام وتسهيل حقوقه التي له من جراء خدمته التي لم يخرج منها إلا وهو مريض ليلاقي وجه ربه.
رحم الله الفقيد كان إنساناً موظفاً وكان إنسانياً في معاملاته لحفظ الحقوق والواجبات التي له وعليه إنه عبد المطلب.
Comments